*دكتور محمد براو
المحور الرابع والأخير: الحكامة الإدارية
يتناول المحور الرابع والأخير من هذه السلسلة وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث ، فحوى المنظور الملكي للحكامة الإدارية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).
ثانيا: تأملات واستنتاجات
نستعرض في هذا المبحث الثاني تأملاتنا واستنتاجاتنا بخصوص المنظور الملكي للمفهوم الجديد للسلطة (1) وربط المسؤولية بالمحاسبة (2) في التصور المفاهيمي وفي الممارسة الميدانية.
2 – مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة
مجالات التطبيق
المجال السياسي
هل المقتضيات الديمقراطية للحكامة متوافرة؟
الرقابة الشعبية من خلال تثبيت نظام انتخابي يتيح التعبير الحر والنزيه للشعب عبر انتخابات دورية ذات مصداقية؛ في ظل مناخ التعددية؛ وحماية حرية التعبير واحترام حقوق الإنسان؛ وتكريس سيادة القانون؛ ومن خلال أيضا بلورة وتطوير قنوات ديموقراطية موازية تتيح مشاركة كافة أعضاء المجتمع (أي تدعيم الديموقراطية التمثيلية بالديموقراطية التشاركية)؛ ثم تفعيل المبدأ على المستوى السياسي من خلال الآليات الدستورية والسياسية التالية:
الأسئلة البرلمانية وجلسات الاستماع ولجن تقصي الحقائق وملتمس الرقابة وملتمسات المساءلة والطعن في القوانين ومناقشة الحصيلة الدورية للحكومة والقانون المالي السنوي ومشروع قانون التصفية. وذلك بالاستعانة والالتفات لملاحظات وتوصيات أجهزة الحكامة حول مختلف شؤون المجتمع الحيوية؛
تقارير الجهاز الأعلى للرقابة والمحاسبة حول مجموع الأنشطة الرقابية والقضائية بخصوص تنفيذ السياسات والبرامج والمشاريع العمومية: المثلث المذكور سابقا.
متابعة الملفات المحالة على القضاء الزجري لجميع حالات الفساد الإجرامي ضمانا لعدم الإفلات من العقاب.
تقارير الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ومتابعاتها المنهجية لحالات الفساد والتي تبين كيف يتم تشخيص أسبابه والسعي لتجفيف منابعه وتقليص مؤشراته المقلقة.
تقارير تقييم السياسات العمومية من طرف البرلمان أو بمساعدة الجهاز الأعلى للرقابة والمحاسبة، لفرز صالحها من طالحها واقتراح سبل التصحيح والتصويب على الحكومة مع متابعة التنفيذ برلمانيا وحكوميا.
التقارير الكاشفة لحالات الاحتكار والمس بالمنافسة الشريفة في المعاملات الاقتصادية.
عرائض المواطنين وطعونهم في دستورية القوانين
وخلاصة القول إن الربط السياسي بين المسؤولية والمحاسبة يفترض وجود منظومة سياسية صالحة؛ أي حكومة فعالة ونظيفة ومسؤولة وبرلمان تمثيلي وفعال وأحزاب مؤهلة لممارسة وظائفها التأطيرية والسياسية. وثقافة تدبيرية للشأن العام متشبعة بقيم المواطنة والنزاهة وخدمة الصالح العام. ومجتمع مدني حي وحيوي. وقضاء مستقل وفعال. مع وجود قدر من التوازن والتعاون بين السلطات الثلاث وفيما بينها وبين مؤسسات الحكامة وعلى رأسها الجهاز الأعلى للرقابة والمحاسبة. وهذه الشروط وردت كلها في الخطب الملكية.
المجالات الاقتصادية والإدارية والمالية
آليات ومؤسسات المحاسبة في المجالات الاقتصادية والإدارية والمالية إنما وجدت من أجل حل ما يسمى في النظريات الاقتصادية والمؤسساتية بمشكلة “الرئيس والعون”، فالقائمون على تدبير المؤسسات الاقتصادية والإدارية والمالية والبرامج والمشاريع التنموية هم (العون) وفي الجانب الآخر فإن أصحاب الشأن: رئيس الدولة؛ الحكومة؛ البرلمان؛ الرأي العام…هم (الرئيس)، وتنشأ المشكلة عندما يكون للطرفين مصالح مختلفة ومعلومات غير متوازنة أو غير متساوية بحيث لا يتمكن الرئيس من التأكد من أن العون يعمل على الدوام في مصلحة الرئيس، وتتصاعد المشكلة عندما يشعر الرئيس بأن العون يتلاعب به أو يستغله بحيث يتوقف العون عن التعاون عندما تكون المصالح مشتركة والأرباح متقاسمة. فيصبح الخير العام أو المصلحة العامة في مهب ريح الجشع الشخصي غير المشروع للعون، هاهنا يصبح العون عبئا بالنسبة للرئيس وكلفة بالنسبة للمؤسسة والنظام.
في المجال الاقتصادي: تلتزم الوزارات الاقتصادية بتوضيح كيفية تنفيذها لمهامها ومبررات القرارات التي تتخذها وتبلغها لأصحاب الشأن والمواطنين مع وجوب التفاعل المباشر مع الانتقادات والمطالب التي يعبر عنها المواطنون؛ وتتحمل هذه الوزارات المسؤولية (الكلية أو الجزئية حسب الحالة) عن الأخطاء التي تقع أو الفشل الذي ينتج عن تلك القرارات؛ مع توفير آلية واضحة تتيح للمواطن حق المساءلة وآلية واضحة للتعامل مع الأخطاء والفشل؛ ويضع نظام المؤسسات العمومية الاقتصادية مسؤولية قانونية على عدم تقديم معلومات تفصيلية دقيقة وكاملة عن المؤسسة، على أن يتم تطبيق القانون بحزم وبشكل متساو وشفاف على الأنشطة الاقتصادية والتجارية؛ مع تقديم ضمانات أكيدة حول قدرة النظام القانوني والقضائي على حماية حقوق المستثمرين خلال فترة معقولة وبتكلفة مقبولة.
في المجالين الإداري والمالي: تلتزم المرافق العمومية بالإفصاح عن المعلومات الإدارية والمالية بجميع الطرق بما فيها الالكترونية وتقدم الحساب عن الأداء الإداري والمالي وتخضع للمساءلة عليه داخل الحكومة وخارجها؛ مع تمكين المواطنين من النقد والتفاعل مع ملاحظاتهم واقتراحاتهم؛ وتلتزم بتقديم الجواب على الأسئلة الثلاثة التالية:
هل تم تدبير الموارد العمومية وتنفيذ المشاريع العمومية بما يتطابق مع مقتضيات القانون ومع الالتزامات المتعاقد بشأنها؟ (مشروعية المدخلات)؛
هل تم تدبير الموارد العمومية وتنفيذ المشاريع العمومية بما يحقق الأهداف والنتائج المرسومة؟ (فعالية العلاقة: مدخلات / مخرجات)؛
هل قدمت المرافق العمومية خدماتها للمواطنين والمرتفقين بما ينسجم مع مبادئ الفعالية والنجاعة؟ (نجاعة المخرجات).
كيفيات التطبيق
المحاسبة على تدبير الوسائل المالية والمادية والبشرية
من خلال مراقبة المشروعية والنظامية (ينظر أعلاه: المراقبة)
المحاسبة على العلاقة بين تدبير الوسائل ومدى تحقيق النتائج المتوقعة (حسن الإدارة أو جودة الأداء)؛ من خلال مراقبة التدبير أو تدقيق أو مراجعة الأداء؛ (ينظر أعلاه: المراقبة)
المحاسبة على المخرجات والنتائج
مدى أثرها الملموس (الخدمة الملموسة للمواطنين والمرتفقين) من خلال آلية التقييم بمختلف أشكاله ومراحله. (ينظر أعلاه: المراقبة)
تنبيه: تقديم الحساب يأخذ ثلاث صور تطبيقية؛
الحساب المالي؛
حساب الأداء؛
حساب الأثر.
وبالتالي ضرورة التمييز بين تقديم الحساب (المالي) وتقديم حساب (الأداء) وتقديم حساب (الأثر)
المآلات والعواقب
العواقب السياسية: الإعفاء أو الإقالة أو سحب الثقة من الحكومة.
العواقب المالية؛ أمام المجلس الأعلى للحسابات والقضاء: الغرامات وإرجاع الأموال العامة المطابقة للخسارة؛ استرداد الأموال المختلسة أو الممتلكات المنهوبة؛ مصادرة الأموال المتأتية من النشاطات الإجرامية: إشكالية التحصيل الفعلي للأموال المحكوم بها. ومخاطر تجريم التدبير العمومي.
العواقب التأديبية؛ أمام سلطة التعيين: رئيس الدولة؛ رئيس الحكومة؛ الوزراء، الإعفاء، العزل، الإقصاء من الترشح لمناصب جديدة: نعيش زمن إحياء وتعزيز حظوظ تفعيل المساءلة التأديبية لكن بمنظور جديد. المسؤولية التدبيرية أو المحاسبة على التدبير خصوصا بعد الخطاب الملكي بتاريخ 29 يوليوز 2017.
العواقب الجنائية؛ أمام المحاكم الزجرية. (المحكمة العليا بالنسبة للوزراء). الحبس أو السجن؛ مصادرة الممتلكات؛ الزجر الفردي والردع العام؛ النشر كعقوبة تكميلية.
العواقب المعنوية؛ أمام الصحافة؛ والرأي العام: الجزاء المعنوي
المحاسبة الذاتية والترتيب التلقائي للعواقب: الاستقالة الطوعية؛ وليس التلويح بالاستقالة كوسيلة للضغط السياسي.
(يتبع)
حصريا حقوق النشر محفوظة
*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]





