*دكتور محمد براو
المحور الثالث: الحكامة الاجتماعية
يتناول المحور الثالث وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث الأربعة، فحوى المنظور الملكي للحكامة الاجتماعية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).
أولا : المنظور الملكي للحكامة الاجتماعية
المنطلق الأساس هو الإقرار الملكي بأن المعضلة الاجتماعية تعتبر التحدي الأكبر للمشروع المجتمعي المغربي: يعبر الملك عن هذا الاعتقاد الجازم قائلا: “إن القـضـيـة التي تـهـم الـمـغـاربـة جـمـيـعـا فـي الـعـمـق، والتي تـسـائـل كـل الـمـؤسـسـات، والفـاعـلـيـن السـيـاسـيـيـن والنـقـابـيـيـن، والاقـتـصـاديـيـن، والهـيـئـات الجـمـعـويـة. بـل إنـهـا تـشـكـل الـهـاجـس الـمـلـح لـكـافـة الأسـر والـمـواطـنـيـن. هي المـعـضـلـة الاجـتـمـاعـيـة، الـتي نعـتـبـرهـا بـمـثـابـة التـحـدي الأكـبـر، لـتـحـقـيـق المـشـروع الـمـجـتـمـعـي الـتـنـمـوي” وقد عبر عن سعىه الحثيث للتصدي لها بكل تصميم وحرص من خلال إطـلاق مـبـادرته الكبرى المسماة: ” المعلن عنها بتاريخ 18 مايو 2005، كمحاولة لتجاوز آثار الإشكالية الاجتماعية في إطار مقاربات جديدة ومختلفة، وكبديل عن البرامج السابقة المحدودة التوجه.
مقومات السياسة الاجتماعية الملكية
تندرج السياسة الاجتماعية الملكية التي تمت ترجمتها في إطار “المبادرة الـوطـنـيـة للـتـنـمـيـة الـبـشـريـة” ضمن رؤيـة شمـولـيـة، تشـكـل قـوام المـشـروع الـمـجـتـمـعـي المعلن عنه من قبل الملك محمد السادس، والمستند إلى مبـادئ: الديـمـقـراطـيـة السـيـاسـيـة، والفـعـالـيـة الاقـتـصـاديـة، والتـمـاسـك الاجـتـمـاعـي، والـعـمـل والاجـتـهـاد، وتـمـكـيـن كـل مـواطـن مـن الاسـتـثـمـار الأمـثـل لـمـؤهـلاتـه وقـدراتـه. ومـن هـذا المـنـظـور قام الملك بإطلاق إصـلاحـات عمـيـقـة، وتدشين مـشـاريـع هـيـكـلـيـة، استهدفت النهوض بأوضـاع الفـئـات الاجتـمـاعـيـة التـي تـعـانـي الفـاقـة والضـعـف.
الركائز الأربعة لحكامة السياسة الاجتماعية الملكية
تـعـتـمـد السياسة الاجتماعية الملكية المستندة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية أربـع ركـائـز مـرجـعـيـة أسـاسـيـة:
أولا: تشخيص الوضعية مع إبعادها عن الاستغلال والتسييس: حالة الفقر والتهميش لفئات ومناطق عريضة، فـهـي فـي الـمـقـام الأول، تـسـتـنـد عـلـى المـعـطـيـات المـوضـوعيـة للإشـكـالـيـة الاجتـمـاعـيـة فـي المـغـرب. تلك المـعـطـيـات التـي تـتـجـلـى فـي كـون فـئـات ومـنـاطـق عـريـضـة تـعـيـش ظـروفـا صـعـبـة، بـل وتـعـانـي مـن حـالات فـقـر وتـهـمـيـش، تـتـنـافـى مـع مـا يريـده الملك مـن كـرامـة مـوفـورة لـمـواطـنـيـه. فـالـعـديـد مـن الأحـيـاء الـحـضـريـة الصـفـيـحـيـة أو الـمـحـيـطـة بـالـمـدن، وكـذا الـكـثـيـر مـن الـجـمـاعـات، الـتـي يـوجـد معـظـمـهـا بـالـوسـط الـقـروي، تـفـتـقـر إلـى أبـسـط الـمـرافـق والخـدمـات والـتجـهـيـزات الاجـتـمـاعـيـة الـضـروريـة. وتـعـتـبـر مـرتـعـاً خـصـبـا لاسـتـفـحـال معـضـلات الأميـة والبطـالـة والإقـصـاء، أو الانقـطـاع عـن التـمـدرس، وضـعـف فـرص الـشـغـل، والأنـشـطـة الـمـدرة لـلـدخـل. ومـثـلـمـا لا يـكـفـي الـقـول بـأن هـذه الـوضـعـيـة غـيـر مـقـبـولـة، فـإن مـجـرد الاقـتـصـار عـلـى تـشـخـيـصـهـا هـو الآخـر، لا يـسـمـن ولا يـغـنـي مـن جـوع، لأنـه يـظـل غـيـر ذي جـدوى، مـا لـم يـقـتـرن بـالـعـمـل الـجـاد والـمـلـمـوس، الـكـفـيـل بـمـعـالـجـتـهـا وتـغـيـيـرهـا إلـى الأحـسـن. كـمـا أن مـصـداقـيـة تـشـخـيـص الـوضـعـيـة الاجـتـمـاعـيـة، إنـمـا تـقـاس بـمـدى نـبـل الـدوافـع وسـمـو الـطـمـوح، لـتـحـقـيـق الـتـقـدم الاجـتـمـاعـي. وبـهـذا الـمـعـيـار، يشدد الملك محذرا : “فـإن أي اسـتـغـلال لـلـبـؤس الاجـتـمـاعـي، لأغـراض سـيـاسـويـة، أو لإذكـاء نـعـرة الـتـطـرف، أو لإشـاعـة روح الـتـشـاؤم والانـهـزامـيـة والـيـأس، أمـر مـرفـوض أخـلاقـيـا، بـاعـتـبـاره ضـربـاً مـن الـتـضـلـيـل والـمـغـالـطـة”.
ثانيا: التأهيل الاجتماعي: أي بما هي عملية معقدة وليس مجرد إعانات ومساعدات،. كـمـا لا يـمـكـن الـتـعـويـل فـيـهـا عـلـى الأعـمـال الـخـيـريـة، أو الإحـسـان الـعـفـوي، أو الاسـتـجـابـة لـوازع أخـلاقـي، أو لـصـحـوة ضـمـيـر. ومـع حـرص الملك عـلـى ضـرورة الـتـشـبـع الـمـسـتمـر بـهـذه الـفـضـائـل، وإسـهـامـاتـهـا الـمـحـمـودة، فـإنـه يعـتـبـر أن الـتـنـمـيـة الـفـعـالـة والـمـسـتـدامـة لـن تـتـحـقـق إلا بـسـيـاسـات عـمـومـيـة مـنـدمـجـة، ضـمـن عـمـلـيـة مـتـمـاسـكـة، ومـشـروع شـامـل، وتـعـبـئـة قـويـة مـتـعـددة الـجـبـهـات، تـتـكـامـل فـيـهـا الأبـعـاد السـيـاسـيـة والاجـتـماعـيـة، والاقـتـصـاديـة والـتـربـويـة والثقـافـيـة والبـيـئـيـة. ومـن هـذا الـمـنـظـور، فـإن الهـدف الملكي الأسـمـى مـن وراء تـحـقـيـق هـذا الـمشـروع، هـو تـوسـيـع دائـرة الاسـتـفـادة مـن الإمـكـانـات الـمـتـوفـرة، وإتـاحـة أكـبـر قـدر مـن فـرص الاخـتـيـار أمـام كـل الـمـغـاربـة، رجـالا ونـسـاء. وهـو الأمـر الـذي لن يـتـأتـى إلا بـالـعـمـل عـلـى استـئـصـال آفـة الفـقـر والـبـؤس، الـتـي تـقـف عـقـبـة فـي وجـه اسـتـثـمـار الـمـواطـن الـمـغـربـي لمـؤهـلاتـه الـذاتـيـة، وتحـول دون إسـهـامـه وانـدمـاجـه الـكـامـل فـي الـحـيـاة الاجتـمـاعـيـة والاقـتـصـاديـة.
وإذا كـان مـسـتـوى الـنـمـو الاقـتـصـادي غـيـر مـكـتـمـل ولا مـنـصـف، مـا دامـت ثـمـاره لـم تـشـمـل كـل الـفـئـات والـجـهـات، إذ لا يـزال بـعـضـهـا يـعـانـي تـدنـي ظـروف الـعـيـش والـتـهـمـيـش؛ فـإنـه لا يـنـبـغـي الـنـظـر إلـى الإدمـاج الـذي يـتـوخـاه الملك نـظـرة تـبـسـيـطـيـة ومـحـدودة، أي باعتباره عـبـئـا ثـقـيـلا عـلـى الـنـمـو. فـي حـيـن أنـه يـعـد شـرطـا أسـاسـيـا للـعـمـلـيـة الـتـنـمـويـة، ومـحـفـزا قـويـا لـهـا.
ثالثا: الانفتاح: الـذي ينبغي اعتماده للانـخـراط فـي عـالـم يـعـرف تـحـولات مـتـسـارعـة، وتـغـيـرات عـمـيـقـة، ويـفـرض بـالـتـالـي إكـراهـات، وتـحـديـات، تـعـرض تـمـاسـك الـروابـط الاجـتـمـاعـيـة والـتـرابـيـة للـهـشـاشـة، وتـفـرض أنـمـاطـا للـعـيـش والاسـتـهـلاك، ونـمـاذج فـكـريـة كـاسـحة، لا يـمـكـنـ تـفـاديـهـا أو تـجـاهـلـهـا. لـذلـك، فـإن تـحـصـيـن المـكـاسـب الوطنية مـن انـعـكـاسـات الانـفـتـاح، مـع الاسـتـفـادة مـمـا يـوفـره مـن فـرص ثـمـيـنـة وإمـكـانـات هـامـة، لـن يـتـأتـى إلا بـتـعـبـئـة كـل الـمـغـاربـة، وانـخـراطـهـم الـفـاعـل فـي عـمـل جـمـاعـي، بـدل الانـغـلاق الـمـفـضـي إلـى الـطـريـق الـمـسـدود، أو اللـجـوء إلـى الـحـلـول الذاتـيـة، الـمـنـافـيـة للـمـصـلـحـة العـلـيـا للـوطـن.
رابعا: استخلاص العبر من التجارب السابقة ومن النماذج الموفقة لبعض البلدان (من أدوات الحكامة الجيدة): وتـنـطـلـق هـذه السياسة مـن الـعـبـر الـمـسـتـخـلـصـة مـن التـجـاربـ الوطنية السـابـقـة، ومـن الـنـمـاذج الـمـوفـقـة لـبـعـض الـبـلـدان، فـي مـجـال مـحـاربـة الـفـقـر والإقـصـاء، الـتـي تـدل عـلـى أن رفـع هـذا الـتـحـدي، رهـيـن بـالـتـحـديـد الـمـضـبـوط لـلأهـداف، وبـالـتـعـبـئـة الـشـامـلـة لـبـلـوغـهـا. كـمـا تـدل تـلـك الـتـجـارب عـلـى مـحـدوديـة جـدوى الـمـقـاربـات الـتـنـمـويـة غـيـر الـمـنـدمـجـة، ذات الـطـابـع الـقـطـاعـي الانـفـرادي، المـنـعـزل عـن بـاقـي القـطـاعـات الأخـرى. فضـلا عمـا تـؤدي إلـيـه مـن الاخـتـلالات النـاجـمـة عـن تـعـدد الفـاعـلـيـن، وتـشـتـيـت الـجـهـود، وتـبـذيـر المـوارد. إنـهـا تـجـارب تـؤكـد، عـلـى الـعـكـس مـن ذلـك، مـدى نـجـاعـة الأسـالـيـب الـتـي تـسـتـهـدف الـتـحـديـد الـدقـيـق للـمـنـاطـق والـفـئـات الأكـثـر خـصـاصـة، وأهـمـيـة مـسـاهـمـة الـسـكـان، ونـجـاعـة الـمـقـاربـات الـتـعـاقـديـة والـتـشـاركـيـة، وديـنـامـيـة الـنـسـيـج الجـمـعـوي الـمـحـلـي، لـضـمـان الانـخـراط الـفـاعـل، فـي مـشـاريـع الـتـنـمـيـة عـن قـرب واسـتـمـرارهـا، بـاعـتـبـارهـا مـكـسـبـا لـهـم.
تـأسـيسـا عـلـى هـذه المـقـومـات والمـرجـعيـات والـتـجـارب، فـإن السياسة الاجتماعية الملكية المستندة للمبادرة الونية للتنمية البشرية، تـرتـكـز عـلـى مبادئ توجيهية تتمثل في قيم الـمـواطـنـة الـفـاعـلـة والـصـادقـة. واعتماد سـيـاسـة خـلاقـة، تـجـمـع بـيـن الـطـمـوح والـواقـعـيـة والـفـعـالـيـة، وتبني بـرامـج عـمـلـيـة مـضـبـوطـة ومـنـدمـجـة.
وفيما يلي المحاور الثلاثة للسياسة الاجتماعية الملكية:
المحور الأول: الـتـصـدي لـلـعـجـز الاجـتـمـاعـي، الـذي تـعـرفـه الأحـيـاء الـحـضـريـة الـفـقـيـرة، والـجـمـاعـات الـقـرويـة الأشـد خـصـاصـة. وذلـك بـتـوسـيـع اسـتـفـادتـهـا مـن الـمـرافـق والخـدمـات والـتـجـهـيـزات الاجـتـمـاعـيـة الأسـاسـيـة، مـن صـحـة وتـعـلـيـم، ومـحـاربـة للأمـيـة، وتـوفـيـر للـمـاء وللـكـهـربـاء، وللـسـكـن اللائـق، ولشـبـكـات الـتـطـهـيـر، والـطـرق، وبـنـاء الـمـسـاجـد، ودور الـشـبـاب والـثـقـافـة، والـمـلاعـب الـريـاضـيـة.
المحور الثـانـي: تـشـجـيـع الأنـشـطـة المـتـيـحـة للـدخـل الـقـار والـمـدرة لـفـرص الـشـغـل، مـع اعـتـمـاد تـوجـه حـازم يـتـوخـى ابـتـكـار حـلـول نـاجـعـة لـلـقـطـاع غـيـر الـمـنـظـم؛ داعـيـن الـحـكـومـة وكـل الـفـرقـاء فـي هـذا الـشـأن إلـى جـعـل الـمـنـاظـرة الـوطـنـيـة الـمـقـبـلـة للـتـشـغـيـل، فـرصـة سـانـحـة لإجـراء حـوار واسـع وبـنـاء، واقـتـراح حـلـول عـمـلـيـة لـبـطـالـة الـشـبـاب.
المحور الثـالـث: العـمـل عـلـى الاسـتـجـابـة لـلـحـاجـيـات الـضـروريـة، لـلأشـخـاص فـي وضـعـيـة صـعـبـة، أو لذوي الاحـتـيـاجـات الخـاصـة لانـتـشـالـهـم مـن أوضـاعـهـم الـمـتـرديـة، والـحـفـاظ عـلـى كـرامـتـهـم، وتـجـنـيـبـهـم الـوقـوع فـي الانـحـراف أو الانـغـلاق، أو الـفـقـر الـمـدقـع…
(يتبع)
حصريا حقوق النشر محفوظة
*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]





