*الدكتور حسن مرهج
إن جولة المحادثات التي عُقدت في بغداد بين طهران والرياض، ناقشت عدة ملفات، وإن مزيداً من الاجتماعات سيُعقَد في الفترة القادمة، الأمر الذي وصفته مصادر إعلامية متابعة وأُخرى سياسية، بالأمر الإيجابي والبنّاء.
الجولة الأولى من المحادثات المباشرة بين الخصمين الإقليميين السعودية وإيران، حملت إشارات تهدئة محتملة بعد سنوات من العداء الذي امتدّ غالباً إلى بلدان مجاورة، إلا أن قلّة يتوقعون نتائج سريعة لهذه الجولة، لكن انطلاقة المحادثات تشي بأن هناك أجواء إيجابية بين طهران والرياض، فقد سعت السعودية لإجراء محادثات مع إيران، في حين تحاول المملكة إنهاء حربها المستمرة منذ سنوات في اليمن.
في جانب أخر، فإن الأشهر الأخيرة حملت تطورات دراماتيكية على صعيد الحرب في اليمن، خاصة أن الحوثيون أطلقوا العديد من الصواريخ والطائرات المسيرة، مستهدفين عدة مواقع مهمة وبنية تحتية نفطية، الأمر الذي أحرج الرياض وأجبرها على التقدم خطوة نحو طهران، بغية إنهاء هذا الملف.
في المقابل، قد يكون إنهاء تلك الحرب ورقة مساومة للإيرانيين من قبل الولايات المتحدة، فيما تسعى جميع الأطراف الإقليمية والدولية لتخفيف العقوبات عن طهران، عبر المحادثات النووية الجارية في فيينا.
استضافة المحادثات السعودية-الإيرانية تعد خطوة مهمة للعراق الذي تربطه علاقات مع كل من الولايات المتحدة وإيران، وغالباً ما يتحمل وطأة التنافس السعودي-الإيراني، هذا الأمر ترجمه مسؤول عراقي رفيع المستوى لجهة قوله إن الزيارتين الأخيرتين اللتين أجراهما رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي للرياض والإمارات لعبتا دوراً أساسياً في جلب المحاورين الإيرانيين والسعوديين إلى طاولة المفاوضات.
بطبيعة الحال، لا تزال تفاصيل الجولة الأولية من المحادثات، التي أوردتها لأول مرة صحيفة “فاينانشيال تايمز” قليلة، وكان لافتا ما قاله أحد المطلعين على سير هذه المحادثات، حين أكد إن الموضوع الشائك المتمثّل في حرب اليمن برز جلياً في المحادثات الإيرانية السعودية.
وبرز التنافس السعودي-الإيراني على جبهات متعددة، لا سيما في اليمن، وكذلك في العراق ولبنان، وقد يكون لأي انفراج في المحادثات الإيرانية-السعودية تداعيات بعيدة الأمد في تلك الدول وبشتى أنحاء المنطقة، لكن رغم ذلك، لم يتضح مدى التقدم الذي أُحرز في المحادثات، إن وجد، لكن دبلوماسياً غربياً أشار إلى أنه سيُعقَد مزيد من الاجتماعات.
في المواقف التي أعقبت الأنباء عن المحادثات الإيرانية السعودية، صرّح دبلوماسي غربي قائلاً: “ما فهمتُه هو أن هذه المحادثات ستكون جارية بوساطة بغداد”. وتَحدث كل من الدبلوماسي والمسؤول العراقي شريطة عدم الكشف عن هويتيهما لأنهما غير مخوَّل إليهما مناقشة الاتصالات السرية مع وسائل الإعلام، ورفضا الخوض في التفاصيل قائلَين إنهما يريدان منح جهود الوساطة العراقية فرصة للنجاح، بدوره أشاد السفير الإيراني لدى العراق، بجهود بغداد الدبلوماسية الأخيرة، ملمحاً إلى المحادثات السعودية-الإيرانية، دون أن يشير إلى المملكة، إذ قال السفير إيرج مسجدي لوكالة أنباء “إرنا” الحكومية الإيرانية في مقابلة ببغداد: “يبدو أن الوضع الإقليمي والدولي خلق أجواءً أكثر إيجابية لحلّ بعض المشكلات بين إيران ودول أخرى”.
في المحصلة، من الواضح أن جميع القوى الإقليمية والدولية، تبحث عن مناخ إيجابي مع طهران، وبذات التوقيت، فإن جُل هذه القوى بدأت تدرك ان إيران قوة إقليمية لا يمكن الاستغناء عن تأثيرها في سياق التطورات الشرق أوسطية، وبالتالي فإن المحادثات الإيرانية السعودية إنما تحمل رسائل أمريكية مبطنة ومؤطرة برغبات تسير نحو التهدئة مع إيران، كل هذا يأتي في توقيت استراتيجي فرضته إيران، وتلقفته الإدارة الأمريكية، الأمر الذي يشي بقرب التوصل لاتفاق نووي جديد، لكن وفق الشروط الإيرانية، وكذا حلحلة الكثير من الملفات الإقليمية كأزمات سوريا ولبنان واليمن.
*إعلامي خبير في شؤون الشرق الأوسط





