*نزار بولحية
ليس بوسعه اجتراح معجزة، وليس واردا بالطبع أن يطلب منه ذلك.. لكن هل ستتوقف الأمور عند حد إعلانه المفاجئ قبل أيام عن بعض النوايا النبيلة؟ أم إنها ستمضي لاحقا لأبعد من ذلك؟ وإذا كانت الإكراهات والمصالح الدولية لا تتماهى غالبا وبشكل مطلق مع المبادئ والقناعات الفردية، فإن السؤال هنا هو، ما الذي دعا رئيس تونس لأن ينتبه الآن بالذات إلى أن هناك اتحادا مغاربيا قد يشكل طوق الخلاص المثالي لبلاده من كبواتها المالية والاقتصادية بوجه خاص؟
ربما كان من المفيد لو أن أحدا من الصحافيين الدين حضروا الأربعاء الماضي في طرابلس وقائع المؤتمر الصحافي، الذي عقده رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي مع الرئيس التونسي، الذي حل يّومها في ليبيا في زيارة رسمية دامت لساعات معدودة فقط، قد حاول بطريقة ما فكّ ذلك اللغز، وسأل الضيف التونسي وبشكل مباشر عما قصده حين قال في فقرة من كلمته أمام مضيفه: «سنعمل معا على أن يعود اتحاد المغرب العربي لسالف نشاطه، باجتماع جديد للدول المكونة له على مستوى وزراء الخارجية أو على مستوى القمة».
فليس معقولا أبدا أن تسقط مثل تلك الجملة القصيرة، التي لم تثر قدرا واسعا من الاهتمام، لا داخل تونس ولا حتى خارجها، عبثا أو تحشر بشكل عفوي في سياق الحديث العاطفي للرئيس قيس سعيد عن مستقبل العلاقات التونسية الليبية. لكن ما المغزى من ورائها إذن؟ وما الذي قصده، أو أراده الرئيس سعيد من خلال تلك الإشارة المغاربية بالتحديد؟ لعل مبعث كل تلك التساؤلات، أن علاقته بالاتحاد المغاربي خلال أكثر من عام من توليه الرئاسة، لم تكن صلبة أو قوية جدا، بقدر ما كانت وعلى العكس باهتة وفاترة لأقصى حد، حتى لا نقول ضعيفة ومخيبة لآمال وتطلعات كثير من المغاربيين الذين استبشروا في خريف 2019 بفوزه بانتخابات الرئاسة، واعتبروه الرجل الذي سيقدر على ضخ دماء جديدة في اتحاد مغاربي مجمد ومشلول، لا يزال البعض يراه في حالة موت سريري. أما المبرر الذي قد يفسر به أنصار سعيد ذلك، فهو أن استمرار الاضطرابات السياسية وتفاقم الأزمات والمشاكل الداخلية، خصوصا بعد عجز الحزب الفائز بالانتخابات، أي حركة النهضة عن كسب ثقة البرلمان لتشكيل الحكومة، هو ما جعل الرئيس سعيد يخصص قسما كبيرا من جهده واهتمامه لتلك المسائل، ولو كان ذلك على حساب الملفات الخارجية، التي هي بالأساس من صلب أولوياته واختصاصاته، وفقا لما جاء به الدستور الجديد. لكن ألم تكن نظرته مع ذلك للوحدة المغاربية ومنذ الشهور والأسابيع الأولى لحكمه على قدر كبير من التذبذب والضبابية؟
فبعد استقباله موفدين مغربيين رفيعين من العاهل المغربي محمد السادس، وهما رئيسا مجلس النواب ومجلس المستشارين المغربيين، اللذان حضرا مراسم تنصيبه وتأكيده خلال تلك المقابلة، وفقا لما جاء في بيان الرئاسة على «استعداد تونس الدائم لمزيد تعزيز علاقاتها مع المغرب، من خلال إيجاد صيغ وتصورات جديدة للتعاون في المجالات كافة، لمواجهة مختلف التحديات وتجسيد تطلعات الشعبين الشقيقين، نحو مزيد من التعاون والتكامل والتضامن «وعلى وحدة مصير الشعوب المغاربية» وتشديده على «أهمية الدفع بالعمل المغاربي المشترك وتفعيل مؤسسات اتحاد المغرب العربي، كخيار استراتيجي لفتح أفق تعاون جديدة لشعوب المنطقة، وتعزيز الاندماج بين الدول المغاربية». كانت المفاجأة الكبرى، ليست فقط أن شيئا من ذلك لم يحصل على الاطلاق، بل حدوث نوع من الانتكاس غير المفهوم في العلاقات التونسية المغربية، واقتصار الاتصالات رفيعة المستوى بين الجانب التونسي والجانب المغاربي، وفي جزء كبير منها، على بعض المكالمات الهاتفية والبرقيات المتبادلة مع الرئيس الجزائري تبون، وزيارة أولى للجزائر تلتها أخرى الأسبوع الماضي إلى ليبيا، ودامت بضع ساعات فحسب، ما جعل الرباط تنظر بريبة وقلق لما باتت تعتبره ابتعادا نسبيا وجفاء غير مبرر من جانب تونس، وربما حتى نوعا من الخروج غير المعهود عن سياستها المعروفة بالتوازن في تعاملها مع جارتيها المغاربيتين المغرب والجزائر، الأمر الذي دفع كثيرا من المراقبين لأن يعتبروا أن تتالي الاتصالات بين الرئيسين سعيد وتبون، مقابل غياب تام لأي إعلان رسمي عن زيارة مرتقبة للرئيس التونسي للرباط، أو حتى لنواكشوط، بالإضافة إلى ما خلفه التصريح الأخير لرئيس مجلس النواب التونسي بعد التأويل الخاطئ لدعوته لإحياء الاتحاد المغاربي، ولو بالانطلاق من مثلث يضم تونس والجزائر وليبيا من ضجة كبرى داخل المغرب، تأكيدا لكل تلك الهواجس، وبالتالي دقا لآخر مسمار في نعش الاتحاد المغاربي، مثلما سارعت للقول بعض الجهات الإعلامية في الرباط. ولذلك جاء تصريح الرئيس التونسي في طرابلس كمحاولة متأخرة بعض الشيء، لكن ضرورية للتدارك والتصحيح ووضع الأمور في نصابها، بالإشارة ولو بشكل غير مباشر إلى أن العلاقات التونسية الليبية ومن ورائها العلاقات التونسية الجزائرية أيضا تتنزل ضمن إطار إقليمي أشمل هو الاتحاد المغاربي. لكن هل كان الدافع لذلك هو اصطدام الرئيس سعيد بحقيقة موضوعية هي، صعوبة وربما حتى استحالة تأسيس تحالف ثنائي أو ثلاثي، يجمع تونس بالجارتين الجزائر وليبيا دون باقي الدول المغاربية الأخرى؟
ما الذي دعا رئيس تونس لأن ينتبه الآن إلى أن الاتحاد المغاربي قد يشكل طوق الخلاص لبلاده من كبواتها المالية والاقتصادية؟
لا شك بأن نفسا براغماتيا جديدا ظهر بوضوح في تلك الجملة المقتضبة، لم يعهده التونسيون على الأقل من قبل في خطب وتصريحات رئيسهم. فالرجل الذي ظل يردد دائما انه مع اتحاد مغاربي مغاير تماما للحالي، وأكد أكثر من مرة ربما آخرها في اتصال هاتفي جمعه في مايو الماضي بالرئيس الموريتاني ولد الغزواني على « وجوب التفكير في وسائل جديدة ترتقي بفكرة المغرب العربي إلى مستوى آمال الجيل القديم، وتطلعات الشباب المتحفز لبناء مستقبل جديد» صار هدفه المعلن الآن هو التوصل فقط لعقد اجتماع للدول الأعضاء في الاتحاد على مستوى الرؤساء، أو حتى على مستوى وزراء الخارجية.
وهذا ما قد يشكل وفي حد ذاته تنازلا نادرا في مواقف وأفكار قيس سعيد، إذ ما قارناه بما يبديه من تمسك شديد بطروحاته ورؤيته للمسائل والقضايا الداخلية لبلاده. لكن السؤال هنا ومع نزول سقف طموحات سعيد إلى حد أدنى، وهو التوصل لجمع القادة المغاربيين إلى طاولة واحدة، بغض النظر عن مآلات ونتائج اجتماعهم هو، ما الذي يخطط لفعله حتى يحقق ذلك؟ وهل إنه سيكون قادرا على أن يقدم للتونسيين والمغاربيين ما قد يبدو الآن وفي ظل الوضع المتوتر نسبيا بالمنطقة حدثا وإنجازا فارقا؟ إن بوسعه وبلا شك أن يستثمرعلاقاته الجيدة بالقيادة الجزائرية، لإقناعها بأهمية مثل تلك القمة والضرورة الملحة لعقدها. وربما سيكون من السهل عليه أن يفعل الأمر نفسه مع الموريتانيين والليبيين. غير انه سيكون مطالبا ببذل جهد أكبر لإقناع المغاربة بأن تونس لاتزال بالفعل حريصة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع كل الدول المغاربية. أما هل سينجح بالأخير في ذلك أم لا؟ فالأمر يبقى مرتبطا بالأساس بما سيفعله لا بما سيقوله ويصرح به.
*كاتب وصحافي من تونس





