*ذ. أحمد براو
في غياب أي مشروع وحدوي عربي مستقبلي و تقهقر مشاريع عربية كانت قائمة كجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي واتحاد المغرب العربي، واستفحال الإصطفافات والإستقطابات، والوضع الأمني الهش بعد مآلات الربيع العربي والثورات المضادة له؛ يتنامى صراع مشاريع إقليمية للهيمنة وبسط النفوذ على هذا الإقليم المضطرب والذي تتمتع فيه المنطقة العربية كقوة استراتيجية واقتصادية وسياسية كبيرة؛ بحيث تقع هذه المنطقة التي يصطلح عليها منطقة “الشرق الأوسط وشمال إفريقيا – Medio-oriente e Nord-Africa – وسط الكرة الأرضية وتمثل مساحتها أكثر من 10% من مساحة العالم، وتعتبر من أغنى بقاع الأرض بحوالي 60% من الإحتياطي العالمي من النفط بالإضافة إلى الغاز والمعادن، والموانئ الرابطة بين القارات الخمس بحيث يطل موقعها على بحار ومنافذ جد مهمة، وهي تضم كتلة سكانية ضخمة ذات نمو ديمرغرافي مطرد.
فمن بين الدول المحيطة التي لا تخفي طموحاتها في وضع اليد على مقدرات هذه الشعوب العربية هناك ثلاث دول إقليمية والتي تعدّ دول قادمة بقوة ولاعبة دور جد محوري وهي إيران وتركيا وإسرائيل.
بخصوص إيران وإسرائيل فأطماعهما لبسط النفوذ في المنطقة ظهر منذ القرن الماضي عند انطلاق الثورة الإسلامية الإيرانية ومحاولات تصدير الثورة بدأ يتنامي النفوذ الفارسي في العراق ولبنان واليمن وبعض الفصائل الفلسطينية المقاوِمة الإحتلال، وأما إسرائيل فاستعدّت لذلك منذ هزيمة 1973 بحيث عقدت معاهدة السلام مع السادات 1978، وغزت لبنان سنة 1982 وكذلك بتوقيعها لاتفاقية “وادي عربة” مع الأردن واتفاقيتَيْ “أوسلو” و”واي ريفر” مع منظمة التحرير الفلسطينية.
وبلغ التغول الإيراني أوجه في المنطقة العربية بعد سقوط بغداد 2003 وتحالفه الوثيق مع المنظمات والأحزاب الشيعية العراقية، ودعمه القوي لحزب الله لتحرير الجنوب اللبناني 1996 ولصد العدوان الإسرائيلي 2006. ثم التدخل المباشر في سوريا وحسمه المعركة في الحرب الأهلية بالتنسيق مع روسيا لدعم نظام الأسد وإخماد الثورة السورية، ثم الدعم القوي لجماعة الحوثي في الحرب اليمنية وإمدادها بالسلاح والمعدات والصواريخ والخبراء.
أما إسرائيل فاستغلت الضعف الذي تتخبط فيه دول الخليج والمنطقة بعد الربيع العربي فعملت على إضعاف وتحييد الجار السوري واللبناني من أي محاولة لتهديد أمنه باستباقه للضربات الجوية والإغتيالات كما هي عادة الكيان، ثم للإستفراد بالفلسطينيين وتقليم أظافر المقاومة في غزة واستكمال الهيمنة على القدس بحيث حولتها عاصمة الكيان والشروع في ضم أراضي الضفة الغربية ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات.. وكذلك استغلال ببعض الدول العربية وعقد اتفاقيات سلام مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان في انتظار البقية.
أما تركيا التي احتضنت آخر خلافة إسلامية فهي لازالت تَعتبِر هذه المنطقة، مناطق النفوذ التي كانت تتبع للإمبراطورية العثمانية في الدول العربية، لها هوية وثقافة وتقاليد تركية خصوصا في الشام ومصر وليبيا، ورغم علمنة الدولة التركية فبقي لها وجدان إسلامي يجرها أكثر للمشرق العربي وشمال إفريقيا، وبعد صعود التيار الإسلامي في تركيا بقيادة نجم الدين أربكان ظهر الإهتمام التركي لاسترجاع المجد العثماني واستعادة النفوذ وعقد التحالفات مع الدول العربية والإسلامية ثم بعده أردوغان الذي توجه هو وحزبه العدالة والتنمية بكل قوة لغلق ملف الإنضمام للإتحاد الأوروبي ونهج سياسة عقد اتفاقيات سياسية واقتصادية مع دول المنطقة، وعرف هذا التحالف صعود قوي عقب الثورات العربية والإنتصارات السياسية والإنتخابية لما يعرف تيارات الإسلام السياسي والعلاقة القوية مع قطر الداعم الآخر القوي لهذه التيارات خصوصا في تونس ومصر وغزة واليمن وسوريا وليبيا، لكن هذا الرهان بدأ يدب إليه الفشل بعد تراجع الثورات العربية ونجاح الثورات المضادة التي قادتها دول الخليج الإمارات والسعودية ثم مصر وانتكاسة الثورة السورية وفوضى الحالة الليبية، والتراجيديا اليمنية، كل ذلك حجّم شيئما من الدور التركي رغم حضوره وبقوة في إيجاد توازن للحل من هذه الأزمات ويظهر ذلك في جلوسه لطاولة المفاوضات مع الجانب الإيراني والروسي لحلحلة الأزمة الإنسانية السورية واستقباله لأزيد من ست ملايين لاجئ سوري، وكذلك مساندته السياسية والعسكرية لدولة قطر عقب الحصار المفروض من بعض الدول العربية ثم اتفاقية التعاون المشترك مع حكومة الوفاق الليبية والذي مهد للحل السياسي ونزع فتيل الحرب الأهلية بعد صد تركيا لهجوم حفتر على العاصمة طرابلس.
ومؤخرا بدأت تلوح بوادر انفراج في علاقة تركيا مع مصر بعدما كانت قطيعة تامة لمؤيدي الإنقلاب العسكري المصري وفتح تركيا لملاذات آمنة لجماعة الإخوان والمعارضين المصريين ولا زالت تدعمهم سياسيا وإعلاميا، وكذلك مع السعودية بعد الأحداث المروعة لجريمة الإغتيال للمعارض جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول بحيث أبدت تركيا استعدادا لإيجاد مخرج للسعودية من المستنقع اليمني.
فهذه الدول الثلاث بحكم موقعها الإقليمي المطوق للمنطقة العربية وجدت نفسها معنية لإيجاد موقع نفوذ جيوستراتيجي، بعد تراجع الهيمنة الدولية للولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي بقيادة فرنسا وبريطانيا. وتنامي الدور الروسي عسكريا والصيني اقتصاديا.
ورغم التنافس الشديد بين هؤلاء الدول الإقليمية الثلاث وباستثناء العداوة الظاهرة بين إيران وإسرائيل، والتي كانت علاقة تحت الطاولة إبان الدعم الإسرائيلي لإيران في الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988 فإيران تاريخيا كانت على علاقة جيدة مع إسرائيل في عهد الشاه وتعتبر ثاني دولة إسلامية بعد تركيا تعترف بقيام الدولة العبرية ، ولكن بعد ذلك توترت العلاقات وانقطعت إبان الثورة الخمينية، والشعارات الإيرانية بمحو إسرائيل فيما تدارك ذلك المرشد خامنئي بقولته الشهيرة “الجمهورية الإسلامية لم تهدد ولن تهدد أي دولة أبدًا”
يبدو أن هذه الدول الثلاث تلعب في الحلبة السياسية بطريقة برغماتية فمثلا هناك علاقة قوية بين إيران وتركيا في شتى المجالات خصوصا في الطاقة والتجارة و التعاون الإقتصادي للإلتفاف على العقوبات الأمريكية على إيران، وكذلك هناك تفاهم مشترك في الملف الكردي، ورغم اختلافهم في الحرب السورية لكنهما جلسا على طاولة الحوار، وبالمقابل تبدو العلاقة التركية الإسرائيلية متينة منذ الخمسينات وتعتبر أول دولة إسلامية تعترف بالكيان، فرغم صعود الإسلاميين للحكم في تركيا فلازالت العلاقات الإقتصادية والإستخباراتية والأمنية والعسكرية على أعلى مستوى رغم انخفاض التمثيل الدبلوماسي بعد حصار غزة وحادثة سفينة مرمرة.
كل هذه المعطيات تشير إلى أن القوة الدافعة لعقد التحالفات وبسط النفوذ في الشرق الأوسط والمنطقة العربية لم تعد فقط الإيديولوجية أو الدين أو القواسم المشتركة بل السياسة الواقعية والهاجس الأمني، وما اتفاقات التطبيع مع “العدو” الإسرائيلي على الرغم من الرفض الشعبي إلا أن الساسة العرب يتطلعون إلى تجاوز كل معارضة لمواقفهم، وهم يريدون تعويض تضاؤل اهتمام أمريكا بالشرق الأوسط بالتحالف مع إسرائيل ضد إيران وتركيا، فهم يرون في إسرائيل دعامة لإبقائهم في لعبة النفوذ الإقليمي الكبرى.
فلمن تكون الغلبة في الأخير هل لإسرائيل أم لإيران أم تركيا؟ ننتظر باقي الشهور والسنوات لنرى.
*باحث مغربي في علوم التربية والثقافة والمجتمع بجامعة كالابريا بإيطاليا.





