سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس (36)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

 

المحور الرابع والأخير: الحكامة الإدارية

يتناول المحور الرابع والأخير من هذه السلسلة وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث ، فحوى المنظور الملكي للحكامة الإدارية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).

أولا: المنظور الملكي للحكامة الإدارية
نستعرض في هذا المبحث كلا من المفهوم الجديد للسلطة (1) وربط المسؤولية بالمحاسبة (2) في سياق الحكامة الإدارية وفقا للمنظور الملكي.

2- مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة

يسائل الملك المعنيين بإدارة الشأن العام في الحكومة والبرلمان، قائلا: لماذا لم يتم تفعيل النصوص القانونية المتعلقة بمجلس المنافسة والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة وبعض المؤسسات الحقوقية والرقابية (قبل تفعيل بعضها مؤخرا: ملاحظة الباحث)، والمجلس الاستشاري للأسرة والطفولة،. ويبقى السؤال المطروح: لماذا لم يتم تحيين قوانين عدد من المؤسسات ؟ (تم تحيين بعضها مؤخرا : ملاحظة الباحث)، وماذا ننتظر لإقامة المؤسسات الجديدة التي أحدثها الدستور؟ وكما أكد الملك ذلك عدة مرات، فإن القيام بالمسؤولية، يتطلب من الجميع الالتزام بالمفهوم الجديد للسلطة، الذي أطلقه منذ توليه العرش. والمفهوم المتجدد للسلطة يعني حاليا محاربة الفساد بكل أنواعه، في الانتخابات والإدارة والقضاء، وغيرها. وعدم القيام بالواجب، هو نوع من أنواع الفساد. والفساد ليس قدرا محتوما. ولم يكن يوما من طبع المغاربة. غير أنه تم تمييع استعمال مفهوم الفساد، حتى أصبح وكأنه شيء عادي في المجتمع. والواقع أنه لا يوجد أي أحد معصوم منه، سوى الأنبياء والرسل والملائكة. وهنا يجب التأكيد أن محاربة الفساد لا ينبغي أن تكون موضوع مزايدات، يحذر الملك.

ومهمة مواجهة الفساد مهمة الجميع: فلا أحد يستطيع ذلك بمفرده، سواء كان شخصا، أو حزبا، أو منظمة جمعوية. بل أ كثر من ذلك، ليس من حق أي أحد تغيير الفساد أو المنكر بيده، خارج إطار القانون. فمحاربة الفساد هي قضية الدولة والمجتمع: الدولة بمؤسساتها، من خلال تفعيل الآليات القانونية لمحاربة هذه الظاهرة الخطيرة، وتجريم كل مظاهرها، والضرب بقوة على أيدي المفسد ين. والمجتمع بكل مكوناته، من خلال رفضها، وفضح ممارسيها، والتربية على الابتعاد عنها، مع استحضار مبادئ ديننا الحنيف، والقيم المغربية الأصيلة، القائمة على العفة والنزاهة والكرامة.

إصلاح الإدارة من خلال استعمال آليات التحفيز والمحاسبة والعقاب: إن إصلاح الإدارة يتطلب تغيير السلوكات والعقليات، وجودة التشريعات، من أجل مرفق إداري عمومي فعال، في خدمة المواطن فالوضع الحالي، يتطلب إعطاء عناية خاصة، لتكوين وتأهيل الموظفين، الحلقة الأساسية في علاقة المواطن بالإدارة، وتمكينهم من فضاء ملائم للعمل، مع استعمال آليات التحفيز والمحاسبة والعقاب.

والإدارة الإلكترونية تلعب دورا في محاربة الفساد: لذا يتعين تعميم الإدارة الإلكترونية بطريقة مندمجة، تتيح الولوج المشترك للمعلومات بين مختلف القطاعات والمرافق. فتوظيف التكنولوجيات الحديثة لمحاربة الفساد يساهم في تسهيل حصول المواطن على الخدمات، في أقرب الآجال، دون الحاجة إلى كثرة التنقل والاحتكاك بالإدارة، الذي يعد السبب الرئيسي لانتشار ظاهرة الرشوة، واستغلال النفوذ.

الملك متوجها بغضب للمسؤولين: إما أن تقوموا بمهامكم كاملة، وإما أن تنسحبوا: يقول الملك في هذا الصدد، من حق المواطن أن يتساءل: ما الجدوى من وجود المؤسسات، وإجراء الانتخابات، وتعيين الحكومة والوزراء، والولاة والعمال، والسفراء والقناصلة، إذا كانون هم في واد، والشعب وهمومه في واد آخر؟ فممارسات بعض المسؤولين المنتخبين، تدفع عددا من المواطنين، وخاصة الشباب، للعزوف عن الانخراط في العمل السياسي، وعن المشاركة في الانتخابات. لأنهم بكل بساطة، لا يثقون في الطبقة السياسية، ولأن بعض الفاعلين أفسدوا السياسة، وانحرفوا بها عن جوهرها النبيل. وإذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟ لكل هؤلاء يقول الملك: كفى، واتقوا الله في وطنكم… إما أن تقوموا بمهامكم كاملة، وإما أن تنسحبوا.

المسؤولية هي أولا الإنصات للمواطنين: وما معنى المسؤولية، إذا غاب عن صاحبها أبسط شروطها، وهو الإنصات إلى انشغالات المواطنين؟ يقول الملك: “أنا لا أفهم كيف يستطيع أي مسؤول، لا يقوم بواجبه، أن يخرج من بيته، ويستقل سيارته، ويقف في الضوء الأحمر، وينظر إلى الناس، دون خجل ولا حياء، وهو يعلم بأنهم يعرفون بانه ليس له ضمير. ألا يخجل هؤلاء من أنفسهم، رغم أنهم يؤدون القسم أمام الله، والوطن، والملك، ولا يقومون بواجبهم؟ ألا يجدر أن تتم محاسبة أو إقالة أي مسؤول، إذا ثبت في حقه تقصير أو إخلال في النهوض بمهامه؟”، من هنا شدد الملك على ضرورة التطبيق الصارم لمقتضيات الفقرة الثانية، من الفصل الأول من الدستور التي تنص على ربط المسؤولية بالمحاسبة: “لقد حان الوقت للتفعيل الكامل لهذا المبدإ. فكما يطبق القانون على جميع المغاربة، يجب ان يطبق أولا على كل المسؤولين بدون استثناء أو تمييز، وبكافة مناطق المملكة.إننا في مرحلة جديدة لا فرق فيها بين المسؤول والمواطن في حقوق وواجبات المواطنة، ولا مجال فيها للتهرب من المسؤولية أو الإفلات من العقاب”.

مناصب المسؤولية لمن يعمل وينجز وتعطيل المشاريع خيانة: ومن جهة أخرى، ينبه الملك أنه عندما يقوم مسؤول بتوقيف أو تعطيل مشروع تنموي أو اجتماعي، لحسابات سياسية أو شخصية، فهذا ليس فقط إخلالا بالواجب، وإنما هو خيانة، لأنه يضر بمصالح المواطنين، ويحرمهم من حقوقهم المشروعة. ومما يثير الاستغراب، أن من بين المسؤولين، من فشل في مهمته. ومع ذلك يعتقد أنه يستحق منصبا أكبر من منصبه السابق. فمثل هذه التصرفات والاختلالات، هي التي تزكي الفكرة السائدة لدى عموم المغاربة، بأن التسابق على المناصب، هو بغرض الاستفادة من الريع، واستغلال السلطة والنفوذ. ووجود أمثلة حية على أرض الواقع، يدفع الناس، مع الأسف، إلى الاعتقاد بصحة هذه الأطروحة. غير أن هذا لا ينطبق، ولله الحمد، على جميع المسؤولين الإداريين والسياسيين، بل هناك شرفاء صادقون في حبهم لوطنهم، معروفون بالنزاهة والتجرد، والالتزام بخدمة الصالح العام.

ربط المسؤولية بالمحاسبة كمقاربة بناءة وناجعة والوضع اليوم أصبح يفرض المزيد من الصرامة: إن الهدف من النقد والتقييم ليس هو النقد من أجل النقد وإنما هو تقويم الاختلالات: فالملك يؤسس لمقاربة ناجعة، تمضي قدما في عملية الإصلاح، وإعطاء العبرة لكل من يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام. وبصفته الضامن لدولة القانون، والساهر على احترامه فإنه لم يتردد يوما، في محاسبة كل من ثبت في حقه أي تقصير، في القيام بمسؤوليته المهنية أو الوطنية. ولكن الوضع اليوم، أصبح يفرض المزيد من الصرامة، للقطع مع التهاون والتلاعب بمصالح المواطنين.

فالتشخيص استنفذ، وحان وقت العمل والمتابعة والمحاسبة: المشاكل معروفة، والأولويات واضحة، ولا تحتاج إلى المزيد من التشخيصات. المطلوب الآن هو التنفيذ الجيد للمشاريع التنموية المبرمجة، التي تم إطلاقها، ثم إيجاد حلول عملية وقابلة للتطبيق، للمشاكل الحقيقية، وللمطالب المعقولة، والتطلعات المشروعة للمواطنين، في التنمية والتعليم والصحة والشغل وغيرها؟ وبموازاة ذلك، يجب القيام بالمتابعة الدقيقة والمستمرة، لتقدم تنفيذ البرامج الاجتماعية والتنموية، ومواكبة الأشغال بالتقييم المنتظم والنزيه. وفي هذا السياق قدم الملك توجيها استراتيجيا للمجلس الأعلى للحسابات للقيام بمهام تتبع وتقييم المشاريع العمومية، بمختلف جهات المملكة.
(يتبع)

حصريا حقوق النشر محفوظة

في الحلقة المقبلة نشرع في بسط تأملاتنا واستنتاجاتنا حول المنظور الملكي للحكامة الإدارية

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...