*دكتور محمد براو
المحور الثاني: الحكامة الاقتصادية (تتمة)
سيرا على المنهج المتبع في هذه الأوراق التحليلية، بمحاورها الأربعة، يتناول المحور الثاني في مبحث أول فحوى المنظور الملكي للحكامة الاقتصادية (أولا) وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).
فيما يلي تتمة تأملاتنا واستنتاجاتنا المتعلقة بالحكامة الاقتصادية في عهد الملك محمد السادس.
ثانيا: تأملات واستنتاجات (تتمة)
والآن، هل يمكن وضع المغرب ضمن الدول الصاعدة؟ وما هي التحديات والعوائق؟
معروف أنه ليس هناك نموذج محدد للدول الصاعدة. فكل بلد يواصل مساره التنموي الخاص، حسب موارده البشرية والاقتصادية والطبيعية، ورصيده الحضاري، وحسب العوائق والصعوبات التي تواجهه. غير أن هناك معايير ومؤهلات ينبغي توفرها، للانضمام إلى هذه الفئة من الدول. وتتمثل، على الخصوص، في التطور الديمقراطي والمؤسسي، والتقدم الاقتصادي والاجتماعي، والانفتاح الجهوي والدولي. والمغرب نموذج لهذه التراكمات. فخلال 20 سنة الماضية، ولا سيما بعد سنة 2011 تمكن من ترسيخ مساره الديمقراطي، وتوطيد دعائم نموذج تنموي، مندمج ومستدام، يقوم على المزاوجة بين المشاريع الهيكلية، والنهوض بالتنمية البشرية والمستدامة.
لكن مع ذلك، إذا كانت الدول ترتكز، بالأساس، على تنافسية مقاولاتها، وخاصة تلك التي تصدر منتوجاتها للأسواق الدولية، فإن الاقتصاد المغربي سجل، مع الأسف، تعثرا نسبيا، بسبب تشتت وضعف النسيج الصناعي، ومنافسة القطاع غير المنظم. وإن هذا الوضع يتطلب تطوير مجموعات ومقاولات قوية، تعزز مناعة الاقتصاد الوطني، سواء لمواجهة المنافسة الدولية، أو من أجل تطوير شراكات مع المقاولات الصغرى، للنهوض بالتنمية، على المستوى الوطني. ويعد توفير الموارد البشرية المؤهلة أساس الرفع من التنافسية، للاستجابة لمتطلبات التنمية، وسوق الشغل، ومواكبة التطور والتنوع، الذي يعرفه الاقتصاد الوطني…
وعلى سبيل الخلاصة الإجمالية، فمها كانت إيجابيات مؤشرات الاقتصاد الكلي والتي تشير إلى تحسن في المشهد الاجتماعي والاقتصادي، إلا أن القيادة العليا للبلاد واعية -وقد عبرت عن ذلك الملك محمد السادس منذ سنة 2014- بأن المغرب مازال يعاني من مشاكل اجتماعية واقتصادية متأصلة – بما في ذلك معدلات البطالة المرتفعة وازدياد الدين العام والاعتماد المفرط على القطاع الفلاحي المتقلب وانعدام المساواة الاجتماعية والفجوة المستمرة بين المناطق الحضرية والقروية. وقد أدى تفاقم هذه المشاكل المسجلة على المستوى المجالي والاجتماعي، إلى تأجيج السخط لدى عدة فئات اجتماعية في السنوات الأخيرة، عل نحو ما كشفته الحراكات الاحتجاجية في بعض المدن الصغيرة والمتوسطة.
الملك يتساءل أين الثروة؟ ويقول إن الصعوبات الاجتماعية تحز في النفس، ثم يدعو لتجديد النموذج التنموي
بعد الاطلاع على الأرقام والإحصائيات، التي تضمنتها التقارير والبيانات حول تطور الثروة الإجمالية بالمغرب، تساءل الملك باستغراب مع المغاربة، وأطلق صرخته الشهيرة: أين هي هذه الثروة؟ وهل استفاد منها جميع المغاربة، أم أنها همت بعض الفئات فقط؟ ثم أعقب هذا التساؤل بالقول: إن الجواب على هذه الأسئلة لا يتطلب تحليلا عميقا: إذا كان المغرب قد عرف تطورا ملموسا، فإن الواقع يؤكد أن هذه الثروة لا يستفيد منها جميع المواطنين. “ذلك أنني ألاحظ، خلال جولاتي التفقدية، بعض مظاهر الفقر والهشاشة، وحدة الفوارق الاجتماعية بين المغاربة”.
من أجل ذلك، وحتى لا تبقى مخرجات هذه الدراسات التقييمية حبرا على ورق، أو مادة للاستهلاك الإعلامي فقط، فقد دعا الملك الحكومة والبرلمان، وكل المؤسسات المعنية، والقوى الحية للأمة للانكباب على تفحص التوصيات البناءة التي تتضمنها، والعمل على تفعيلها.
ولقد تجسد هذا الوعي المتنامي في البحث الذي أمر به الملك سنة 2019 عن نموذج للتنمية جديد يؤمل معه سد الفجوات التي أبانت عنها مسيرة الحكامة التنموية التي أفرزت أعراضا اجتماعية ملحوظة. ويشكل تجديد نموذج التنمية مرحلة جديدة في توطيد المشروع الاجتماعي الذي يقوده الملك محمد السادس؛ ذلك أنه ورغم التطور الذي حققته بلادنا، فإن الملك يؤكد بتأثر ومرارة أن “ما يحز في نفسي، تلك الأوضاع الصعبة التي يعيشها بعض المواطنين في المناطق البعيدة والمعزولة؛ وخاصة بقمم الأطلس والريف، والمناطق الصحراوية والجافة والواحات، وببعض القرى في السهول والسواحل”.
وبالفعل، وحسبما جاء في التقرير العام للنموذج التنموي الجديد الذي صدر قبل أيام قليلة، عـرف الزخـم الإصلاحـي التنموي “فتـورا بفعـل عـدة إكراهـات داخليـة وخارجيـة ذات طبيعـة اقتصاديـة وسياسـية وأمنيـة”. وتتجلـى العوامـل التـي سـاهمت فـي تراجـع الديناميـة الاجتماعيـة والاقتصاديـة التـي برهن عليهـا المغـرب خـلال السـنوات السـابقة “فـي ضعـف القـدرة علـى تحويـل وتحديـث الاقتصـاد والاسـتفادة مـن الاسـتثمارات العموميـة الضخمـة التـي سـبق إنجازهـا، وكـذا بفعـل الانعكاسـات الاقتصاديـة والماليـة المترتبـة عــن الأزمــة الدوليــة 2008-2009 “.
ويعـزى فقـدان النشـاط الاقتصـادي لحيويتـه إلـى ضعـف مكاسـب الإنتاجيـة والتنـوع المحـدود لمحـركات النمـو علـى الصعيـد القطاعـي والجغرافـي. ويزيـد مـن حـدة هـذه الوضعيـة ارتفـاع تكلفـة عوامـل الإنتـاج التـي تؤثـر سـلبا علـى تنافسـية المقـاولات الوطنيـة وعلـى منـاخ الأعمـال، بالإضافـة إلـى الاختـلالات الناجمة عـن منظومة التحفيـزات العمومية التـي تواصـل دعمهـا للأنشـطة التقليديـة أو ذات قيمـة مضافـة ضعيفـة، وبنسـبة أقـل الأنشـطة ذات الإنتاجية والقـدرة علـى الابتـكار وتلـك التـي تتوفـر علـى مؤهلات عاليـة فـي تطويـر العـرض التصديـري ذي القيمـة المضافـة المرتفعـة. ويتولـد عـن هـذا الوضـع تباطـؤ فـي مسـار التحـول الهيكلـي لاقتصـاد الوطنـي، كمـا تـدل علـى ذلـك بنيـة الناتـج الداخلـي الخـام التـي لـم تعـرف تطـورا كبيـرا خـال العقديـن الأخيريـن. ويجـدر التنويـه بالتطـورات الايجابيـة والواعـدة التـي طـرأت علـى بعـض القطاعـات الصناعيـة كالسـيارات والطائـرات، لكنهـا تظـل غيـر وازنـة بالقـدر الـذي يفضـي إلـى إحـداث تغييـر فـي البنيـة الاقتصاديـة. (من التقرير العام للنموذج التنموي الجديد، مايو 2021).
انتهى المحور الثاني المتعلق بالحكامة الاقتصادية
في الحلقة المقبلة نشرع في المحور الثالث: الحكامة الاجتماعية
حصريا حقوق النشر محفوظة
*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]





