الرئيس التونسي قيس سعيد في ليبيا لمساندة المسار الديمقراطي وربط جسور التواصل والتنسيق بين قيادتي البلدين
حسن سلمان
بدأ الرئيس التونسي قيس سعيد زيارة إلى ليبيا، يتوقع أن تركز أساسا على دعم المسار الديمقراطي عقب اختيار أعضاء المجلس الرئاسي ومنح الثقة لحكومة الوحدة الوطنية، فضلا عن تفعيل الاتفاقيات المبرمة بين الطرفين، في وقت تستعد فيه ليبيا للبدء في خطة إعادة الإعمار عقب الاستقرار السياسي والأمني النسبي الذي تعيشه البلاد.
وزيارة سعيّد هي الأولى لرئيس عربي بعد المصادقة على حكومة الوحدة الوطنية، والثانية لرئيس تونسي بعد الثورة، حيث سبق أن زار الرئيس السابق منصف المرزوقي إلى طرابلس عام 2012.
وتندرج هذه الزيارة- وفق الرئاسة التونسية- “في إطار مساندة تونس للمسار الديمقراطي في ليبيا وربط جسور التواصل وترسيخ سنة التشاور والتنسيق بين قيادتي البلدين. كما تمثل مناسبة لإرساء رؤى وتصورات جديدة تعزز مسار التعاون المتميز القائم بين تونس وليبيا وتؤسس لتضامن شامل يلبي التطلعات المشروعة للشعبين الشقيقين في الاستقرار والنماء”.
ويرافق سعيّد في هذه الزيارة وفد دبلوماسي رفيع يضم وزير الخارجية عثمان الجرندي وعدد من أعضاء الديوان الرئاسي، بينهم مستشار مكلّف بالشؤون الاقتصادية.
وخلال مؤتمر صحافي عقده مع رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، قال سعيد “سنعمل على تفعيل جميع الاتفاقيات المبرمة بين البلدين”، كما أشار إلى أن تونس وليبيا ستعملان على إعادة إحياء اتحاد المغرب العربي على مستوى اجتماع وزراء الخارجية وعلى مستوى القمة”، مضيفا “لدى البلدين إمكانيات كبيرة لتحسين الوضع المتردي الذي شهداه في السنوات الأخيرة لو توفرت الإرادة لذلك”.
وقال وزير الخارجية التونسي عثمان الجرندي إن زيارة سعيد إلى ليبيا هي “”تعبير صادق عن مدى مساندة تونس لجارتها ليبيا، وستفتح صفحة جديدة للعلاقات بين البلدين”، مشيرا إلى أن سعيد ناقش مع المنفي إمكانية “إعادة النظر في الاتفاقيات السابقة لتحديثها حتّى تكون مواكبة للتحدّيات، فضلا عن الاستحقاقات في المنطقة وضرورة تكثيف التنسيق بين البلدين بشأنها”.
وتباينت ردود فعل السياسيين التونسيين حول زيارة الرئيس سعيّد إلى ليبيا، حيث قال مصطفى عبد الكبير الأمين العام للمنظمة المغاربية للسلم والمصالحة أن الرسائل التي يريد الرئيس قيس سعيد إيصالها من خلال هذه الزيارة، تتلخص في أنه لا يخشى الوضع الأمني وانه ليس مستهدفا في ليبيا وهو كبقية المواطنين التونسيين المقيمين في ليبيا والذين يتحملون ظروف التنقل والعيش في هذا البلد”.
وأضاف “كما يريد سعيد ان يسجل التاريخ انه الرئيس العربي والافريقي الأول الذي يزور ليبيا بعد عملية التوافق الأخيرة، ويريد أن يبعث رسالة لرئيس الحكومة التونسية، هشام المشيشي أنه الأكثر حرصا على مصلحة التونسيين، كما يريد بعث رسالة للدول الاخرى بأن تجاوز تونس في أي ملف يتعلق بليبيا هو خط احمر، وبأن تونس لن تصطف إلا مع الطرف الليبي الذي يحظى بشرعية دولية، وأنها تؤيد ارساء دولة مدنية ديمقراطية تكون فيها ليبيا موحدة ولا مجال فيها لحكم العسكر”.
ورغم أن زيارة سعيد تحمل في بعض جوانبها “طابعا اقتصاديا”، إلا أن عبد الكبير يرى أن تأثير هذه الزيارة على الاستثمار والتعاون الاقتصادي التونسي الليبي “لن يكون كبيرا لأن الرئيس لا يملك -دستوريا- سن قوانين خاصة بالتخفيض الضريبي على التصدير والتوريد او سن قانون اعفاء للمستثمرين وغيرها، ولكن قد تشكل الزيارة دعما “معنويا” لرجال الأعمال والمستثمرين من الجانبين، وأعتقد أن خلاف سعيّد مع المشيشي سينعكس سلبا على نتائج هذه الزيارة”.
وتوجه محمد عمار رئيس الكتلة الديمقراطية برسالة إلى الرئيس قيس سعيد، قال فيها “زيارة ليبيا هي زيارة تاريخية بامتياز وهي الأولى لرئيس تونسي منذ 2012 وهي من الزيارات القلائل لرؤساء دول الى ليبيا. هذه الزيارة مهمة جدا لمستقبل العلاقات الثنائية بين البلدين، نتمنى للأشقاء في ليبيا السلم الأهلي والاستقرار، ويجب توطيد العلاقات أكثر على المستوى الاقتصادي. فليبيا عمقنا الاستراتيجي ونحن أيضا كذلك بالنسبة لليبيا، وهناك مظلومون في السجون الليبية (ولا اتحدث عن الإرهابيين)، كما لا بد من تذليل كل العقبات أمام التجار والمستثمرين، وهناك قيود يجب النظر فيها تتعلق بالتصدير عبر البحر استجابة للجانب التركي وهو ليس في صالحنا او صالح الاخوة في ليبيا، ويجب الحديث مع محافظ البنك المركزي ليعود التصدير عبر المنافذ البرية خاصة للمنتجات الطازجة”.
كما دعا عمار إلى “المساهمة في اعمار ليبيا وفتح المجال للشركات التونسية للمساهمة في هذا الملف، كما أن حقل نوارة في الجنوب التونسي والذي يرتبط بميناء قابس يمكنه ان يكون من أكبر المشاريع في افريقيا تصديرا للغاز الطبيعي المسال. وأخيرا نزغب بمعرفة الحقيقة حول مصير الصحفيين سفيان الشورابي ونذير القطاري”.
وكتب زهير إسماعيل، القيادي السابق في حزب الحراك “في زيارات رئاسة الجمهوريّة وخاصّة في زيارات الدولة يكون هناك إعداد مسبق يأخذ كلّ الوقت وكلّ الجهد وكلّ الوزارات المعنيّة (بحسب أولويّة الملفّات) وفي زيارة ليبيا في هذا الظرف كلّ الملفّات أولويّة وكلّ الوزارات معنيّة. في مثل هذه الزيارات تتحوّل رئاسة الجمهوريّة إلى خليّة عمل لا تتوقّف وقبلة لكلّ الوزارات وأهمّ مؤسسات الدولة ونخبة خبرائها. ولكن يبدو أنّ قيس سعيّد يزور ليبيا وحيدا ليذكّرهم بحكم الفرد وبخطاب دمّر ليبيا وكلّفها عقودا من وقتها وكلّ ثروتها وسيادتها وآلاف الضحايا من خيرة شبابها ومثقفيها وعلمائها. وكان من بين أسباب امتناع بنائها بعد سقوطه”.
وأضاف، في تدوينة على موقع فيسبوك “كان المفروض أن تكون زيارة ليبيا تتويجا لسنة ونصف من الديبلوماسيّة الدؤوبة وعمل مرموق على الملف الليبي انطلاقا من مرجعية مسارنا في بناء الديمقراطيّة وشروط النهوض الاقتصادي والرفاه الاجتماعي لتونس وليبيا والمنطقة في سياق صراع محاور جديد بعمق الساحل والصحراء وبمساحة حوض المتوسّط وتحفّزه لدور جديد. ولكن ذلك هو حصاد الشعبويّة المر بعد سنة ونصف على الخديعة”.
وتتمتع تونس بعلاقات جيدة مع ليبيا، حيث استضافت تونس أكثر من مليوني لاجئ ليبي عقب الثورة التي أطاحت بالزعيم الليبي السابق معمر القذافي، كما شكلت ليبيا سوقا واعدة لعشرات الشركات التونسية، فضلا عن وجود أكثر من مئة ألف عامل تونسي في ليبيا، ويبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 600 مليون دولار.
كما استضافت تونس مؤتمرات عدة لحل الأزمة في ليبيا، كان آخرها مؤتمر الحوار الليبي في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي الذي رعته الأمم المتحدة، وأفضى للتوافق على إجراء الانتخابات العامة في ليبيا يوم 24 كانون الأول/ ديسمبر 2021.





