سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس (31)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

المحور الرابع والأخير: الحكامة الإدارية

يتناول المحور الرابع والأخير من هذه السلسلة وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث ، فحوى المنظور الملكي للحكامة الإدارية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).

أولا: المنظور الملكي للحكامة الإدارية
نستعرض في هذا المبحث كلا من المفهوم الجديد للسلطة (1) وربط المسؤولية بالمحاسبة (2) في سياق الحكامة الإدارية وفقا للمنظور الملكي.

1- المفهوم الجديد والمتجدد للسلطة
تحديد دلالات المفهوم الجديد للسلطة

إن مسؤولية السلطة حسب المنظور الملكي وفي مختلف مجالاتها هي أن تقوم على حفظ الحريات وصيانة الحقوق وأداء الواجبات وإتاحة الظروف اللازمة لذلك على النحو الذي تقتضيه دولة الحق والقانون في ضوء الاختيارات التي نسير على هديها من ملكية دستورية وتعددية حزبية وليبرالية اقتصادية وواجبات اجتماعية بما كرسه الدستور وبلورته الممارسة. والمفهوم الجديد للسلطة وما يرتبط بها مبني على رعاية المصالح العمومية والشؤون المحلية وتدبير الشأن المحلي والمحافظة على السلم الاجتماعي، وهي مسؤولية “لا يمكن النهوض بها داخل المكاتب الإدارية التي يجب أن تكون مفتوحة في وجه المواطنين ولكن تتطلب احتكاكا مباشرا بهم وملامسة ميدانية لمشاكلهم في عين المكان وإشراكهم في إيجاد الحلول المناسبة والملائمة”.

وهو مفهوم يتسم بالشمول والتكامل وكل لا يتجزأ وبنيان مرصوص يشد بعضه بعضا. فلا حرية بدون أمن واستقرار ولا تنمية بدون احتكاك يومي بالمواطن وإشراكه في معالجتها. ويشدد الملك على أن هذا المفهوم لا ينحصر في الإدارة الترابية بل ينطبق على كل من أوكلت إليه سلطة معينة اعتبارا لغايته النبيلة العامة المتمثلة في مصالحة المواطن مع السلطة والجهاز الإداري وحفظ الكرامة وحفز الاستثمار.

ومن آليات وتجليات تفعيل المفهوم: إجراء حركة تغيير واسعة في مختلف الأجهزة الإدارية خاصة منها الإدارة الترابية والمركزية ورجال السلطة الجهوية والإقليمية وكذا قطاع الإعلام والاتصال بغية توفير الموارد البشرية المتجددة والتي ينتظر منها التشبع الكامل بفلسفته السامية. كما تم إطلاق عملية واسعة للمراقبة والتدقيق والتفتيش والزجر في ظل سيادة القانون والشرعية على مستوى الجماعات المحلية والمؤسسات العمومية.

ومن تجلياتها كذلك، تدعيم الثقافة الأمازيغية هو تكريس للبعد الثقافي للمفهوم الجديد للسلطة: يقول الملك في هذا الصدد: “حرصا منا على تقویة دعائم ھویتنا العریقة ؛ واعتبارا منا لضرورة إعطاء دفعة جدیدة لثقافتنا الأمازیغیة، التي تشكل ثروة وطنیة، لتمكینھا من وسائل المحافظة علیھا والنھوض بھا وتنمیتھا ؛ فقد قررنا أن نحدث، بجانب جلالتنا الشریفة، وفي ظل رعایتنا السامیة، معھدا ملكیا للثقافة الأمازیغیة، نضع على عاتقھ، علاوة على النھوض بالثقافة الأمازیغیة”.

وحسب الملك محمد السادس، فإن التفعيل المتواصل للمفهوم الجديد للسلطة معطوفا إليه إصلاح القضاء قد جعلا كل الفاعلين السياسيين على اختلاف مشاربهم يتطلعون بثقة وطمأنينة لسهر الأجهزة الإدارية والقضائية على سلامة الاستحقاقات الانتخابية. وبما أن تحفيز الاستثمار مرتبط بنجاعة الإدارة ونجاعة الإدارة مرتبطة بالعنصر البشري المؤهل: فقد سهر الملك على البحث عن كفاءات جديدة بمناسبة تعيين مجموعة من الولاة ومسؤولي المقاولات والمؤسسات العمومية حتى يجعل من الإدارة والقطاع العام الفاعل الاقتصادي الأول المحفز للاستثمار والمندمج في حركة التنمية الشاملة.

تحيين المفهوم الجديد للسلطة وتأكيد الرعاية الملكية له

المفهوم الجديد للسلطة يظل ساري المفعول ولا يقتصر على الإدارة الترابية: تجسيدا لعزمه الراسخ على توطيد سلطة الدولة، على دعائم سيادة القانون، وسمو القضاء الفعال؛ يؤكد الملك على أن المفهوم الجديد للسلطة، الذي أطلقه، في خطابه المؤسس له، بالدار البيضاء، في أكتوبر 1999، يظل ساري المفعول. فهو ليس إجراء ظرفيا لمرحلة عابرة، أو مقولة للاستهلاك، وإنما هو مذهب في الحكم، مطبوع بالتفعيل المستمر، والالتزام الدائم بروحه ومنطوقه. كما أنه ليس تصورا جزئيا، يقتصر على الإدارة الترابية؛ وإنما هو مفهوم شامل وملزم لكل سلطات الدولة وأجهزتها، تنفيذية كانت أو نيابية أو قضائية؛ بواسطة المتابعة والمحاسبة والقضاء، لذلك، تعهد الملك بأن يظل ساهرا على رعايته، حريصا على حسن تفعيله، من طرف كل ذي سلطة، بالآليات القانونية للمتابعة والمحاسبة والجزاء؛ وذلك في ظل القضاء النزيه، الذي بقدر ما هو سلطة مستقلة عن الجهازين: التشريعي والتنفيذي، فإن هذه السلطة جزء لا يتجزأ من سلطة الدولة. فالقضاء مؤتمن على سمو دستور المملكة، وسيادة قوانينها، وحماية حقوق والتزامات المواطنة.

المفهوم المتجدد للسلطة لا يستثني أحدا: إن التحدي الكبير الذي يواجه مغرب اليوم، لا يتعلق فقط بتوزيع السلط، بين المركز والجهات والجماعات المحلية، وإنما بحسن ممارسة هذه السلط، وجعلها في خدمة الموطن. ويهم كل من له سلطة، سواء كان منتخبا، أو يمارس مسؤولية عمومية، كيفما كان نوعها.

والمفهوم الجديد للسلطة يعني المساءلة والمحاسبة، التي تتم عبر آليات الضبط والمراقبة، وتطبيق القانون. وبالنسبة للمنتخبين فإن ذلك يتم أيضا، عن طريق الانتخاب، وكسب ثقة المواطنين. ومحاربة الفساد بكل أنواعه؛ كما أن المفهوم المتجدد للسلطة يقوم على محاربة الفساد بكل أشكاله: في الانتخابات والإدارة والقضاء، وغيرها. وعدم القيام بالواجب/، هو نوع من أنواع الفساد.

(يتبع)

حصريا حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...