*د.التجاني بولعوالي
يعتبر الصيام ظاهرة عامة، فهي لا تتعلق بالإسلام وحده، إذ تثبت مختلف المصادر التاريخية أن معظم الشعوب والأمم والحضارات مارست فعل الصيام، من فراعنة وهندوس وبوذيين وإغريق وغيرهم. بالإضافة إلى أهل الكتاب من يهود ونصارى الذين زاولوا شعيرة الصيام، بكيفية تختلف أو تأتلف مع الطريقة التي جاء بها الدين الإسلامي الحنيف، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة، وبالتحديد في قول الله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، سورة البقرة، الآية 183.
ثم إن مسألة الصيام لا ترتبط بالإنسان فقط، حيث يثبت علماء الطبيعة والأحياء أن سائر الكائنات الحية تصوم، وتمسك عن الأكل والشراب لفترات معينة، وذلك من أجل مقاصد تُهمها كأن تكون فطرية أو صحية. منها ما قد تمكن العلماء من استجلائه عن طريق البحث والملاحظة والتجربة، ومنها ما يظل غامضا ومستعصيا عن الفهم. ومن الأمور العجيبة التي تسترعي النظر، كما يقرر علماء الأحياء، أن الأسد أيضا يمارس فعل الصيام، وذلك لمقصد صحي يتعلق بحاجته الضرورية إلى التخلص من حمض “البوليك” السام، الذي يشكل ضررا لجسمه وصحته، وهو مادة تنشأ لدى الحيوانات اللاحمة التي لا تقتات إلا على اللحوم.
على هذا الأساس، يبدو أن الصوم ظاهرة عامة ومشتركة بين مختلف الثقافات الإنسانية والكائنات الحية، غير أن الجديد الذي جاء به الإسلام هو أنه جعل الصيام فريضة واجبة، تشكل ركنا ركينا وأساسيا من أركان الإسلام الخمسة، التي لا يكتمل إسلام المسلم وإيمان المؤمن إلا بأدائها على الوجه الذي حدده الخالق سبحانه وتعالى. وقد تم تنظيم الصيام الإسلامي تنظيما دقيقا ومحكما عبر ضوابط وتعاليم شرعية. بل وخُصّص شهر كامل يوحد الأمة الإسلامية قاطبة بالصيام، وهو شهر رمضان الذي يعتبر الشهر الوحيد المذكور في القرآن الكريم، (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)، سورة البقرة، الآية 183.
وعندما نتأمل صوم الإنسان المسلم العادي، الذي يعيش ما بين 60 و70 عاما، نرى أنه يصوم طيلة حياته حوالي 60 شهرا، أي ما يتراوح ما بين 4 و5 سنوات. وهي، في الحقيقة، مرحلة زمنية لا يستهان بها. لذلك فالسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو: ماذا يتعلم المسلم من هذه التجربة الصيامية الطويلة؟ هل إنه حقا يصوم أم أنه ليس له من ذلك إلا الجوع كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “ربّ صائم ليس له من صيّامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر”؟ كيف يطور المسلم ذاته، وينمي قدراته الجسدية والنفسية أثناء هذه التجربة؟ وكيف يتفاعل مع رسالة الصيام؟ لاسيما وأن العديد من المسلمين يكتفون بالمستوى المعجمي الظاهري، حيث الصيام يعني مجرد الإمساك عن الأكل والشراب وغشيان النساء، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ما يجعله مجرد رياضة بدنية تُؤدّى لذاتها مفصولة عن المقاصد العامة التي جاءت بها الشريعة الإسلامية.
إن فئة مهمة من المسلمين لم تدرك بعد أن الصيام يعد شعيرة عظيمة وضعها الإسلام في مقام رفيع، فخصها الله تعالى لنفسه، كما جاء في الحديث القدسي: “كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به”. ومرد ذلك إلى أن هناك من يجهل أو يتجاهل الأهمية العظمى التي يكتسيها ركن الصيام، فلا يتفاعل مع هذه الفريضة رؤية وخشوعا وتعاملا. ما يقتضي ترسيخ السؤال المقصدي: لماذا نصوم؟ لا الاكتفاء بالأسئلة الإجرائية العادية، التي تتكرر كلما هلّ هلال رمضان، من مثل: متى نصوم؟ من يصوم؟ كيف نصوم؟
ثم إن الاقتصار على الحيثيات الفقهية في الصيام وفي غيره من العبادات والمعاملات يعتبر من بين العوامل، التي تجعل من رمضان مجرد مرحلة انتقالية يشهد فيها المسلمون تجربة إيمانية مشرقة، يصير أثناءها هذا الشهر بمثابة مدرسة يدخلها الصائمون تلامذة وطلابا، ويتخرجون منها أساتذة في العبادة والتقوى، غير أنه بمجرد ما يرحل شهر الصيام يعود الفتور إلى النفوس والأبدان، ويتراجع عقرب الإيمان إلى درجة الصفر، أو بالأحرى إلى درجة أدنى منها! بمعنى أن المسلم يفشل في الحفاظ على المكتسبات والمحصلات التي كان قد حققها طيلة شهر رمضان، وهذا ما يؤسف له شديد الأسف! لأنه، كما يقول المثل المشهور، ليس المهم أن تصل إلى القمة، وإنما المهم أن تحافظ عليها! فكم عدد المسلمين الذين يحافظون على المستوى الإيماني والإحساني الذي كانوا عليه طوال شهر رمضان؟
لقد تعددت تفسيرات العلماء والدعاة وإجاباتهم عن السؤال المقصدي: لماذا نصوم؟ ومع ذلك يبدو أن خللا ما يعتري بنية المجتمع المسلم، حيث يتعاطي عدد من المسلمين مع شعيرة الصيام بكيفية غير صحية، يصبح فيها رمضان مجرد عادة متوارثة لا عبادة ربانية تسمو بالمسلم وترقى به، ومجرد مرحلة زمنية يُمنع فيها الإنسان من جملة من النعم والمتع. لذلك تخلو “أجندة” الكثرة الكاثرة من المسلمين من برنامج رمضاني متكامل تجتمع عليه الأسرة؛ ذكورا وإناثا، كبارا وصغارا، وتحدد من خلاله أهم المقاصد التي سوف تحققها أثناء هذا الشهر المبارك، وكيف سيتم استثمارها في مرحلة ما بعد رمضان.
في مقابل ذلك، ينشغل عدد من المسلمين بوضع برامج واستراتيجيات تتعلق بثقافة البطن والاستهلاك، فيتفننون في صنع المأكولات والمشروبات وتزيين الموائد بما طاب ولذ منها، فيزيد المسلم وزنا وأكلا رغم أنه يظل طوال اليوم صائما، وتتسع رقعة الاستهلاك والإسراف رغم تحذيرات الدعاة والخطباء والأطباء من ذلك.
إن مدرسة الصيام التي ينخرط فيها كل مسلم طوال شهر رمضان من كل سنة، من دون شروط للتسجيل ورسوم للدراسة، يتعلم فيها الكثير من المعارف والخبرات التي لا يتعلمها خلال أشهر السنة المتبقية كلها، حيث يتعرف على خالقة حق المعرفة، ويتقرب منه بالعبادة والأعمال الصالحة، ويتذوق نعمة التقوى، ويخوض تجربة القرآن قراءة وإصغاء، ويحس بمعاناة الفقراء والمحتاجين والمرضى، ويمنح جسده وأعضاءه فسحة للراحة، ويربي نفسه على الصبر الذي هو نصف الصوم، كما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من الدروس النيرة والمقاصد القيمة.
*كلية الإلهيات والدراسات الدينية
جامعة لوفان – بلجيكا





