أحمد براو
هناك إجراء في إيطاليا لا يتمتع بسمعة طيبة وهو دخل المواطنة، الدعم الإقتصادي المقدم من طرف الحكومة الإيطالية تحت ضغط من حركة الخمس نجوم في عام 2019 لمكافحة الفقر وتسهيل إعادة ادماج الباحثين عن الشغل من أولئك الذين يتقدمون بطلب للحصول عليه. ولعدة أشهر، أصرت الصفحات الإخبارية على نشر أخبار تفيد بمحدودية فعالية هذا الإجراء وعدم تحقيق الآمال المرجوة، وقد مرت سنتين على تمريره وأثبت فعاليته إبان الوباء.
أبرز هذه الإنتقادات أنه من بين الأشخاص الذين يحصلون عليه (في المتوسط 580 يورو شهريًا) هناك أيضًا “مخادعون” قاموا بجمع الأموال ولكن في الواقع – وفقًا للصحافة – هم أصحاب منازل فاخرة، وسيارات “فيراري”!، أحيانًا حتى أنهم متوفون أو متاجرين بالمخدرات أو عصابات مافيا يرغبون في البقاء على الأريكة طوال اليوم للحصول على الدعم من المجتمع.
وفقا للمنتقدين ، فإن “المخادعين” من دخل المواطنة يتسببون في إلحاق الضرر بالسلطات الضريبية التي تضر بالإستقرار الإقتصادي للبلاد. على سبيل المثال، كان الخمسة عشر شخصًا الذين أدينوا بمحاكم روما لاستلامهم بشكل غير قانوني، قد تلقوا ما مجموعه حوالي 75 ألف يورو، وهو رقم مهم ولكنه لا يضاهي لما يقرب من 110 مليار يورو من التهرب الضريبي سنويًا.
هناك خوف يُعزى إلى هذا الإجراء وهو خطر التردي الأخلاقي الذي قد ينغرس في السكان، والخوف من أن أولئك الذين يحصلون على دخل المواطنة سوف يقعون في براثن “الكسل والخمول” لدرجة أن في المستقبل سيتحول البلد إلى نوع من الواقع المرير الذي لا يرغب فيه أحد في العمل، بغض النظر عن إتاحة فرص الشغل.
من المؤكد أن فكرة دخل المواطنة ضار بالمجتمع ليست جديدة: لعقود من الزمان جادل الاقتصاديون المحافظون بأن انتشال الأسر المحرومة من الفقر يكلف الكثير، وغير مستدام اقتصاديًا، ومثبط للعمل، والأسوأ من ذلك، يفسد الأخلاق في المجتمع، أخلاقيات العمل التي تضمن “النعمة الإلهية لأولئك الذين يجدون ويعملون” حسب ماكس فيبر.
في الأشهر الأخيرة، قامت الصحف اليمينية والساسة الإيطاليون بتنشيط حملة مماثلة، بالإعتماد على سلسلة كاملة من الصور النمطية لخلق حالة من “الذعر الفكري” على سبيل المثال، قال حاكم كامبانيا- جهة نابولي “فينشينزو دي لوكا” إن دخل المواطنة يخاطر باندثار فئة العمال الموسميين، لأنهم راضون عن تحصيل 584 يورو شهريًا لكل وحدة عائلية لدرجة أنهم قرروا منح أنفسهم وقتًا كاملاً لقضاء وقت الفراغ. فكرة دي لوكا هي أن دخل المواطنة يفسد الناس لدرجة تقودهم إلى “التطفل”، أي العيش على ظهور الآخرين وتحويل رفض العمل إلى نوع من الوباء الشامل الذي قد يؤدي إلى انهيار قطاعات إنتاجية بأكملها كقطاع جني الثمار الموسمي والقطاع السياحي.
السيناريوهات السلبية التي أثارتها السياسة الإيطالية لانتقاد دخل المواطنة هي سريالية للغاية لدرجة أنها تكاد تكون مبالغ فيها. من ناحية أخرى، تؤدي إلى تفاقم صورة “المخادع”، وتحويل متلقي الإعانات إلى نوع من الوحش، ورمز للاحتيال والفجور. وهو خطاب يمكن ملاحظته أيضًا في البلدان الأخرى، فإنهم يصرون كثيرًا على أخلاقيات العمل لدرجة أن البطالة لم تعد نتيجة لفشل سياسات الاقتصاد لتصبح خيارًا شخصيًا.
وهنا يطرح السؤال، لأنه إذا كانت الأخلاق هي الدافع لتفضيل دخل عن المواطنة على العمل فإن البطالة أعمق من ذلك بكثير، وعلى الرغم من أن يصبح دخل المواطن مثبطًا للعمل ويسبب بطالة جماعية، الحقيقة هي أن هذه الرواية تلقي بظلالها على حقيقة أكثر واقعية ومثيرة للقلق: حقيقة أن البطالة في إيطاليا هيكلية، وقد تفاقمت بسبب الخيارات السياسية القصيرة النظر التي أدت على مر السنين إلى تفكيك النسيج الإنتاجي. والنتيجة هي حالة طوارئ تشغيلية دائمة ما جعل إيطاليا تعاني من أعلى معدلات البطالة في أوروبا وبالضغط المستمر لتكاليف العمالة.
دخل المواطنة ليس مجرد سياسة اقتصادية بل هو نموذج مثالي، في إيطاليا لا تنشأ عدم الرغبة في العمل بسبب دخل المواطنة، ولكن حقيقة الأمر أنه لا يوجد عمل أصلا في كثير من الأحيان. وعندما تكون هناك فرصة عمل، يكون ضعيفا وغير محمي لدرجة أنه من المعقول – وفي بعض الحالات أنه من الصواب – عدم قبوله. تتمثل حالة الطوارئ في النقص المزمن في الإستثمارات في الإنتاج والبحث. النقص الذي أدى إلى تقليص قطاع التصنيع تدريجيا، بينما لعب قطاع الخدمات دورًا مركزيًا في الناتج المحلي الإجمالي الإيطالي، حتى لو كانت في كثير من الأحيان تتميز بسوق عمل ذو حماية قليلة جدًا.
ولد دخل المواطنة على وجه التحديد كاستجابة هيكلية لحالات كهذه، ينبغي النظر إلى دخل المواطنة على أنه نوع من حقوق الإنسان، في عصر تتقلص فيه الوظائف المتاحة. كتبت الخبيرة الصحفية في الاقتصاد والسياسة آني لوري ، “دخل المواطنة ليس مجرد سياسة اقتصادية ، بل هو إجراء مثالي” ، لأنه لا يشير فقط إلى شكل من أشكال إعادة توزيع الثروة، ولكن إلى الحاجة الأخلاقية لإعادة التفكير في معنى المساواة والحياة المشتركة.
الخيار هو فهم ما إذا كان في نهاية الوباء الذي أدى إلى تفاقم نقاط الضعف في سوق العمل الإيطالي، وسلط الضوء على الاختلالات في هذا العدد الكبير من الأشكال التعاقدية غير النمطية أو تلك المكونة من العمل في السوق السوداء وبدون حماية ، نريد تفكيك حتى الحماية القليلة الموجودة والمتمثلة في دخل المواطنة.
في الأخير، يجب أن نقول لأنفسنا أنه لا ينبغي معارضة دخل المواطنة، بل يجب تعزيزه وتوسيعه. لأنه إذا تم إعطاؤه في بعض الحالات لأولئك الذين لا يحتاجون إليه، فمن الصحيح أيضًا أن أولئك الذين يحتاجون إليه ولكنهم غير قادرين على الحصول عليه هم أكثر بكثير في الواقع، فلا يزال هناك الكثير من الفقراء الذين لا يحصلون على تغطية، كما ورد في التقرير السنوي عن دخل المواطنة الذي نشر في نوفمبر 2020.
وربما أمكن زيادة دخل المواطنة وتحسينه، وإتاحته للجميع بغض النظر عن قبول الوظيفة أو الدورات التدريبية لولوج سوق العمل. لهذا السبب لا ينبغي اعتبارها – كما يحدث في إيطاليا – كسياسة عمالية نشطة، لأن الغرض من دخل المواطنة هو تحرير الناس من قيود السوق وضمان العيش الكريم للجميع بغض النظر عن الدور الذي يلعبه الجميع في سوق العمل. وهو أقل ما يمكن أن نطلبه من مجتمع ليس مدنيًا فحسب بل إنسانيا.





