د.معتز الخطيب: هل أهل مكة أدرى بشعابها؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*د.معتز الخطيب

 

 

من أكثر الأمثال العربية تداولًا المثل القائل “أهل مكة أدرى بشعابها“، وهو مثلٌ يُستخدم في سياقات متعددة لأغراض متنوعة؛ ولهذا بات من المهم تقديم رؤية نقدية لاستعمالاته؛ فشيوع بعض الأمثال (والمفاهيم كذلك) على الألسنة وتعدد أغراض مستعمليها يؤدي إلى ابتذال معانيها؛ ومن ثم يفقد المثل (أو المفهوم) وظيفته. فالأمثال في اللغة العربية هي “وَشْي الكلام، وجوهر اللفظ، وحُلِي المعاني” كما قال ابن عبد ربه (328هـ)، وهي ” كلمات مختصرة تورَد للدلالة على أمور كلية مبسوطة” كما قال أحمد القلقشندي (821هـ).

ولهذا كان صنّاع الإنشاء والمشتغلون بأدب الكتابة يحرصون على “كيفية استعمال الأمثال” على اختلاف أنواعها: العربية والمولّدة والمُحْدَثة. فالعرب لأنهم الأصل، والمولّدون “لجريهم على أسلوب العرب وركوب جادّتهم”. أما المُحْدَثون “فللطافة مأخذهم، واستطراف ما يأتون به مما يجري مجرى النثر والنظم” كما قال القلقشندي الذي حرص على بيان أن من أصول صناعة الإنشاء: الاستشهاد بالمثل في موضعه، وإيراده في مكانه، ولا يتأتى ذلك إلا من عارفٍ بأصل ذلك المثل وما بُني عليه، وذلك أن “المثل له مقدّمات وأسباب قد عُرفت، … وهذه الألفاظ الواردة في المثل دالّة عليها معبرة عن المراد بها بأخصر لفظ وأوجزه”. وذلك يعني أن استعمال المثل (وكذا المفهوم) يستدعي استحضار مقدّمات وأسباب محددة لولاها لما فُهم من هذه الألفاظ القلائل تلك الوقائع المطوّلات.

رجع ضرب المثل بشعاب مكة إلى أن مكة معروفة بكثرة شِعابها (جمع شِعب وهو الطريق من الأرض)، وذلك لأنها منطقة جبلية، وقد قال نور الدين اليوسي (1102هـ) عن هذا المثل “وهذا مثل مشهور شائع الاستعمال يُضرب للمباشر للشيء والمخالط له؛ أنّه أخبر به وأبصر بحاله وأعرف، كقول القائل: وصاحب البيت أدرى بالذي فيه”.

وبهذا فإن الأمثال تلتقي مع المفاهيم والاصطلاحات في كونها “كالرموز والإشارة التي يلوّح بها على المعاني تلويحًا”، فهي تختصر المعنى الكثيف بأوجز الكلام وأكثره اختصارًا، ولهذا كله لا ينبغي الإخلال بمعرفة أصول المثل أو المفهوم أو الاصطلاح، لكننا سنركز هنا على المثل المذكور فقط، فابتذال المفاهيم والاصطلاحات له سياق أكثر تعقيدًا.

تُجمع الصيغ المختلفة للمثل على التمثيل بأهل مكة وشعابها، ولكن المثل يرد تارة بلفظ “أعرف بشعابها”، وأخرى بلفظ “أخبر بشعابها” وثالثة بلفظ “أدرى بشعابها”. ولا أعرف على وجه الدقة متى استُعمل هذا المثل لأول مرة لكن الحافظ ابن حجر العسقلاني (852هـ) نقل عن ابن فضل الله العمري (749هـ) في ترجمة بركة بن ملك بن محمد القرشي السهمي المكي الذي وُلد سنة (660هـ)، أنه لقيه بمكة وحكى له من أخبار مكة وأمرائها ما ذلّل عنده صعابها، قال “وعُرف من جوامع كلِمه أن أهل مكة أخبر بشعابها”، ولكن هذه العبارة مُشكلة؛ فكأنه يعزو المثل إلى بركة، في حين أنه أقدم منه، وقد أورده -على سبيل المثال- ابن الأثير الكاتب (637هـ) في “المثل السائر”، وابن الأثير الجزري المحدّث والمؤرّخ (630هـ) وغيرهما.

ويرجع ضرب المثل بشعاب مكة إلى أن مكة معروفة بكثرة شِعابها (جمع شِعب وهو الطريق من الأرض)، وذلك لأنها منطقة جبلية، وقد قال نور الدين اليوسي (1102هـ) عن هذا المثل “وهذا مثل مشهور شائع الاستعمال يُضرب للمباشر للشيء والمخالط له؛ أنّه أخبر به وأبصر بحاله وأعرف، كقول القائل: وصاحب البيت أدرى بالذي فيه”. ويبدو أن هذه العبارة الأخيرة كانت دائرة على الألسنة ولذلك ترجم لها إسماعيل العجلوني (1162هـ) في كتابه الذي خصصه للأحاديث المشتهرة على الألسنة وإن لم يتكلم عليها بشيء، ولكنها ليست حديثًا.

وقد كان حماد الأنصاري (1418هـ) الذي وُلد في مالي ثم هاجر إلى مكة وتتلمذ عليه فيها كثير من أهل العلم، يقول عن مكة “كدت أن أكون أعرف بها من أهلها؛ حيث كنت أتجوّل فيها وأنا شاب من أجل أن ينطبق عليّ قولهم: أهل مكة أدرى بشعابها شرّفها الله عزّ وجل”. ولكن المثل -بمعناه الحقيقي لا المجازي- كان محل انتقاد من النسّابة والمؤرّخ المكي عاتق بن غيث بن زوير البلادي الحربي (1431هـ) إذ قال “والحقيقة أنه ليس كل أهل مكة أدرى بشعابها، ولذا فبإمكانك إضافة هذا المثل أيضًا”.

وبعيدًا عن المعنى الحقيقي للمثل، المحمول على جغرافيا مكة وشعابها حقيقة، فإن ما يعنينا هنا هو الاستعمالات المجازية للمثل إذ صار يُستعمل في سياقات مختلفة كالتاريخ والأدب وعلوم الحديث وغيرها، حتى إن جمال الدين القاسمي ومحمد ناصر الدين الألباني وغيرهما استعملوه للدلالة على أن العمدة في علم الحديث إنما هي على المحدّثين؛ “لأنه علمهم الذي اختصوا به، فهم أعرف به من غيرهم، وكلُّ علم يُرجع فيه إلى ذوي الاختصاص والإتقان فيه” كما قال القاسمي متابعًا لكلام الأئمة السابقين في هذا؛ إذ إن الاختصاص هو معيار المرجعية هنا خصوصًا عند التنازع.

والنقاش حول المثل المذكور هنا له مستويان: الأول: كيفية اقتباسه والاستشهاد به، والثاني: حول معناه والمشكلات التي تحيط به في السياق المعاصر.

أما بخصوص كيفية اقتباسه، فلم يكن أهل صناعة الإنشاء يتسامحون في الاستشهاد بالأمثال في الكتابة كما سبق؛ لأن حفظ الأمثال والأشعار وغيرها كان من آداب الصناعة عندهم، فإنه “إذا أكثر صاحب هذه الصناعة من حفظ الأمثال السائغ استعمالها انقادت إليه معانيها، وسيقت إليه ألفاظها في وقت الاحتياج إلى نظائرها من الوقائع والأحوال فأودعها في مكانها، واستشهد بها في موضعها” كما قال القلقشندي الذي أوضح أن “الأمثال لا يجوز تبديل ألفاظها ولا تغيير أوضاعها؛ لأنها بذلك قد عرفت واشتهرت”.

وقد فاضل القلقشندي بين نمطين من الاستشهاد بالمثل القائل “أهل مكة أخبر بشعابها”: نمط وقع فيه الاستشهاد أحسن موقع، ونمط آخر انحطّ عن تلك الرتبة. فمن النمط الأول ما جاء في وصية أمير مكة المعظمة، كما حكاه ابن فضل الله العمري، من قوله “ولأنه أحقّ بني الزّهراء بما أبقته له آباؤه، وألقته إليه من حديث قُصيٍّ جدِّه الأقصى أبناؤه؛ وهو أجدر مَن طهّر هذا المسجدَ من أشياء يُنزّه أن يَلحق به فُحش عابِها، وشنعاءَ هو يعرف كيف يتتبّعها، وأهل مكّة أخبر بشعابها”. قال القلقشندي “فاستعمل المثل السائر في قوله: وأهل مكة أخبر بشعابها؛ وقد وقع هذا المثل في كلامه أحسن موقع، وجاء على أجمل نظام؛ لأنه قد أتى به في مكانه اللائق به، ومحله المخصوص بوصفه”.

ومن النمط الثاني ما نقله الشيخ جمال الدين بن نباتة في وصية خطيبٍ إذ قال “ووصايا هذه الرتبة متشعبة، وهو كأهل مكة أخبر بشعابها، وأحوالها مترتبة، وهو على كل حال أدرب وأدرى بها”. قال القلقشندي في تقويمه لهذا الاستعمال إنه جاء منحطّا عن الدرجة السابقة، وقاصرًا عن رتبتها، وذلك أن القائل هنا “قد ظرّف بذكر الجناس الاشتقاقيّ في قوله: متشعبة مع قوله بشعابها”.

أما المستوى الثاني حول معنى المثل والمشكلات التي تحيط به، فإنه يخرج عن صيغة الاستشهاد على طريقة صناعة الأدب، ويتخذ صيغة الاستدلال في سياق النقاشات المعاصرة. وإذا كان استعمال المثل في صناعة الإنشاء تتفاوت رتبه ودرجاته حُسنًا وقُبحًا، فإنه من جهة المضمون كذلك، خصوصًا أنه يتم الاستدلال بالمثل أحيانًا لادّعاء شرعية حصرية في الفهم والتقويم لأهل المكان ومنع الآخرين من الإدلاء برأيهم في الموضوع؛ بحجة الاختصاص المكاني، وهذا ينطوي على إشكالات عدة ألخصها في الآتي:

الأمر الأول: أن مجرد الانتماء إلى مكان لا يستلزم ثبوت مزية مطلقة للمنتمين إليه على غيرهم؛ فالمعرفة لا تنحصر بتوفر شرط الاقتراب المكاني. نعم قد تفرض طبيعة الموضوع نفسه القرب المكاني كما يقع في وسائل الإعلام التي تهتم بنقل حدث وقع فوجودها في عين المكان شرط في نقل المعرفة المباشرة، ولكنها تبقى رواية لما وقع، أما تحليل وفهم أبعاد ما حدث فلا يُشترط فيه القرب أو الوجود في المكان نفسه. ثم إن حصول المزية لأهل مكة بمعرفة جغرافيتها -مثلًا- لا يعني ثبوت مزايا أخرى لهم كالفهم الدقيق لما يجري فيها من أحداث مثلًا؛ لأن العيش في مكة لا يستلزم الإحاطة بأخبارها؛ فهذا قدر زائد قد يقع من أهل مكة ومن غيرها بوسائل متعددة اليوم. وكم من المسلمين عاشوا في دول الغرب -مثلًا- ولم يُلِمّوا بثقافته فضلًا عن لغاته، وكذلك الحال مع أجانب كثيرين عاشوا سنين في دول الخليج ولا يعرفون العربية!

الأمر الثاني: أن المثل يقوم على إثبات مزية لأهل مكة، وعبارة (أهل) تحيل إلى الاختصاص لا مجرد القرب منه، فالقرب هنا ليس قربًا مكانيًّا بل اختصاص كاختصاص الأهل بأبنائهم، وهذه الأهلية لا تتحق إلا بوجود معايشة للموضوع مع توفر أدوات المعرفة اللازمة. فالخصيصة التي امتاز بها أهل مكة هي معرفتهم التي حصلت لهم بالقرب وطول المعايشة فمجرد القرب أو العيش في المدينة ليس وصفًا مؤثرًا ما لم يتحقق الاختصاص أو الأهلية.

الأمر الثالث: أن مجرد القرب المكاني أو الشخصي لا يولد معرفة بالضرورة، فأهل مكة ليسوا سواءً؛ إذ إنهم متفاوتون في معرفة الواقع الذي يعيشون فيه لعوامل مختلفة تتصل بالقدرات والانشغالات والتخصصات، وهذا عامّ في كل بلد. ثم إن شدة القرب قد تكون حجابًا؛ والأمر يتوقف على طبيعة المعرفة ونوع العلاقة التي تربط صاحبها بموضوعه، فقد يعجز المنغمس في موضوع عن رؤية جوانب منه تحتاج إلى مسافة تفصله عنه حتى يستطيع تكوين رؤية أدق، ومن ثم فإن الالتصاق بالمكان أو الحدث لا يستلزم بالضرورة دقة الرؤية أو موضوعيتها، خصوصًا إذا كان طرفًا فيه وكانت لديه رغبة في منافع معينة أو رهبة من تهديد ما، أو كان قد اعتاده فغابت عنه تفاصيله. أليس الكاتب بحاجة إلى قارئ يراجع له نصه؛ لأنه أقدر منه على رؤية ثغراته (ولو كانت طباعية)، وذلك بحكم المسافة التي تفصله عن النص في حين أن الكاتب متحد مع نصه. وهذا يختلف عن الاختصاص بطول المعايشة والمدارسة الذي يزيد صاحبه عمقًا وفهمًا وتوليدًا للمعاني والأفكار.

الأمر الرابع: أنه لا يمكن المفاضلة بين شخصين في فهم الوضع السياسي لبلد ما -مثلًا- بمجرد أن أحدهما يعيش فيه؛ لأن هذه المفاضلة تفتقر إلى عنصر الملاءمة بين الموضوع ووجه المفاضلة، كما أنها مبنية على تصورات سطحية لوسائل المعرفة وأدواتها التي لا يشكل فيها القرب المكاني عاملًا مهمًّا إلا في المسائل الميدانية كما ذكرنا في الإعلام والصحافة وخاصة الاستقصائية. وإنما القرب المفيد للفهم في الموضوع السياسي هو القرب من دوائر صنع القرار في البلد المحدد لا مجرد العيش فيه. ثم إن أهل الاختصاص في الشأن السياسي أعرف بالموضوع وإن بعُدوا، ممن ليسوا من أهل الاختصاص وإن قرُبوا؛ لأن أدوات الفهم وشروطه لا تقوم على العامل المكاني بل على مفاهيم وأدوات تحليل وحصول على معلومات ومعطيات من صناع القرار ومصادر أخرى فضلا عن استحضار للسياق الكلي: المحلي والإقليمي والدولي.

الأمر الخامس: أن القضايا التي هي محل انقسام بين أهل مكة أنفسهم يبطل فيها الاحتجاج بالمثل المذكور؛ لأن هذا الانقسام دليلٌ كاف على أن المسألة لا صلة لها بالقرب أو البعد المكاني، بل تتصل إما بتوجهات فكرية أو بأساليب القراءة وموازين المصالح والمفاسد، فهي مسألة تأويلية وليست ذات صلة بشعاب مكة التي يُفترض أنها تحيل إلى حقائق جغرافية ثابتة على المعنى الحقيقي أو إلى اختصاص معرفي على المعنى المجازي. والاستدلال بالمثل هنا لا معنى له سوى أن طرفًا لا يتصور المسألة كما يتصورها الطرف الآخر ولهذا عوامل مفهومة لا صلة لها بالقرب والبعد.

الأمر السادس: أن مكة -بالمعنى الرمزي- لم تعد شعابها متشعبة ومعقدة في زمن معولم تتنوع مصادر المعرفة فيه وتتقارب أماكنه، حتى بات سائقو “أوبر” يذرعون شوارع مدن العالم ويخدمون مواطنيه بناء على إرشادات خرائط غوغل وتطبيقات أخرى تهديهم إلى أدق التفاصيل.

الأمر السابع: أنه لا بد من التمييز بين الموضوعات التي تتم المفاضلة فيها، فهي مراتب بعضها أخفى من بعض، وبعضها لا يحتاج إلى كون الشخص من مواطنيها أو المقيمين فيها لمعرفتها بعمق. فقد تكون القضية المبحوثة لا تخص أهل مكة وحدهم، خصوصًا في عالم شديد الترابط، فما يجري في مصر -مثلًا- يؤثر في باقي دول العالم العربي، وثمة قضايا ذوات مصير مشترك كالقضية الفلسطينية، وثمة قضايا إسلامية عامة كبعض البنود التي وردت في الميثاق الذي وقّعته جمعيات وهيئات إسلامية في فرنسا وقد تناولته في مقال سابق.

الأمر الثامن: أن اختصاص أهل مكة بمعرفة شعابها قابل للبرهنة العملية إما عبر الدلالة على شعابها حقيقة، أو عبر تقديم حجج مقنعة على كون الشخص من أهل مكة بتقديم حجج وبراهين تثبت ذلك لا بادّعاءات مبهمة، فهي مسألة برهانية وقابلة للنقاش والحجاج والإقناع، وليست أسرارًا غامضة أو مسألة ثقة.

الأمر التاسع: أن مزية أهل مكة قائمة على معرفتهم بالواقع حقيقة، ولذلك فإن الحجاج والاستدلال ينبغي أن يتوجه إلى معطيات وحقائق واقعية فعلية أو متوقعة بناء على معطيات توضح درجة هذا التوقع وكيف تم الوصول إليه، وأي لجوء إلى أدلة نصية أو وقائع تاريخية للتدليل على خيارات اتخذها أهل مكة يُبطل الاستدلال بالمثل؛ لأن الدلائل النصية والتاريخية لا تخص أهل مكة وهي محل تأويل واستدلال من الجميع. فبخصوص المسألة السياسية فأهل مكة هم القادرون على صياغة “تقدير موقف” مبني على معلومات ومعطيات وعبر رصد الاحتمالات المتاحة وتحديد عواقب كل خيار والموازنة بين الخيارات والترجيح بينها وفق معايير.

*أستاذ فلسفة الأخلاق في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...