هذا ما ننتظره في الخليج فهل تفعلها إيران؟

 

 

 

 

 

د. صالح المطيري
إعلامي كويتي.

 

 

إذا كانت إيران جادة حقا في فتح صفحة جديدة، صلبة ومستدامة، مع دول الخليج العربي، فإن أول اختبار حقيقي ومحك فعلي لمدى هذه الجدية لن يتجسد في نصوص الاتفاقيات الدبلوماسية المكتوبة، ولا في بروتوكولات الصور التذكارية التي تلتقطها الوفود الرسمية المبتسمة أمام عدسات الكاميرات. إن المحك الفعلي يكمن في طبيعة ونوعية الخطاب الذي ستختار طهران تقديمه وتصديره لشعبها في الداخل بعد انتهاء الأزمة.

فالعلاقات التاريخية والسياسية بين الدول لا تتغير بمجرد جرة قلم والتوقيع على الأوراق والوثائق، وإنما تبدأ بالتغير الحقيقي عندما تتبدل اللغة والمفردات التي تصف بها هذه الدول بعضها بعضا، وعندما تتغير الصورة الذهنية النمطية التي جرى ترسيخها وتغذيتها داخل المجتمعات على مدى سنوات طويلة من التعبئة والتوتر.

وفي هذا السياق، يتجلى عمق ما ذهب إليه الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا حين قال: “إذا أردت أن تصنع السلام مع عدوك فعليك أن تعمل معه”. والعمل المشترك هنا لا ينحصر في الغرف المغلقة، بل يمتد بالضرورة إلى إعادة صياغة الوعي الجماعي المشترك، فالعدو لا يصبح شريكا إلا إذا تحولت بيئة العمل الثنائية إلى مساحة من الاحترام المتبادل على مستوى القواعد الشعبية أيضا.

وخلال عقود كاملة مضت، عاش الخليج العربي في جزء معتبر وجوهري من الخطاب السياسي والإعلامي الإيراني باعتباره مساحة ملتبسة الهوية السياسية، أو منطقة تابعة ومستسلمة لنفوذ القوى الخارجية والآخرين، أو طرفا إقليميا يتربص بالمصالح الإيرانية ويعمل ضدها. وبالتأكيد، فإن هذه الرواية الإيرانية مجافية تماما للحقيقة والواقع، لكنها للأسف كانت السردية المعتمدة والممنهجة.

وقد تكررت هذه الصورة المشوهة بأشكال وقوالب مختلفة في التصريحات الرسمية، والبرامج التلفزيونية، والتحليلات السياسية، والرسائل الإعلامية الموجهة تارة إلى الداخل الإيراني، وتارة أخرى إلى الجمهور العربي عامة. ومع مرور الزمن وتراكم السنين، تحولت تلك السرديات إلى قناعات راسخة وأفكار نمطية لدى قطاعات واسعة من الجمهور، حتى أصبح من السهل جدا توجيه أصابع الاتهام إلى دول الخليج عند حدوث كل أزمة، ومن السهل أيضا التقليل من أدوارها السياسية المحورية واستقلال قرارها الوطني والسيادي.

اليوم، تقف طهران أمام فرصة تاريخية مختلفة ومغايرة تماما. فإذا كانت الحرب الأخيرة والمواجهات السابقة قد انتهت بالوصول إلى تفاهمات سياسية وإلى جهود إقليمية حثيثة نجحت في تجنيب المنطقة بأكملها مزيدا من الدمار والخراب، فإن من الإنصاف الأخلاقي والسياسي الاعتراف الصريح بأن دول الخليج كانت جزءا أساسيا وركيزة وازنة من هذا المسار السلمي.

إن الجهود الدبلوماسية المضنية التي بذلتها العواصم الخليجية لم تنطلق يوما من حسابات سياسية ضيقة أو أنانية، وإنما نبعت من إدراك إستراتيجي عميق بأن اشتعال المنطقة بالكامل لن يترك رابحا واحدا، بل سينتهي بخسارة الجميع. ولهذا السبب تحديدا، تحركت الدول الخليجية في أصعب اللحظات وأكثرها تعقيدا من أجل منع التوسع العسكري، ومن أجل إبقاء الباب مواربا ومفتوحا أمام الحلول السياسية والدبلوماسية.

ومن المفارقات العجيبة واللافتة، أن بعض الأصوات والنخب التي أمضت سنوات طويلة في اتهام دول الخليج بالمشاركة في استهداف إيران وحصارها، تجد نفسها اليوم وجها لوجه أمام واقع مختلف تماما ينسف كل ادعاءاتها السابقة. فالدول نفسها التي جرى تصويرها وشيطنتها لسنوات باعتبارها جزءا من المشكلة وأداة من أدوات الصراع، تبين للجميع أنها كانت جزءا مهما ومحوريا من الحل.

والدول التي اتهمت مرارا وتكرارا بأنها منصات وقواعد لانطلاق الحرب، تحولت بفعل حكمتها إلى منصات رفيعة للوساطة والتهدئة وتقريب وجهات النظر. وهذه الحقيقة الساطعة تفرض اليوم، أكثر من أي وقت مضى، مراجعة سياسية وأخلاقية شاملة وجريئة لكل ما سبقه من خطاب وسرديات اتهامية.

إن المطلوب من إيران اليوم يتجاوز بكثير مجرد إبداء التزام رسمي تقليدي بروتوكولي بمبادئ حسن الجوار. المطلوب الفعلي والعملي هو أن ينعكس هذا الالتزام السياسي على عقيدة المؤسسات الإعلامية، وعلى أداء النخب السياسية، وعلى الخطاب الموجه عبر المنصات والقنوات الناطقة باللغتين العربية والفارسية على حد سواء.

فحسن الجوار لا يصبح حقيقة راسخة على أرض الواقع عندما يرد كعبارات فضفاضة في البيانات المشتركة، وإنما يكتسب حقيقته عندما يتوقف تماما إنتاج الصور النمطية السلبية والشيطنة المتبادلة، وعندما يجري التعامل مع دول الخليج من منطلق كونها دولا ذات سيادة كاملة غير منقوصة، وشركاء طبيعيين وأصليين في هندسة أمن المنطقة واستقرارها.

وهنا تبرز الأهمية القصوى للوعي الشعبي في حماية هذه المسارات؛ إذ يذكرنا رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل برؤيته الثاقبة قائلا: “الرأي العام هو القوة التي تقيد شهوة الساسة للحرب، وباتساع دائرة الوعي الشعبي تنهار مبررات الصراع”.

فإذا لم يتسع وعي الشعب الإيراني ليرى في الخليج شريكا لا خصما، ستبقى مبررات الصراع كامنة في النفوس وتتحين الفرص للظهور مجددا. إن هذا الوعي هو الضمانة الحقيقية لأي تحول سياسي، وهو ما يؤكده بدقة متناهية الرئيس الأمريكي الأسبق أبراهام لينكولن في مقولته الشهيرة: «مع الرأي العام، لا يمكن لأي شيء أن يفشل؛ وبدونه، لا يمكن لأي شيء أن ينجح. لذلك، فإن من يدعم الرأي العام ينجح بشكل أكبر بكثير ممن ينفذ القوانين أو يصيغ الاتفاقات».

وهذا يعني بصريح العبارة أن صياغة الاتفاقيات بين الحكومات تظل حبرا على ورق ما لم تحظَ بدعم وتأييد من رأي عام واعٍ وموجه نحو السلام والاحترام المتبادل.

بناء على ذلك، فإن بناء الثقة الحقيقية يقتضي بالضرورة فتح المجال الفضائي والإعلامي أمام أصوات خليجية متنوعة وعقلانية للوصول المباشر إلى الجمهور الإيراني في الداخل. فمن الصعب جدا، بل ومن المستحيل، الحديث عن تدشين مرحلة جديدة من العلاقات فيما يبقى الفضاء الإعلامي الإيراني مغلقا بإحكام أمام الرأي الخليجي، أو محكوما برؤية وصورة أحادية الجانب وموجهة من طرف واحد.

وإذا كانت طهران تبحث فعليا وجديا عن علاقة مختلفة ومستقرة مع محيطها الخليجي، فإن البداية المنطقية والتاريخية تكمن في الشروع بمراجعة جذرية للمفردات والمصطلحات التي استقرت وتكلست في خطابها السياسي والإعلامي لعقود طويلة. فالأجيال الإيرانية الجديدة والشابة لم تعش معظم الأزمات التاريخية والسياسية التي صنعت هذا التوتر المتراكم، لكنها للأسف ورثت سردياتها وتصوراتها وأحكامها المسبقة والجاهزة.

ومن هنا تحديدا، تصبح مسؤولية الدولة الإيرانية ومؤسساتها أكبر بكثير من مجرد إدارة ملف العلاقات الخارجية الدبلوماسية، إذ تمتد مسؤوليتها المباشرة إلى إعادة تشكيل وصياغة الوعي العام لشعبها على أسس أكثر واقعية وإنصافا.

فالخليج ليس خصما لدودا أو تابعا لقوى دولية أخرى، هو في الحقيقة والواقع فضاء يتكون من دول مستقلة، ذات سيادة، تمتلك قراراتها ومصالحها وحساباتها الوطنية الخاصة، وقد أثبتت أحداث ومحطات السنوات الأخيرة بما لا يدع مجالا للشك أن هذه الدول قادرة على لعب أدوار سياسية ودبلوماسية بالغة التأثير تتجاوز بكثير وتتفوق على تلك الصور القديمة والنمطية التي رسمت عنها في مخيلة الإعلام الموجه.

ولقد فتحت القنوات الإعلامية والفضائيات الخليجية، خلال سنوات طويلة وممتدة، المجال واسعا أمام مسؤولين إيرانيين، ومتحدثين رسميين، ومحللين مقربين من دوائر صنع القرار في طهران لعرض وجهات نظرهم ورواياتهم للأحداث مباشرة وبكل حرية أمام الجمهور العربي العريض.

والسؤال الجوهري والمحوري المطروح اليوم على طاولة الاختبار هو: هل إيران مستعدة وقادرة على القيام بالخطوة المقابلة والمماثلة؟ هل تمتلك الشجاعة للسماح للجمهور والمواطن الإيراني بالاستماع المباشر إلى أصوات خليجية عقلانية ومتزنة، حتى عندما تختلف هذه الأصوات وتتقاطع مع الرواية الرسمية السائدة داخل إيران؟

إن هذه المسألة ليست مجرد قضية إعلامية هامشية أو تفصيل فني ثنوي، بل هي جزء أصيل وبنيوي من صناعة السلام نفسه وتأصيله.

فالتجارب الدولية الكبرى والمصالحات التاريخية العظمى تؤكد وتبرهن على أن التسويات الناجحة والمستدامة تبدأ فعليا عندما يتغير الخطاب الثقافي والإعلامي؛ ذلك الخطاب الذي يسبق السياسة، ويرافق خطواتها، ويحمي منجزاتها في نهاية المطاف. فاليابان والولايات المتحدة الأمريكية لم تصلا إلى مستواهما الحالي من التحالف والتعاون الوثيق لأن الحرب العالمية الثانية انتهت عسكريا فحسب، وإنما لأن اللغة والمفردات الثقافية والإعلامية التي حكمت وتوجت العلاقة بين الطرفين بعد الحرب تغيرت وتحولت جذريا. وهكذا تخبرنا عشرات الأمثلة والحالات الناصعة في التاريخ القديم والحديث على حد سواء.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الاعتراف بهذا التحول والتعاطي معه بإيجابية لا ينتقص أبدا من مكانة إيران الإقليمية، ولا يضر بمصالحها الإستراتيجية، بل على العكس تماما، يمنحها فرصة تاريخية ثمينة لبناء شبكة علاقات أكثر استقرارا وأمانا مع أقرب جيرانها الجغرافيين.

فالجغرافيا ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، والضفة المقابلة للخليج العربي ستبقى موجودة وباقية كما هي، والمصالح المشتركة الحيوية بين الضفتين ستبقى دائما أكبر وأعمق من أن تلغيها أو تقوضها الخلافات والأزمات العابرة والمؤقتة. ولهذا فإن الاستثمار الإستراتيجي في ثقافة الاحترام المتبادل وصيانة السيادة أكثر جدوى وفائدة بكثير من الاستثمار في إنتاج وإعادة تدوير الخصومات والصراعات.

وعندما يشعر المواطن الخليجي، بصدق ولمس يد، بأن إيران تنظر إليه وتتعامل معه كشريك حقيقي وموثوق في أمن المنطقة وازدهارها، وعندما يشعر المواطن الإيراني في المقابل بأن دول الخليج ليست خصما يتربص به الدوائر أو يتآمر عليه، فإن أي اتفاق سياسي يجري توقيعه حينها سيكتسب عمقا شعبيا وجماهيريا صلبا يحميه ويوفر له شبكة أمان ضد أي تقلبات أو أزمات سياسية قد تأتي بها الأيام المقبلة.

فالاتفاقيات السياسية يمكن صياغتها وتوقيعها خلال ساعات معدودة، أما الثقة الحقيقية فتحتاج إلى خطاب جديد، وإلى ذاكرة جمعية جديدة، وإلى شجاعة سياسية وأخلاقية تعترف وتؤمن بأن الجوار الجغرافي ليس مشكلة أو عبئا ينبغي تحمله ومضغ الصبر عليه، وإنما هو فرصة إستراتيجية كبرى ينبغي الاستثمار الفعال فيها لبناء المستقبل. فهل ستقدم طهران على اتخاذ هذه الخطوة الشجاعة وتغيير خطابها جذريا؟ هذا هو السؤال الأبرز والمطروح الآن على الساحة.. ونحن جميعا بانتظار الإجابة العملية والملموسة!

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...