أحمد براو
أرسلَتْ لي صديقة وهي طبيبة إيطالية رسالة عبر الواتساب عبارة عن إعلان في جريدة صحفية يدعو كل من يريد أن يقوم بأخذ الجرعة الأولى من اللقاح المضاد لفيروس كوفيد 19، ويشرح طريقة الدخول إلي منصة الموقع الذي أحدثته وزارة الصحة الإيطالية خاص باللقاحات وبه معلومات عامة عن كل ما يتعلق بالحالة الصحية للمترشح وعلاقته بالأمراض المعدية وغيرها من المضاعفات التي ممكن أن تعرقل أخذه للجرعات، وصفحة خاصة بتسجيل المعلومات الشخصية ولتحديد الموعد وأخرى للخصوصية.
بعد اطلاعي مساء البارحة بشكل جيد على هذه المنصة في الموقع، استشرت واستخرت وسجلت معلوماتي ومباشرة بعد الإرسال جاءني الرد عن طريق رسالة يخبرني في اليوم الذي يمكن لي أن أكون مستعدا للعملية بينما اخترت اليوم الموالي على الساعة العاشرة والنصف وقضيت الليلة وأنا افكر وأقدر وأستحضر كل ما يقال وماهو متداول في الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي عن جدية اللقاء ومضاعفاته، وكل مرة يتبادر للذهن نظرية المؤامرة التي يتبناها عدد ليس بالهين من المواطنين، ثم أقارن بين إيجابيات أخذ اللقاح من عدمه، خصوصا وأن هناك قرارات رسمية من الحكومات والدول تبدو تعجيزية تحد من حركة الذين لا يدلون بشهادة أخذ الجرعات.
تحت رحمة الأرق والأخبار الواردة من الأراضي الفلسطينية المحتلة حول آخر تطورات الوضع في المسجد الأقصى والقدس الشريف وحي الشيخ جراح والصور الأليمة التي تبث عبر الشاشات والمواقع التواصلية حول تصعيد الأزمة بعد تبادل القصف الصاروخي والقنابل التي تقصف المدنيين ونحن في غرة عيد الفطر المبارك الذي يصادف هذا العام توحيد اليوم المحتفل به بين جميع المسلمين في بقاع الأرض وهو يوم غد الخميس الثالث عشر من شهر ماي، كل هذه التخيلات جعلتني أقضي ليلة شبه بيضاء أتقلب تارة يمين وتارة شمال حتى انتبهت عند رنين منبه الهاتف لأحتسي شيئا من بركة آخر سحور في هذا الشهر المبارك.
تقع الوحدة الخاصة لخلية العمل التابعة للمستشفى المركزي الكبير لمدينة كوزنسا قرب المحطة الرئيسية لسكك الحديد وقد أقامت وحدة تابعة للجيش الإيطالي مخيم كبير مؤقت لضمان الخدمات الإدارية والصحية والتقنية من أجل مواجهة الخصاص القائم للأعداد الكبيرة التي تأخذ الجرعات، وهذا هو واقع جهة كالابريا في جنوب إيطاليا.
وصلت لمقر الإستقبال بحيث كان يغص بالمواطنين الذين ينتظرون صفا في الخارج ليحين موعدهم لولوج قاعة الإنتظار بحيث يتحقق الجنود الشباب من هوياتهم وليتمموا عملية التسجيل والموافقة على أخذ اللقاء.
في الأثناء تجاذبت أطراف الحديث مع أحد الجنود الذي على ما يبدو أن له رتبة متقدمة لأنه هو الذي ينظم العملية وسألته عن الجالية المهاجرة وأعدادها في الحضور عندهم للوحدة التشغيلية، فقال أنه لم يلاحظ أي تواجد ملحوظ وأنهم لم يجدوا أي صعوبة تواصلية أو لغوية أو ثقافية مع من حضر منهم، وبعد ما عرفته بنفسي وأنني أترأس جمعية ثقافية اجتماعية تطوعية تهتم بشؤون الهجرة والإندماج، والوساطة الثقافية واللغوية اقترحت عليه أننا مستعدون للمساهمة في تسهيل عمليات التلقيح بالنسبة للأجانب الذين يجدون صعوبة في إملاء الإستمارات الخاصة باللقاح، فكان هذا الإقتراح محل اهتمام بعض الممرضين والممرضات العسكريين الذين حبدوا هذه الفكرة وتركت لهم كل المعلومات عن الجمعية واللغات والإثنيات التي يمكن أن نساهم في ترجمتها. كما نالت هذه البادرة استحسان المدير الأول للمخيم وهو على ما يبدو قائد عسكري كبير نظرا لكثرة النجوم والأوسمة على كتفيه وصدره، فاستقبلني وتكلمنا عن هذا الموضوع ومواضيع أخرى تتعلق بنهاية موسم الصوم ورمضان واحتفالات العيد وأجاب بعبارة “إن شاء الله” باللغة العربية وكأنه يريد أن يظهر معرفته لبعض الكلمات العربية.
وبعد ما سجلت كل معلوماتي من جديد وأمضيت على الوثائق، حان دوري للدخول لخيمة التلقيح ترافقني ممرضة وتشرح لي الكيفية التي يتم بها إدراج شوكة اللقاح نوع “أسترازينيكا” في الذراع الأيمن وأنه ممكن بعد اللقاء أن أشعر بالدوران أو الحمى فعلي آنذاك أن أشرب دواء “طاكيبيرينا” المضاد الحيوي للإنفلونزا.
وبالفعل تمت عملية أخذ اللقاح بسهولة بالغة كأنك لا تشعر بشيء، أعطتني الممرضة المرافقة ورقة عبارة عن شهادة أخذ الجرعة الأولى وأخرى عبارة عن الموعد اللاحق لأخذ الجرعة الثانية بعد شهر ونصف تقريبا، وبذلك أنهيت هذه المهمة التي باتت تؤرقني منذ البارحة، وأهم من ذلك، اقتراحي الذي لقي موافقة واستحسانا ورضا من طرف المسؤولين عن هذه الخلية والوحدة التشغيلية التي تؤدي دورا مهما في التخفيف عن الإكتظاظ داخل المستشفى الرئيسي والمستوصفات التابعة له.
للتذكير فإن حصولك على اللقاح قد يمنعك من الإصابة بمضاعفات الأمراض التي يتسبب بها الفيروس، خاصة وأنه يمنعه من التكاثر والانتشار في الجسم، ولكن مسألة التقاط العدوى فهي لا تزال أمرا غير واضح المعالم،بحيث يشير خبراء إلى أنها قد تغير قواعد اللعبة في الحماية من كورونا، ولكنها لا تعني عدم التقاط العدوى.
نتمنى فعلا أن تعمل هذه اللقاحات على إنهاء هذا المرض الوبائي الخبيث الذي غير الكثير من حياة البشرية وضاعف الأزمات الصحية َالإجتماعية والإقتصادية. وبذلك تعود الأمور إلى نصابها الطبيعي ورحم الله الموتى وعجل الشفاء لجميع المرضى.





