عبد العزيز بنعبو
كانت ليلة في الشوارع كئيبة وحزينة، أضواء الأزقة ذابلة لا حياة فيها بالكاد تضيء عتمة الطريق، غابت عنها إشراقة ضجيج وصخب العابرين من أسر تحمل فرحتها فوق رأسها تاجاً لليلة تفنن المغاربة في تقديرها بكل الطرق والأساليب، هي ليلة القدر، للعام الثاني على التوالي تمر صامتة من جولات الناس في الشوارع، فقط حميمية المنازل ومحاولة تعويض اللحظة الخارجية بفرح داخل حيطان البيوت.
ليلة القدر بالنبض المغربي يتجاور فيها الروحي باليومي، وأماني الآخرة تلتحم بأحلام الدنيا، الصلاة لكل خاشع متعبد، والدعاء لكل راغب طامع في كرم المولى عز وجل من نعيم الدنيا وتواب الدار الآخرة، وطبعاً الجولات الليلية والصور الفوتوغرافية والحفلات الصغيرة في الشوارع لكل فرح بابنته التي تكون قد صامت أول أيامها في رمضان بتزامن مع الليلة المباركة.
ذلك كان قبل فيروس كورونا، قبل أن يفرض الوباء شروطه وقوانينه الجديدة وأولها التباعد وأشدها الحجر الصحي، وفي مطلق الأحول الاحتراز حتى من القريب الذي لا يقطن معك تحت السقف نفسه.
قبل كورونا
لم تكن تجد موطئ قدم أمام محالات زينها أصحابها لاستقبال عرائس ليلة القدر، وهن طفلات صغيرات صُمن لأول مرة بالتزامن مع ليلة القدر، فكان نصيبهن من حفل الأهل، إفطار خاص جداً في البيت، وفي الخارج يتحولن إلى عرائس يجلسن فوق هودج اختلفت ألوانه بين هذا المحل وذاك، لكنه يبقى هودجاً لا تجلس عليه إلا السعيدة في ليلة فرحتها العابرة لليوميات.
قبل “كورونا” كان كل شيء بسيطاً وعفوياً، تلك الصور الملتقطة في شوارع الفرح الرمضاني، لأطفال لبسوا أجمل ما لديهم من ملابس تقليدية، وللإناث فرحة العروس وللذكور ركوب الفرس، هي عادات محدثة أصرّ عليها المغاربة للاحتفاء بليلة القدر، احتفاء لا علاقة له بالكتاب أو السنة، هو احتفاء عاطفي نابع من حاجة المجتمع إلى التعبير عن تقديره بطريقته الخاصة.
فيكون الموعد بعد صلاة التراويح من اليوم السادس والعشرين، الذي يغلب الظن على أنها ليلة القدر. أول خطوات الفرح ترسم حناء على أيدي الصغيرات، وبعدها توزيع الحلوى والفواكه الجافة كالتمر والبرقوق وغيرها، والمكسرات أيضاً كالجوز واللوز. بعد ذلك، تكون الشوارع عبارة عن حفلة واحدة موحدة في الهدف والطريقة والتكامل، الكل خرج لأجل غرض واحد وهو فرحة الأطفال في ليلة عظيمة.
إلى جانب المظاهر الاحتفالية، لا ينسى المغاربة نصيب الروح والصلاة، فتفتح باب تراويح ما بعد العشاء، وتتواصل إلى حدود صلاة الفجر، بينهما استغفار وتسبيح.
في يوم الليلة الموعودة، ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن الكريم، يكون للموتى أيضاً نصيب من فرح الأحياء، ومن العادات التي يواظب عليها المغاربة زيارة المقابر للترحم على الأقارب برش ماء الزهر على قبورهم ووضع عود “الند” وغرس نبتة الريحان حولهم، وبالطبع تلاوة القرآن وتوزيع الخبز والتصدق بالمال على الفقراء والمساكين للدعاء لهم بالرحمة والمغفرة.
عن بعد
للعام الثاني على التوالي، سيتذكر المغاربة ليلة القدر هذه بكثير من الوجع والذكرى المؤلمة والموعظة أيضاً، فلا شوارع ولا صور ولا عرائس يجلسن فوق الهودج ولا أطفال يركبون الأحصنة، لا أضواء ولا عطور ولا زينة تعانق رحابة الفضاء الخارجي.
كل شيء في زمن كورونا يتم عن بعد، الأسر المغربية اكتفت بفرحتها الداخلية، وزينت موائدها بما تشتهي نفس الطفلة أو الطفل الصائم، كما كانت الحناء على موعد مع أكف الصغيرات، واللباس الأصيل طبعاً هو عربون تقدير للروح قبل الجسد… لكن هناك شيء ما ينقص هذه الفسيفساء البهية… إنها بكل بساطة عرائس ليلة القدر..





