نور ملحم
تكتسب ليبيا بُعداً استراتيجياً في البحر الأبيض المتوسط، وموقعاً هاماً يربط الشرق والغرب، وتتوفَّر على ثروات نفطية هائلة جعلتها مطمعاً لكثير من الدول في إطار صراع النفوذ الذي تمارسه الدول العظمى، مما جعلها هدفاً مباشراً للكثير من الدول الغربية بحجة نشر الديموقراطية والقضاء على نظام معمر القذافي الراحل.
تواجه ليبيا الآن في مسارها المتعلق بإنهاء الأزمة قضية تتعلق بالتدخل الغربي المباشر في سياساتها الداخلية والخارجية، وتأثيره على تحالفاتها وصداقاتها مع دول عديدة. كما أن التدخل التركي العسكري المباشر، ودعمه للميليشيات الارهابية، يؤثر فيها بشكل سلبي، لأن تركيا تسعى دوماً لتحقيق مصالحها الاستراتيجية وأطماعها التوسعية، وسرقة موارد ليبيا، على حساب الشعب الليبي.
في المقابل، يأتي الدور الروسي إيجابياً في حلحلة الأزمة الليبية، حيث تعود العلاقة الروسية مع ليبيا إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، واستمرت علاقتها بنظام القذافي، موقِّعة معه عدداً من الاتفاقيات، كان منها اتفاقية صفقة السلاح عام 2008، سُمح بموجبها للسفن التابعة لسلاح البحرية الروسي باستخدام ميناء بنغازي. وبعدها ألغت موسكو معظم ديون ليبيا مقابل عقود مرتبطة بالنفط والغاز والأسلحة والسكك الحديدية.
وفي الوقت الحالي، وبعد تشكيل الحكومة الجديدة، بدأت تتصاعد المطالب بالقضاء على الميليشيات وطرد المرتزقة الأجانب من ليبيا. في الوقت نفسه، ظهرت معلومات تؤكد بأن قادة الميليشيات لا ينوون الانصياع، لا بل إنهم يبحثون عن حلول جديدة لتمويل عناصرهم المسلحة من خلال عمليات النهب والسلب والإرهاب تجاه المواطنين والاعتداء على الحقول النفطية، وبتوجيه مباشر من الأتراك، الذين من مصلحتهم إطالة أمد الأزمة لتحقيق أطماعهم في نهب ثروات البلاد. ومن غير المستبعد أن تشن هذه الميليشيات هجماتها مجدداً على حقول النفط في الشرق الليبي لهذه الغاية.
وفي السياق، يتردد في الأنباء في الآونة الأخيرة موضوع خروج الجيش الروسي بناءً على القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة والقاضية بضرورة انسحاب جميع الوحدات العسكرية الأجنبية من ليبيا، لتظهر مشكلة عدم إمكانية الجيش الوطني حماية الشرق الليبي لوحده، أمام الميليشيات المدعومة بشكل كبير من قبل تركيا. لذلك فإن عملية إرساء الاستقرار لن تتحقق برحيل الجيش الروسي وبقاء الأتراك الذين لا يخططون للمثول لقرارات الأمم المتحدة، فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعلنها بصراحة وفي أكثر من مناسبة، بأنه يسعى لتحقيق حلمه في بناء الإمبراطورية العثمانية من جديد، وعلى الأراضي العربية التي يعتبرها جزءاً لا يتجزأ منها.
بالنتيجة، لا شك بأن الوجود العسكري الروسي في ليبيا ضامن للتوازن مع الأتراك المتربصين بالبلاد، وعامل أمان يمنع الميليشيات المسلحة من شن هجماتها من جديد على مناطق الشرق الليبي التي تنعم بالأمن والاستقرار، والتي تريد أن تعيث الفوضى وتمارس النهب وتتسلط على رقاب الليبيين.





