سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس (40)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

 

المحور الرابع والأخير: الحكامة الإدارية

يتناول المحور الرابع والأخير من هذه السلسلة وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث ، فحوى المنظور الملكي للحكامة الإدارية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).

ثانيا: تأملات واستنتاجات
نستعرض في هذا المبحث الثاني تأملاتنا واستنتاجاتنا بخصوص المنظور الملكي للمفهوم الجديد للسلطة (1) وربط المسؤولية بالمحاسبة (2) في التصور المفاهيمي وفي الممارسة الميدانية.

1- المفهوم الجديد للسلطة (تابع)

المجتمع المدني
ينبغي تعزيز مكانة المجتمع المدني وتدعيم قدراته وتوفير الموارد له من أجل تطوير نشاطاته ومتابعة وتقييم أعماله من أجل الرفع من مردوديتها وفعاليتها مع مراقبة مشروعية موارد دعمه المالي الداخلية والخارجية. إن الرهان من وراء مجتمع مدني حي وحيوي وحقيقي، هو المساهمة في خلق رأي عام يكون بمثابة رقيب قوي وفعال على تصرفات الحاكمين والقائمين على الإدارة الحكومية ولاسيما لجهة متابعة ومراقبة أوجه التصرف في المال العام وكشف مظاهر الفساد والانحراف، فضلا عن تقديم اقتراحات بناءة والتعامل معها بجدية وإيجابية. وكل ذلك بدون تنافس أو تصادم مع المجتمع السياسي كما سبق للملك أن حذر منه.

القطاع الخاص

دور القطاع الخاص لا غنى عنه في إنجاح مشروع الحكامة الديمقراطية التنموية الجيدة، من خلال توفير بيئة سليمة له وتعاون الحكومة النزيه مع مطالبه وحاجياته مع ضمان ضوابط لتخليق مؤسساته وشفافية معلوماته ووضعياته المالية وأمانتها، وكذا تحمل مسؤولية القطاع الخاص في الابتعاد عن التواطؤ مع الفاسدين والمرتشين في دوائر الحكومة والذي غالبا ما يظهر بمناسبة الصفقات العمومية، أو بمناسبة التنافس على الفوز بالمشاريع الاستثمارية الكبرى. مع تفعيل آلية اليقظة والتبليغ عن الممارسات المشبوهة وظاهرة تضارب المصالح بين القطاعين الخاص والعام..
الأحزاب

من خلال دعم حكامتها الجيدة وتقوية كياناتها واستقلاليتها، ومساعدتها بالموارد المادية والفكرية الكفيلة بدعم مسيرة التأهيل والتطوير وإعادة البناء، وينبغي أن تقترن حرية تأسيس الأحزاب مع ترشيد عملها وعددها ومراقبة ماليتها ذات المصدر العمومي، على أن تستنبت الأحزاب قيم ومبادئ الحكامة الحيدة داخل دواليبها من خلال ضمان آليات الديمقراطية الداخلية ودوران النخب، والاهتمام بالفئات الشابة، وتوعية المنتسبين بفضائل الشفافية والفعالية وتكريس آليات المساءلة على الأداء السياسي والإداري والمالي قبل وأثناء وبعد اللحظة الانتخابية، طبقا للتوجيهات الملكية ومبادئ الدستور.

أي دور لمؤسسات الحكامة الجيدة ولتقاريرها في مساءلة سياسات الدولة؟

نحن أمام أجهزة حكامة مستقلة عن الحكومة. ما الذي يحمله هذا الوصف من مدلول؟ أي أجهزة تستهدف البحث عن أفضل السبل في تنزيل السياسات والبرامج والمشاريع العمومية بما يخدم أهداف التنمية الشاملة والمتوازنة والمستدامة. وهي تسائل ليس فقط السياسات العمومية بل قد تطرح أسئلة حول قواعد ارتكاز السياسة العامة للدولة أي اختياراتها الكبرى. وبوصفها أجهزة تفكير واستشارة من جهة وكذا تتبع وتقييم للسياسات العمومية من جهة أخرى، وفق صريح النصين الدستوري والقانوني الناظمين لها، فإن أجهزة الحكامة هي أجهزة للمساعدة على ترسيخ وتقوية الديموقراطية الدستورية وتدعيم المراقبة الديموقراطية للحكامة من خلال توفير فضاءات موازية موضوعية وعقلانية للنقاش والتفكير واليقظة؛ في أفق اقتراح مداخل للتصويب والتقويم وضمان الرسوخ والاستدامة للسياسات العمومية.

مثال أول: المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي مهمته إبداء الآراء حول كل السياسات العمومية، والقضايا الوطنية التي تهم التعليم والتكوين والبحث العلمي…. كما يساهم في تقييم السياسات والبرامج العمومية في هذا المجال؛ مثال ثان: الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحارتها (مكافحة الفساد): من مكونات مهمتها الرسالية ضمان تتبع تنفيذ سياسات محاربة الفساد؛ مثال ثالث: المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة يتولى تنشيط النقاش العمومي حول السياسة العمومية وضمان تتبع إنجاز البرامج الوطنية في هذا المجال. إنها أجهزة ذات أدوار واختصاصات متباينة ومتقاطعة، تشترك في العديد من المقومات والأهداف لكن لا يمكن وضعها في سلة واحدة، تؤدي – بشكل متفاوت-وظيفة استشارية فنية للدولة والسلطات العمومية وتقدم خدمة تنويرية للرأي العام حول السياسات والبرامج والمشاريع العمومية المرتبطة بالتنمية بمدلولها الواسع، أجهزة يقظة وتتبع من أجل استباق المخاطر أو التحفيز على التغيير والإصلاح والتطوير….

لكنها تشتغل في محيط قد يكون محتقنا أحيانا، وقد تجد نفسها بالتالي في عين عاصفة الصراع السياسي بخصوص بعض الإصلاحات الحساسة أو المثيرة للجدل كإصلاح أنظمة التقاعد، ففي الوقت الذي أصدر المجلس الأعلى للحسابات تقريرا خاصا حول الموضوع انطوى على توصيات يغلب عليها الطابع الفني المحاسبي، بالنظر لاختصاصه المالي، عندما دق ناقوس الخطر محذرا من عدم قدرة السلطات العمومية على الحلول محل أنظمة التقاعد للحفاظ على خدمات التقاعد للمتقاعدين نظرا للإكراهات وثقل الالتزامات التي لن تستطيع المالية العمومية تحملها. ثم وجه مساءلة تقييمية مباشرة للإصلاحات المقياسية التي بادرت بها حكومة بنكيران، منوها إلى أنها تبقى محدودة الفائدة ولا مناص من إصلاحات هيكلية لمجموع النظام، للحفاظ على استدامة معظم الأنظمة. نجد أن تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي حول ذات الموضوع تبنى مقاربة أقل تقنوية مراعيا أبعادا واعتبارات أخرى، ومستفيدا من وجود الحساسيات الاجتماعية في تركيبته. يبقى أن نشير إلى أن بعض هذه الأجهزة يتجاوز المساءلة الموضوعية للسياسات العمومية إلى المساءلة الفردية وإنزال العقاب أو تحريك المسطرة العقابية للمسؤولين على تنفيذ هذه السياسات، كالمجلس الأعلى للحسابات ومجلس المنافسة والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها. مع الإشارة إلى أن هاتين المؤسستين الحساستين الأخيرتين قد لمعتا -ما تزالان-بغيابهما في الأحداث الدراماتيكية المتعلقة بظاهرة المقاطعة لبعض الشركات…

أي دور لهذه التقارير في تطوير الحكامة الإدارية الجيدة؟

من الصعب تقديم جواب موثوق منه على هذا السؤال التقييمي الواسع. في غياب المادة العلمية المرجعية. المجلسان المعنيان مباشرة بإصلاح النظام الإداري هما “الوسيط” والمجلس الأعلى للحسابات، لم تصدرا أية دراسة تقييمية حول أثر التقارير التي أصدرتاها على مستوى الحكامة الإدارية في المغرب، أي أنها تقف عند حد الإفراج عن المخرجات من ملاحظات وتوصيات ولا تتعداها إلى مستوى تقييم أثر تلك التقارير وبصفة عامة أثر الأعمال impact التي تقوم بها على صعيد الدولة والمجتمع والمواطنين. هذا مع العلم أن الحكامة الإدارية هي أكثر أنواع الحكامة التصاقا بمعيش المواطنين اليومي. التقرير السنوي لهذه المجالس ينبغي أن يعكس مدى إعمال مقاربة “القيمة والفوائد” value and benefits وهو ما لا يزال هدفا “كامنا” ينتظر التحقق الذي نتمنى أن يكون قريبا، وربما سيكون هذا السؤال موضوعا مثيرا لاهتمام وزارة الوظيفة العمومية وهي في صدد تحضير مشروعها للنهوض بالإدارة العمومية تجاوبا مع الملاحظات الصارمة التي أبداها الملك حول أمراض الإدارة. مؤسسة “الوسيط” أصدرت سنة 2018 تقريرا سنويا هاما وحادا في لهجته حول واقع الإدارة المغربية، تضمن انتقادات حادة لطريقة تسييرها وممارسات الموظفين. ومما جاء فيه أن “وثيرة الارتقاء بالشأن الإداري لم تبلغ المأمول على الرغم مما أعربت عنه الإدارة من إرادة الانتقال بممارستها إلى تطلعات المواطنين”.

وسجل التقرير أن المعيش اليومي “لم يبرهن بالملموس على إقلاع بعض الإداريين عن ممارسات منبوذة، والتي توحي بسطوة السلطة واستمرار استعلاء بعض القيمين عليها واشتغالهم بمزاجية متجاوزة، وفق بيروقراطية لم تعد مقبولة ونمطية مفتقرة لكل مبرر”. وأقرت مؤسسة “الوسيط” أن إشكاليات الإدارة المغربية متعددة ومعروفة، ومع ذلك لم تتمكن من القضاء كليا على إحداها، إذ لا تزال تطفو على الساحة من حين إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى، ودعت إلى تبني الإدارة نموذجا “لا ينحصر في النمطية وتعاليم مدبجة، وإنما يؤسس لبناء نموذج على القيم التي تجعل من خدمة المواطنين هدفًا رئيسيًا، ومن الإصلاح مسارًا متواصلًا”.

وقد أبدت وزارة الوظيفة العمومية (قبل أن تلحق بوزارة المالية مؤخرا) استعدادها للاستفادة من مثل هذه التوصيات في بلورة مشروعها لإصلاح الإدارة العمومية. ومن هنا نلاحظ أننا مازلنا في مستوى التعبير وإعادة التعبير عن النوايا والتعهدات التي تبقى ذات قيمة سياسية نظرية، وهو ما سبق أن عبر عنه الملك في إحدى خطبه بمتاهة “إصلاح الإصلاح”! …

(يتبع)

حصريا حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...