*دكتور محمد براو
المحور الرابع والأخير: الحكامة الإدارية
يتناول المحور الرابع والأخير من هذه السلسلة وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث ، فحوى المنظور الملكي للحكامة الإدارية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).
ثانيا: تأملات واستنتاجات
نستعرض في هذا المبحث الثاني تأملاتنا واستنتاجاتنا بخصوص المنظور الملكي للمفهوم الجديد للسلطة (1) وربط المسؤولية بالمحاسبة (2) في التصور المفاهيمي وفي الممارسة الميدانية.
1- المفهوم الجديد للسلطة (تابع)
الحكامة المؤسساتية وتفعيل مؤسسات الحكامة الجيدة
إن رهانات المغرب المستمرة هي أجرأة وتفعيل المبادئ التوجيهية الواعدة الواردة في خطاب 9 مارس 2011 الملكي المفصلي والمضمنة في دستور 2011 الذي يبقى إطارا للعمل، وبما أنها مبادئ توجيهية، فالعبرة في التشريع والتنفيذ ومصاحبة التنفيذ وتقييم النتائج وتشخيص الفوارق بين التوقعات والإنجازات وتفسيرها واقتراح بدائل التطوير والتصحيح. ولن يتأتي ذلك إلا في إطار حكامة مؤسساتية رشيدة تنقل المفهوم الجديد للسلطة من بعده الفردي إلى بعده المؤسساتي، تحت العين الحريصة للمؤسسات الدستورية المنوط بها تدعيم الحكامة الجيدة وترسيخ دولة الحق والقانون (مؤسسات الحكامة الجيدة).
السلطة التنفيذية وأجهزة الحكامة الجيدة المسؤولة
يجب أن تضرب السلطة التنفيذية ذات الصلاحيات الأوسع حاليا، القدوة والمثال، من خلال توفير إدارة شفافة ونظيفة ومن خلال التعاون مع البرلمان والقضاء، وأهم المؤسسات الفرعية التي ينبغي للحكومة المقبلة الانتباه إلى ضرورة تفعيلها وتنمية قدراتها واحترام مقرراتها واقتراحاتها، مع ضمان مسؤوليتها أمام البرلمان، المؤسسات التالية:
–هيئة النزاهة ومقاومة الرشوة : التي أصبحت دستورية، وقد كانت تقاريرها السنوية الأولى هامة وحافلة بالملاحظات والتوصيات فينبغي الانكباب على دراستها وتفعيل ومتابعة تنفيذ توصياتها. وعدم التمييز بين الفساد الصغير والفساد الكبير. كما ينبغي المسارعة لتفعيل قانونها الجديد الذي عمل على تقويتها وتوسيع اختصاصاتها من خلال رفدها بالموارد والقدرات وضمان استقلاليتها الفعلية.
مجلس المنافسة: من خلال تفعيل قانونه الجديد الذي دعم استقلاله وسلطاته وعمل على تعميم أنشطته لتشمل جميع الممارسات الاحتكارية بدون استثناء، ومن خلال تزويده بوسائل العمل وإمكانيات التحرك والتعاون مع القضاء والإدارات الحكومية. وذلك من أجل قطع الطريق على محاولات ارتهان الدولة والاستيلاء التدريجي عليها. ويجب رفع حالة الجمود التي ظل يعانيها منذ خمس سنوات، وكشف الحقيقة حول عقوباته المجمدة ضد شركات الوقود المنتهكة لضوابط المنافسة الشريفة.
-الوسيط: أصبح دستوريا هو أيضا: إن تقاريره ولا سيما التقرير الصادر سنة 2018، فيه من العبر والدروس التي ينبغي استخلاصها، ولاسيما لجهة تفعيل مقترحاته ومقرراته ذات الصلة بعرقلة عمله الرامي لحماية حقوق المواطن والمرتفق.
-قطاع إصلاح الإدارة: جهاز هام أيضا، ينبغي لهذا القطاع خصوصا بعد إلحاقه بوزارة المالية أن يعطي أولوية لبرنامج الحكامة الإدارية بمؤسسات القطاع العام ولاسيما لجهة كشف ودراسة واقتراح الأساليب الكفيلة بمحاربة المحسوبية والمنسوبية، فضلا عن محاصرة ظاهرة تضارب المصالح،وهدرالوقت العام والمال العام. وتعميم ثقافة حسن الأداء والإدارة بالأهداف والنتائج.
–أجهزة المفتشية العامة للمالية ومفتشية الإدارة الترابية والمفتشيات والمراقبات الداخلية بالوزارات والمؤسسات والمقاولات الحكومية : ظل الجهاز الأول حبيس قانون متقادم، واختصاصات فعلية محدودة بفعل قلة الموارد البشرية، فضلا عن عدم شفافية أعماله واستغراق جل أنشطته في تدقيق المشاريع الدولية على حساب مراقبة الآمرين بالصرف والمحاسبين ونرجو أن يكون قانونها الجديد عند مستوى التطلعات، أيضا حان وقت تفعيل جهاز المفتشيات الداخلية للوزارات ومد جسور التعاون بينها وبين المفتشية العامة للمالية بنفس جديد وآليات فعالة جديدة، وربط جميع هذه الأجهزة إضافة إلى أجهزة التفتيش والتدقيق الداخلي بالمؤسسات والمقاولات العمومية، ربطها وظيفيا بالمجلس الأعلى للحسابات لضمان التناسق والتعاون والتكامل قدما نحو كسب رهان محاصرة ظواهر الغش والانحراف في الخدمة العمومية.. من خلال التنسيق بينن التدقيق الداخلي والتدقيق الخارجي في القطاعات الحكومية.
البرلمان
بعد تعزيز سلطاته التشريعية، ينبغي وهذا هو الأهم تعزيز صلاحياته الرقابية عملانيا من خلال تزويده بأدوات وخبرات وآليات المتابعة والمراقبة. على البرلمان تطوير أدائه للوظائف الخمسة الأساسية التالية: وهي الوظيفة التمثيلية والوظيفية التشريعية والوظيفة الرقابية والوظيفة الإخبارية والوظيفة الديبلوماسية. ولن يكون ذلك ممكنا في غياب شروط حكامة برلمانية جيدة نادى بها مرار وتكرا الملك في ثنايا خطبه التوجيهية الموجهة له، من جهة وتعاون أوثق وأوسع مع أجهزة الاستشارة والحكامة ولا سيما المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الأعلى للحسابات، علما أن المعايير الدولية للرقابة والمحاسبة كما اعتمدتها المنظمة الدولية إنتوساي تنص من أهم ما تنص عليه على تعزيز صلات وثيقة بين البرلمان والجهاز الأعلى للرقابة تجعل كلا منهما في خدمة الآخر.
المجلس الأعلى للحسابات
هناك حاجة ماسة حاليا إلى شفافية أكثر للعمل الرقابي للمجلس الأعلى للحسابات، وإلى تفعيل المساءلة التأديبية المالية مع تفعيل اختصاص مجمد وهو استرجاع الأموال المهدورة (اختصاص التسيير بحكم الواقع ولاسيما في الجماعات الترابية)، وتكثيف وثيرة نشر أحكامه القضائية على أن تكون معززة بتوضيحات وتعاليق تنويرية طبقا للقانون والمعايير الدولية للرقابة من أجل تسهيل عملية استيعابها من المخاطبين بها المباشرين وغير المباشرين واستثمارها في البحث العلمي الجامعي، وإلى تعزيز التنسيق مع البرلمان في مجال تقييم السياسات العمومية، وأيضا في مجال التشريع المالي، وإلى تسليس وتكثيف مجمل العلاقة الوظيفية مع البرلمان، على أن يكون هذا الأخير مستعدا ومؤهلا لعلاقة تفاعلية منتجة وبناءة، ولاسيما لجهة مناقشة مشروع قانون التصفية، ومشروع القانون المالي السنوي، والتفاعل مع لجان البرلمان المتخصصة ولاسيما لجنة المراقبة المالية (الحديثة الإنشاء والخبرة) ولجنة المالية والعدل والتشريع.
القضاء
إن القضاء العادل والنزيه والمسؤول هو قطب الرحى في منظومة الحكامة الديمقراطية الجيدة، فهو يتصدى للأفعال اللامشروعة، ويواجه الظواهر المرضية في تدبير الشأن العام، كالاختلاس والرشوة والمحسوبية، على أن يكون شجاعا ومستقلا وفعالا وسريعا ومؤهلا من النواحي الفنية والمادية والبشرية. والمهم أن يكون قابلا للنقد والتقييم فيما يخص الإدارة القضائية أو وضع السياسة القضائية خارج طرق الطعن القانونية المعتادة. ويقتضي تعزيز فعالية الحكامة الديمقراطية الجيدة ومحاربة الفساد توثيق عرى العلاقة بين القضاء والمجلس الأعلى للحسابات، والهيئة الوطنية للنزاهة وتقنين هذه العلاقة في شكل تبادل الوثائق والمعلومات في الاتجاهين معا.
الإعلام
إن الحكامة الديمقراطية الجيدة القائمة على ركيزتي الشفافية والمساءلة لاتقوم وتنتعش إلا في ظل وفرة المعلومات وسهولة النفاذ إلى مصادر الخبر، وإتاحة الأخبار أمام الجميع دون تمييز وذلك من خلال:
– رفض الرقابة على النشر خارج القانون.
– حرية عمل وسائل الإعلام وحرية حصولها على الأخبار، وحرية الحصول على المعلومات للجمهور المغربي.
– تكافؤ الفرص بين وسائل الإعلام الخاصة والحكومية في الوصول إلى المعلومات وعدم التفريق في المعاملة الاقتصادية للحكومة بين وسائل الإعلام.
– انفتاح وسائل الإعلام الحكومية مرئية كانت أو مكتوبة أو مسموعة على مختلف وجهات النظر واستقلاليتها التحريرية.
– تسهيل عمل الإعلاميين الأجانب ودخولهم إلى البلاد ونقل المعلومات في إطار احترام القانون والسيادة الوطنية.
– التخلص من القيود والتهديدات والضغوط الإغرائية التي تحد من عمل الإعلاميين وتؤثر على صدقية الأخبار.
– توفير الحماية اللازمة للإعلاميين.
(يتبع)
حصريا حقوق النشر محفوظة
*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]





