أحمد براو
فتح الله لعباده في شهر رمضان باب عظيم من أبواب الخير وهو باب إجابة الدعاء لأن “للصائم دعوة لا تُردّ” كما في الحديث الشريف {ثلاثة لا ترد دعوتهم، الصائم حين يفطر…}، وهذه فرصة جليلة لمن باغته رمضان ولم يعدّ عدّته ودخل بذنوبه ومعاصيه وكسله وتوانيه وبقلة الهمة في الإجتهاد والتفرغ، فقد فتح الله لك باب يفيض به عليك من نعمه الوافرة وخيراته الغامرة ألا وهو باب إجابة الدعاء في رمضان.
وتتنوع أحوال العبد في هذا الشهر الفضيل عبر مقامات العبودية بين الصلاة الصيام والصدقة وتلاوة القرآن والذكر والدعاء والتضرع لله سبحانه، وعبر هذه الأحوال يتذكر معية الله وقربه.
وكل هذه العبادات مقصدها هو التعبّد لله تعالى بصفة الإحسان أي كأنك تراه، لأنه سبحانه بصير سميع، وقريب مجيب، هو معنا يرانا ويسمع سرنا ونجوانا في كل وقت وحين، ولاستحضار هذه المعاني التي تُشعر المؤمن بهيبة الله وجلاله سبحانه، والتي يستحضر فيها معيته ودُنوّه، فلابد من التدبر والخشوع ومن ثَمّ الشعور بمراقبة الله وقربه، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}” البقرة(186)
لكن من الملاحظ أن عبادة الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل هي أحد العبادات التي تجلب المسلم بسهولة أكثر من غيرها إلى مقام مراقبة الله واستحضار معيته سبحانه، فعبادة الدعاء على عظمها تحتاج عزيمة إيمانية ونفسية أقل من العزيمة المطلوبة للخشوع في عبادات الصلاة وتلاوة القرآن والذكر.
ولأن للنفس الإنسانية طمع في الدعاء، فالإنسان يأمل من الدعاء تحقيقَ حوائجه الشخصية ودفع مضارِّه وجلب منافعه خصوصا الآنية، مما يقوّي عزمه على الدعاء ونجد العبد يستجمع قواه الذهنية لأنه يعرف أن الدعاء واللجوء إلى الله اللطيف بعباده، من أجل تحقيق مراده وأهدافه، ويدرك أن التوجه لعبادة الدعاء هو أسهل طريق لتحقيق هذا المراد.
ونجد الطائع والعاصي والبر والجافي لا ينفك عن الدعاء واللجوء إلى الله تعالى لأن الكل مفتقر الى الله، ولكن نجد أن هناك من يدعو طالبا ما عند الله لتحقيق أهداف دنيوية،
فيركز على اللجوء لله تعالى طلبا لصلاح أموره الدنيوية فقط ولا يدعوا بأمر من أمور الآخرة وهذا الصنف ورد ذمهم في القرآن فقال تعالى: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}
وهناك فريق من المسلمين يدعو طالبا خَيريْ الدنيا والآخرة وهؤلاء مدحهم الله فقال سبحانه: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.
كما يجب على من يعبد الله ب”عبادة الدعاء” التحوُّل من الدعاء المرتجل إلى الدعاء بالأدعية القرآنية، وأخرى مأثورة في السنّة، إذ وردت أدعية كثيرة في القرآن الكريم نذكر منها: قوله تعالى:
– {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}
– {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}
– {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}
– {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}
-{رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}
-{رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}
-{فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}
-{رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ}
– {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}.
وأحاديث نبوية صحيحة مطلقة ومقيدة ومنها:
– «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سَخَطِكَ»
-«تَعوَّذُوا بِاللَّه مِن جَهْدِ البَلَاءِ، وَدَركِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ» “.
-«اللهم إنى أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى»
– وكان أكثر دعاء النَّبِىِّ (صلى الله عليه وآله وسلم): { يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك}
– وبحديث آخر كان أكثر دعوة يدعوبها : {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.
وعند الإفطار في رمضان “اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت”. و “ذهب الظمأ، وابتلَّت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى”
ودعاءه صلى الله عليه وسلم لقوم عند الإفطار عندهم : “أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلَّت عليكم الملائكة”.
وممكن لأي مهتم بأمر الدعاء أن يجد في ذلك ما يغني عن الأدعية السجعية المنتشرة بكثرة في هذا الزمان، بالإعتماد على ماورد في القرآن وصح في السنة لأنها من جوامع الأدعية المفيدة للمؤمن في دنياه وأخراه.
وفي ظل هذه العبادة الفريدة التي تعتبر مخ العبادات، تتنوع مقامات العبد في الدعاء والتضرع لله سبحانه وعبر هذه الأدعية يتذكر معية الله وقربه ويستشعر أن الله جل جلاله وعم نواله، يسمعه و يراه، وحينها يدرك العبد معاني أسماء الله تعالى وصفاته فهو سبحانه السميع البصير، العليم الخبير، القريب المجيب، الودود اللطيف، الأحد الصمد، البر الرؤوف، المعطي الحليم، الجواد الكريم.





