فقه الصمت..!

 

 

 

 

 

* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار

 

 

فقه الجنازة ينبغي أن يتضمن فقه الصمت أيضًا؛ فليس الفقه فقط أن تعرف ماذا تقول، بل أن تعرف متى تقول وماذا لا تقول ولمن تقول وما الذي يمكن أن تتركه كلماتك في قلبه.

حضرت تشييع جنازة إحدى أفراد العائلة إلى مثواها الأخير. وأثناء الدفن تعالَى صوت من بين المشيعين ليقول: «اللهم أبدلها زوجًا خيرًا من زوجها»..!

هنا لا تكمن المشكلة في الحكم الفقهي وحده بل في انفصال العبارة عن مقامها الإنساني. فقد يكون الدعاء جائزًا من حيث الصيغة عند من أجازه لكن الجواز الفقهي لا يعني أن التلفظ به مناسب في كل مقام ولا أن أثره النفسي يمكن تجاهله.

والأشد إيلامًا ووجعًا أن يُقال هذا الدعاء والزوج واقف بين المشيعين يسمعه وأولادها أيضًا في حفرة القبر حفاةً يضعونها في مثواها الأخير ويسمعونه.

رجل فقد زوجته للتو وما يزال في اللحظة الأولى من الفقد. يأتيه صوت من بين المشيعين ليقول: «اللهم أبدلها زوجًا خيرًا من زوجها»..!

حتى لو كان القائل لا يقصد إلا الدعاء لها بحسن الحال في الآخرة وحتى لو كان المراد عند بعض أهل العلم إبدال الصفات لا استبدال الشخص فإن الأذن لا تستقبل العبارة بهذا التعقيد الفقهي. إنها تسمع في أبسط دلالاتها المباشرة: «لقد ماتت وسيأتيها زوج أفضل منك»..!

أما الأبناء فيمكن أن تصلهم العبارة بصورة أشد قسوة: «ماتت والدتنا وستتزوج في الآخرة بزوج أفضل من والدنا»..!

وهنا تظهر مسألة أعمق من الخلاف الفقهي: هل كل ما جاز قوله يجوز قوله في كل مقام؟

فالخطاب الديني ليس أحكامًا مجردة فقط وإنما هو أيضًا معرفة بالمقام ومراعاة لوجع النفوس وفهم لدقائق اللغة وما تتركه في القلب من أثر.

ثم إن هذا المشهد يكشف مشكلة أخرى أكثر خطورة: حفظ العبارة لا يساوي فهم العبارة. قد يحفظ المرء دعاءً سمعه من غيره ويكرره في كل جنازة دون أن يعرف سياقه العام ولا دلالاته ولا اختلاف العلماء فيه ولا ما يمكن أن تحدثه كلماته في نفس إنسان مكلوم.

وهنا تتحول العبادة من حيث لا يقصد صاحبها إلى ممارسة آلية منفصلة عن فقه المقام؛ بل إنني أرى أن فقه الجنازة ينبغي أن يتضمن فقه الصمت أيضًا.

ففي بعض لحظات الفقد لا يحتاج أهل الميت إلى كثرة الكلام. يكفي أن تقول: «اللهم اغفر لها وافتح لها أبواب الرحمة والمغفرة وأسكنها فسيح جناتك» وأن تدعو لأهلها بالصبر والسلوان.

أو أن تردد دعاءً قرآنيًا جامعًا لكل خير: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. دعاء لا يفتح بابًا لتأويل جارح ولا يضع الزوج أمام صورة افتراضية لا يحتاج إلى سماعها في تلك اللحظة.

والأهم أن لا نجعل من الخلاف الفقهي في معنى العبارة ذريعة لإهمال أثرها الإنساني. فحتى إذا قال الفقيه إن المقصود «إبدال الصفات لا الذوات» فإن الزوج المفجوع ليس في مجلس درس أصول الفقه حتى يستحضر هذا التفصيل وهو يسمع العبارة عند قبر زوجته.

لذلك فالسؤال الحقيقي ليس فقط: هل يجوز أن نقولها؟ بل: هل من الرحمة أن نقولها هنا؟

هناك أدعية كثيرة أرحم وأبلغ وأبعد عن الإيذاء. فلماذا نختار عبارة تحتمل أن تكون خنجرًا في قلب رجل جاء ليودع زوجته؟

في حضرة الموت لا نحتاج دائمًا إلى مزيد من الكلام. أحيانًا يكون الصمت نفسه عبادةً من نوع آخر؛ لأن احترام حزن الآخرين جزء من احترام الموت.

______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics