سلسلة حلقات تحلیلیة معمقة ترصد الحكامة في عھد محمد السادس (25)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

المحور الثالث: الحكامة الاجتماعية

يتناول المحور الثالث وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث الأربعة، فحوى المنظور الملكي للحكامة الاجتماعية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).

أولا : المنظور الملكي للحكامة الاجتماعية

الحكامة الاجتماعية الملكية حكامة ذات “جودة معقولة”، في هذا الصدد يقول الملك مدققا وملتزما نهج العقلانية والواقعية: “إذا كـان مـن غـيـر الـمـمـكـن، مـن الـنـاحـيـة الـمـاديـة إنـجـاز هـذه الـمـبـادرة دفـعـة واحـدة، عـلـى مـسـتـوى جـميـع الـجـهـات والـفـئـات؛ فـإن مـن الأصـوب اعـتـمـاد مـعـايـيـر مـوضـوعـيـة، قـائـمـة عـلـى مـدى الاسـتـعـجـال والـحـاجـة الـمـلـحـة، لـتـحـديـد الـمـستـهـدفـيـن بالأسـبـقـيـة”. وفيما خصائص وتجليات المقربة الملكية للسياسات الاجتماعية.

مقاربة مرحلية

المرحلة الأولى: وهدفها المرسوم هو الـتـأهـيـل الاجـتـمـاعـي للجـمـاعـات الأشـد خـصـاصـة فـي الـعـالـم الـقـروي، والأحـيـاء الـحـضـريـة الـفـقـيـرة، الـعـتـيـقـة مـنـهـا والعـشـوائـيـة والصـفـيـحـيـة الـمـحـيـطـة بـالـمـدن، التـي تـتـجـلـى فـيـهـا المـظـاهـر الصـارخـة للإقـصـاء الاجـتـمـاعـي، والـبـطـالـة والانـحـراف والـبـؤس. كـمـا أنـهـا سـتـهـدفت الـتـأهـيـل، بكـيـفـيـة مـتـدرجـة، سـواء للـطـاقـة الاستـيـعـابـيـة، أو لـنـوعـيـة مـراكـز الاسـتـقـبـال الـمـوجـودة، أو إيـجـاد أخـرى جـديـدة مـتـخـصـصـة، وقـادرة عـلـى اسـتـيـعـاب، ومـسـاعـدة الأشـخـاص فـي وضـعـيـة صعـبـة، كـالـمـعـوقـيـن، والأطـفـال الـمـتـخـلـى عـنـهـم، والـمـتـشـرديـن، والـنـسـاء الـمـعـوزات الـلـواتـي لا سـنـد ولا مـأوى لـهـن، والـعـجـزة والأيـتـام، الـذيـن لا مـعـيـل لـهـم. وبخصوص الموارد ينبه الملك أن “مـحـدوديـة المـوارد الـمـاديـة، لـيـسـت مـبـرراً لـقـبـول هـذه الـوضـعـيـة الـمـزريـة، الـتـي لا يرتـضـيـهـا للـشـعـبـ المغربي. معتمدا في ذلك على تميز المغرب بـمـوارد بـشـريـة مـؤهـلـة، المـدعـومـة بـعـزمـنـا الـراسـخ، والـمـسـتـمـدة مـن قـيـمـنـا الأصـيـلـة.

عـلـى الـمـدى الـقـريـب، كـلـف الـوزيـر الأول، بـالـسـهـر عـلـى أن تـنـكـب الـحـكـومـة عـلـى تـجـسـيـد هـذه الـمـبـادرة، فـي دفـعـتـهـا الأولـى، ضـمـن بـرامـج مـنـدمـجـة ومـلـمـوسـة، عـلـى أن يـرفـع إلـى نـظـره، فـي غـضـون الأشـهـر الـثـلاثـة الأولى، خـطـة عـمـل مـتـكـامـلـة، تـسـتـجـيـب لأهـداف هـذه الـمـبـادرة.

عـلـى الـمـدى الـمـتـوسـط، يـتـعـيـن عـلـى الـطـبـقـة الـسـيـاسـيـة، أن تـجـعـل فـي صـلـب اهـتـمـامـاتـهـا بمناسبة الاستحقاقات السياسية والانتخابية، بـلـورة مـشـاريـع مـلـمـوسـة لـتـجـسـيـد هـذه المـبـادرة، لأن أهـدافـهـا الـتـنـمـويـة، تـشـكـل جـوهـر الانـشـغـالات الـيـومـيـة لـلـشـعـب، والـمـحـك الـحـقـيـقـي لإعـادة الاعـتـبـار لـلـعـمـل الـسـيـاسـي (وهذا هو المطلوب منها حاليا بعد الإعلان عن النموذج التنموي الجديد على مقربة من الانتخابات: ملحوظة من الباحث).
عـلـى الـمـدى الـبـعـيـد، يسـتـهـدف الطـمـوح الملكي الـكـبـيـر، الارتـقـاء بـمـؤشـرات الـتـنـمـيـة البـشريـة إلـى مـسـتـوى البـلـدان المـتـقـدمـة.

مقاربة تشاركية:

تـأكـيـدا للـصـبـغـة الـوطـنـيـة الـشـامـلـة لـلـمـبـادرة الوطنية للتنمية البشرية، فـقـد وجـه الملك الوزير الأول بـأن يعـرضـهـا عـلـى البـرلـمـان، فـي جـلـسـة مخـصـصـة لـمـنـاقـشـتـهـا، بـمـا تـقـتـضـيـه مـن دعـم بـنـاء. ثم دعـا الـحـكـومـة إلـى اعتـمـاد مـقـاربـة تـقـوم عـلـى الإصـغـاء والـتـشـاور مع كـل الـقـوى الـحـيـة لـلأمـة، مـن أحـزاب سـيـاسـيـة، ومـنظـمـات نـقـابـيـة، وجـماعـات محـلـيـة، وهـيـئات الـمـجـتـمـع الـمـدنـي، وقـطـاع خـاص. وحـتـى مـع المـواطـنـيـن الـذيـن لـهـم خـبـرة وغـيـرة فـي مـجـال الـتـنـمـيـة.

وفي سياق نهج الحكامة التدبيرية الجيدة والمسؤولة للشأن الاجتماعي، دعا الملك الحكومة إلـى نـهـج خـطـة عـمـل، ترتـكـز علـى مـبـادئ حـسـن التـدبـيـر، مـن مسـؤولـيـة وشـفـافـيـة، وقـواعـد الاحـتـرافـيـة، مـع إشـراك واسـع لـلـمـواطـنـيـن، وتـحـديـد وعـقـلـنـة مـجـال تـدخـل الـمـؤسـسـات، والأجـهـزة الـعـمـومـيـة. فـضـلا عـن المـتـابـعـة والـتـقـويـم المـسـتـمـريـن للـمـنـجـزات.

وفـيـمـا يـخـص الـتـمـويـل، فـقـد قـرر الملك أن تـرصـد لـلـمـبـادرة الـوطـنـيـة لـلـتـنـمـيـة البـشـريـة الاعـتـمـادات الـكـافـيـة، مـن المـيـزانـيـة العـامـة للـدولـة، وذلـك بـشـكـل قـار ودائـم. وفـي هـذا الـسـيـاق، حث على وضـع حـد للـحـلـول التـرقـيـعـيـة، والتـدابـيـر الـجـزئـيـة غـيـر الـمـجـديـة، الـمـتـنـافـيـة مـع ضـرورة دوامـهـا. كـمـا يـنـبـغـي أن يـقـوم الـتـمـويـل عـلـى إيـجـاد آلـيـة مـلائـمـة ومـتـمـيـزة، تـضـمـن اسـتـمـراريـة المـوارد، وتـسـهـيـل ونـجـاعـة مـسـاطـر التـنـفـيـذ. وقد نبه الملك في هذا السياق إلى أنه لـن يـتـم الـلـجـوء إلـى أي ضـرائـب أو تـحـمـلات جـبـائـيـة جـديـدة، لا علـى المـواطـن، ولا علـى المـقـاولـة. معولا على أن يـشـكـل تـفـعـيـل الـمـبـادرة الوطـنـيـة للـتـنـمـيـة البـشـريـة، فـرصـة للاجـتـهـاد والإبـداع والتـجـديـد، فـي آلـيـات وأسـالـيـب الـعـمـل الاجـتـمـاعـي. وذلك لكي تـكـون قـويـة التـأثـيـر فـي نتـائجـهـا، وغيـر مكـلـفـة فـي وسـائـلـهـا، ومـعـززة بـمـوارد بـشـريـة مـؤهـلـة، وآلـيـات مـراقـبـة ورصـد لظـواهـر الفـقـر والإقـصـاء، بـكـل مـوضـوعـيـة ويـقـظـة.

الملك كضمانة لتدبير الزمن السياسي للإصلاحات الاجتماعية:
حـرصـا عـلـى الـتـفـعـيـل الـدائـم للسياسات الاجتماعية الطموحة، بـكـيـفـيـة تـوفـق بـيـن الـتـقـيـد بـمـحـدوديـة الزمـن السياسي المرتبط بكـل انـتـداب بـرلـمـانـي أو حـكـومـي، وبـيـن ضـمـان اسـتـمـرار هـذه الـمـبـادرة، ذات الـطـابـع الـوطـنـي الممتد في الزمان؛ فـإن الملك حـدد مـسـؤولـيـة الالـتـزام بـتـحـقـيـقـهـا فـي ثـلاثـة مـسـارات، قـصـيـرة ومـتـوسـطـة ودائـمـة.

نهج الاستمرارية والاستدامة (من المقومات العصرية للحكامة التنموية الجيدة): ذلك أن الـمـبـادرة الـوطـنـيـة لـلـتـنـمـيـة الـبـشـريـة لـيـسـت مشـروعـا مـرحـلـيـا، ولا بـرنـامـجـا ظـرفـيـا عـابـرا، وإنـمـا هـي ورش مـفـتـوح بـاسـتـمـرار. كـمـا أنـهـا تـأكـيـد وتجـسـيـد لالـتـزام ملكي مفاده أسـبـقـيـة واسـتـمـراريـة العمل لـتـأهـيـل الـمـوارد البـشـريـة، وتـقـويـة الـتـنـافـسـيـة الاقـتـصـاديـة الـوطـنـيـة، وإدراج إنـعـاش الاسـتـثـمـار والمـبـادرة الخـاصـة والتـصـديـر، فـي إطـار مختـلـف السـيـاسـات القـطـاعيـة. مع وجـوب الـتـضـامـن مـع الـعـالـم الـقـروي، لـمـواجـهـة الأوضـاع المـلـحـة، النـاجـمـة عـن سـنـة فـلاحيـة صـعـبـة، فإنـنـا نـؤكـد ضـرورة اتخـاذ حكـومـتـنـا للـتـدابيـر الاسـتعـجـاليـة الكـفـيـلـة بـالتـغـلـب عـلـى الظـرفـيـة الـراهـنـة. إن سـبـيـلـنـا لـيـظـل المـغـرب أمـة ناهـضـة، وبـلـدا متـحـركـا إلـى الأمـام، لهـو الـتـعـبـئـة مـن أجـل تـحـقـيـق هـذا المـشـروع النـبـيـل، الـذي نـدعـو الجـمـيـع لـلانـخـراط فـي مسـاره، فـي نـكـران ذات، وسـمـو عـن كـل الـحـسـابـات الـضـيـقـة.

المتابعة الملكية لتنفيذ المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ولضمان جودة حكامتها: فإذا كانت الدفعة الأولى لتفعيلها والتي تتوخى الإدماج المجتمعي، ينبغي أن تقوم على معايير موضوعية، تراعي مستوى الاستعجال، والحاجة الملحة للمستهدفين بالتأهيل الاجتماعي، بإعطاء الأسبقية ل 360 من الجماعات القروية، و250 من الأحياء الحضرية، الأشد فقرا وتهميشا. فضلا عن الفئات والأشخاص في وضعية صعبة، الذين يعانون الإقصاء أو الإعاقة. فإن الجوهر الديمقراطي لتحقيقها، على الإصغاء والتشاور مع القوى الحية للأمة، وانتهاج المقاربات التشاركية والتعاقدية، وإسهام النسيج الجمعوي المحلي، والسكان أنفسهم، في الانخراط الذاتي والجماعي في برامجها الملموسة. لذا، أصدر الملك توجيهاته إلى الوزير الأول (آنذاك) قصد استكمال الحكومة تدابير هذا المرتكز الأساسي لنجاعتها، سواء على الصعيد المركزي الحكومي-البرلماني، أو على مستوى المؤسسات والسلطات، والفعاليات الجهوية والإقليمية والمحلية بصفة خاصة، وبكيفية تعتمد اللامركزية وعدم التمركز، والقرب والتدبير الجيد، بشكل يجعل من هذه المبادرة الطموحة نموذجا للتنمية المندمجة.

والهدف الاستراتيجي لكافة السياسات العمومية ومعيار نجاحها هو هدف اجتماعي، يتمثل في توسيع الطبقة الوسطى، لدورها في تشكل المجتمع المتوازن، الذي يعمل الملك على بلوغه، “مجتمع منفتح لا انغلاق فيه ولا إقصاء، مجتمع تتضامن فئاته الميسورة، باستثماراتها المنتجة ومبادراتها المواطنة وما تدره من شغل نافع، مع غيرها، في المجهود الوطني الجماعي للنهوض بأوضاع الفئات المعوزة وتمكينها من أسباب المواطنة الكريمة” …..

(يتبع)

حصريا حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السیاسیة والاستراتیجیة
خبیر دولي في الحكامة ومكافحة الفساد

[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...