سمر يزبك
كاتبة سورية.
ليست العزلة هي التوقف عن الاهتمام بالناس. أحياناً يبتعد المرء لأنه لم يعد يحتمل ما صار عليه الآخرون، ثم يكتشف هذا الإنسان، في وحدته، أنه لم يعد يحتمل نفسه أيضاً. في هذه المسافة، بين خيبة الإنسان من عصره وخيبته من ذاته، يعيش بطل رواية “ذئب البوادي” لهرمان هِسّه، هي نفسها المسافة التي تجعل الرواية (بعد قرابة قرن على صدورها) أقل غرابة وأقرب إلينا مما نعتقد.
لا يبدأ قلق هالر، بطل الرواية، من سؤال مجرّد عن معنى الوجود. إنه رجل له ذاكرة ثقافية، يحب غوته وموزارت، لكنه لم يعد يجد لنفسه مأوى في عالم تبدلت قيمه القديمة. المجتمع البرجوازي المنظم أصبح يخفي خلفه فراغاً قادراً على ابتلاع المخلوقات الهشّة، ويُقابل قدرةَ الحضارة الصناعية الحديثة على الإنتاج عجزُها عن الإجابة عما ينبغي فعله بالحياة. حتى دعوته إلى السلام تجعل منه غريباً في محيطه في ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الأولى. كانت غربة هالر، بهذا المعنى، طريقةَ إنسان وحيد لتأمل تداعي أحلام عصر كامل أمامه مع بدايات صعود النازية.
صدرت الرواية سنة 1927. كانت ألمانيا لا تزال تحمل آثار الحرب العالمية الأولى وتعيش هشاشة سياسية، فيما وللمفارقة، كانت الفنون تزدهر ويبحث الأدب والموسيقى والعمارة عن أشكال جديدة للتعبير. لم تكن الأزمة تعني أن الحياة توقفت. على العكس: كان كل شيء يتحرّك، وربما بسرعة لا تترك للإنسان وقتاً ليفهم موضعه في هذا العالم. وهنا تحديداً تكمن إحدى مفارقات القلق الإنساني الحديث: أن يشعر المرء بالغربة وسط عالم مزدحم بالوعود وبأمل التجديد. ويعيش هالر انقساماً آخر، هذه المرة في داخله. فهو يتخيل نفسه موزّعاً بين صورة الإنسان المهذب الذي صاغته ثقافة عصره وصورة الذئب البرّي الذي يثور على تلك الثقافة في أعماقه. يمنحه هذا التصور تفسيراً لألمه، لكنه يحبسه أيضاً داخل صورة ضيقة لنفسه. فحين نقرّر أننا هذا الشيء أو نقيضه، قد نغفل عن سائر الوجوه التي يمكن أن نعيش بها. ليس أشقّ على الإنسان من أن يتحول وصفه أزمته إلى قدر لا يستطيع مغادرته.
في زمننا العربي شيء من ذلك. لم يعد الأهل والأصدقاء يتشاركون اللغة نفسها التي يصفون بها العالم، أصبحت كلمات مثل المساواة والعدالة والظلم تحمل معاني مختلفة، حتى بين أبناء المعسكر الواحد وحتى في العائلة الواحدة. يبقى إنسان ما بعد الربيع العربي يسمع يقيناً سياسيّاً هنا، وطمأنة أهلية هناك، ووعوداً متكرّرة بأن الأمور ستستقيم والمجازر ستنتهي والفقراء سيجدون من يرأف بهم، فيما تتراكم داخله أسئلة العجز وفراغ المعنى. ليس في هذا تشابه تام مع زمن هِسّه؛ لكل عصر حروبه وخيباته. لكن صعوبة الفصل بين الحزن الفردي والمجتمع العاجز عن الاستقرار هي التي تجعل تجربة بطل رواية هِسّه نموذجاً يعبّر عنا بشيء من الدقة. وما يبدو عزلة أو انسحاباً اجتماعيّاً قد لا يكون غير انعكاس خارجي لعجز طويل عن التصالح مع الواقع.
ومع هذا، لا تمنحنا الرواية سبباً لتمجيد العزلة. هالر ساخط على المجتمع، لكنه لا يجد في ابتعاده عنه ملاذاً يعفيه من امتحان أفكاره بين البشر، يستطيع المنعزل أن يدين زمنه كل صباح؛ غير أن إدانته، مهما تكرّرت، لا تبدّد أسباب خيبته من الحضارة. ويصل هالر، في النهاية، إلى أن الإنسان أوسع من فكرته عن نفسه، وأن مخالطة الآخرين قد تكشف له ما تعجز عن كشفه أصدق لحظات تأمله. ومن هنا أيضًا تأتي أهمية السخرية في الرواية: فالقدرة على الضحك لا تلغي المأساة، لكنها تمنع ما يجعلنا أسرى أبديين لها.
يبقى السؤال الأصعب خارج الرواية: ماذا يحدث حين يتحول نقد العصر إلى انسحاب منه؟ هل يمكن للمرء أن يعترف بزيف لغة التقدم، وأن يشكك في أخلاق السلطة والقبيلة؟ حتى الموقف الصائب يفقد جدواه إذا انتهى إلى الامتناع عن أي فعل مشترك. وبالتأكيد ليس مطلوباً من كل قارئ قلق أن يصبح قائداً سياسيّاً؛ لكن المطلوب ألا تصبح خيبته من العالم حجة لتركه لمن يملكون الإجابات الأسهل والأقسى.
ما يعيد هِسّه إلينا اليوم أنّه وضع أمامنا إنساناً يتألم من عصره ومن نفسه معاً، كما لو أن خيبات العالم، حين تطول، تصير جزءاً من نظرتنا إلى أنفسنا.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





