*د.سعيد الغماز
اشتغَلتْ لجنة النموذج التنموي لعدة شهور، وقامت بالعديد من اللقاءات والزيارات الميدانية شملت جميع جهات المغرب ولم تستثني المغرب العميق. تعرضَتْ أشغال اللجنة للظروف الصحية المرتبطة بكوفيد19، وهو الأمر الذي تطلب تحيين خلاصاتها لتأخذ بعين الاعتبار جائحة كورونا كمعطى له تأثيره الخاص على جميع مناحي الحياة وخاصة القطاع الصحي.
في 25 مايو قدم السيد شكيب بنموسى تقرير لجنة النموذج التنموي أمام أنظار جلالة الملك، ومباشرة بعد ذلك أصبح التقرير متاحا للعموم وبأكثر من لغة. من الناحية الأخلاقية، والواجب الوطني، لا يسعنا إلا أن نشكر اللجنة على ما بذلته من مجهود ومن طاقات من أجل إعداد هذا التقرير حول النموذج التنموي الجديد الذي يرسم معالم مغرب الغد، وقد يحدد مستقبل الأجيال القادمة.
نحن أمام تقرير ليس كباقي التقارير، لأنه تقرير يريد إصلاح أعطاب الحاضر من أجل مستقبل واعد ومغرب متقدم ومزدهر. لذلك نعتبر من واجبنا الوطني أن ندرس هذا التقرير بكل عناية، وقد أعطينا لهذه الدراسة الوقت الكافي منذ تعميمه على جميع المغاربة، لقراءته وإعادة قراءته من السطر الأول حتى الجملة الأخيرة.
هذا المقال يتطرق لدراسة عميقة ومتأنية لما جاء في تقرير السيد بنموسى، من منطلق ما لله لله وما لقيصر لقيصر. لذلك ارتأينا تقديم المقال باستعمال منهجية تُسهل مأمورية القارئ وذلك بالتطرق لكل فكرة أو مقترح جاء في التقرير على شكل فقرات منفصلة ومرقمة. والهدف هو الجواب عن سؤالين حول التقرير: ما له؟ وما علي؟
-1- بداية، ينبغي الإشارة إلى أن اقتراح “الميثاق الوطني من أجل التنمية” يعد اقتراحا يصب في الاتجاه الصحيح ويوفر شرطا أساسيا في نجاح أي تنمية. وهو ما ذهب إليه التقرير حين اعتبر أن التعبئة الشاملة كانت حاضرة في جميع التجارب التنموية الناجحة حيث نقرأ فيه “تُبين التجربة الدولية أن الرُّؤى المرتبطة بالتنمية، على مستوى بلد ما، تتوفر على مزيد من حظوظ النجاح عندما تصاحبها مقاربة أكيدة ومدعومة بتعبئة وانخراط الفاعلين” ص 145
لا يمكننا أن نتحدث عن النموذج التنموي إلا بعد تحقيق بعض الشروط التي يمكننا اختصارها كالتالي: الاستقرار-الأمن-القيادة الراشدة وأخيرا التعبئة الشاملة. فلا تنمية مع الحروب وانعدام الأمن الداخلي. والمغرب يشهد استقرارا وأمنا كبيرا، تعزز خاصة بعد ثورات الربيع العربي. كما أن جلالة الملك يمثل القيادة الراشدة التي تجسد وحدة الأمة ووحدة الوطن وسيادته على كامل ترابه، قيادة تعكس كذلك تطلعات الشعب المغربي لغد أفضل وبناء مستقبل واعد. ويأتي “الميثاق الوطني من أجل التنمية” لتعزيز الشروط الضرورية لتحقيق التنمية، هذا الميثاق يُعتبر خطوة متقدمة لتحقيق التعبئة الشاملة، وجعل جميع مكونات المجتمع المغربي تنخرط في النموذج التنموي. فلا يمكننا الحديث عن تنزيل أي نموذج تنموي دون انخراط الجميع فيه ودون تعبئة شاملة. لذلك نعتقد أن بلدنا يتوفر على الشروط الضرورية ليكون له طموح تنموي يُطلق الطاقات، ولا حق له في أن يخلف موعده مع التاريخ لتحقيق طفرته التنموية وإقلاعه الاقتصادي. يبقى فقط إنجاز نموذج تنموي فيه ابداع وابتكار وتجديد، فيه كذلك التشخيص الموضوعي والجريء للواقع الحالي مع قول الحقيقة ولو كانت قاسية أو مؤلمة كما جاء في الخطاب الملكي، نموذج تنموي مرتكز على حضارة وتاريخ أمة، ومنفتح على العالم وعلى الحضارات الأخرى. وأخيرا نموذج لا يتردد في إقرار الإصلاحات العميقة واعتماد المقترحات الكبرى التي تعالج الجذور وليس المظاهر.
-2- قراءة سريعة للنموذج التنموي الحالي تجعلنا نلاحظ أن مسألة تتبع البرامج والمشاريع من بين أكبر المعضلات التي شكلت عائقا أمام تحقيق الأهداف التنموية في بلادنا. ونكتفي بذكر المخطط الاستعجالي للتعليم وبرنامج المقاولون الشباب، وهي برامج استنزفت الطاقات والأموال وانتهت بالفشل.
في اعتقادنا مسألة التتبع تشكل عائقا بنيويا في نموذجنا التنموي الحالي. ومعالجة هذه المعضلة، من شأنها خلق دينامية تشمل جميع القطاعات وتساهم في خلق جو متين لتسريع انجاز البرامج في وقتها وبجودة ونجاعة كبيرة. لذلك نقول إن تقرير النموذج التنموي كان عليه تخصيص باب واسع لمسألة التتبع والتفصيل في آلياته وأشكال تنزيله، حتى يكون المُقترح في مستوى ضخامة المشكل.
تقرير اللجنة تحدث عن التتبع في مواقع متفرقة حيث نقرأ في فقرة ” يتطلب التنفيذ الفعلي للنموذج التنموي تعزيز وظيفة القيادة الاستراتيجية والتتبع وإدارة التغيير” (ص145) . وفي فقرة أخرى نقرأ ” يمكن للميثاق أن يتضمن الإشارة إلى آليات التتبع المنتظم لتقدم الأوراش التي تم اعتمادها في إطاره” (ص145).
حاول التقرير إعطاء بعض الآليات لجعل مسألة التتبع تتم بالشكل المطلوب والنجاعة المتوخاة. جاء في التقرير ” …ويمكن أن تضم هذه الآليات، مثلا، إعداد تقارير سنوية للأطراف المعنية فيما يخص عملياتهم المنجزة لفائدة تحقيق أهداف الميثاق، وكذا تنظيم لقاءات بين جميع الفاعلين أو تقديمهم حصيلة منتظمة عن كل مرحلة” (ص145). الأكيد أن هذه الآليات للتتبع تشكل تطورا كبيرا في إنجاز البرامج، لكنها تظل غير كافية بالنظر إلى الأزمة العميقة التي تصاحب النموذج التنموي الحالي في مجال التتبع وبالخصوص في القطاع العام. لذلك نعتبر أن لجنة النموذج التنموي يجب أن تضع مسألة التتبع تحت المجهر والتدقيق بعمق في آلياته.
-3- يبدوا أن تقرير السيد بنموسى اختار منطق إحداث لجان جديدة لتجاوز المعضلات القائمة والتي لا تساعد على النهوض بالتنمية. على سبيل المثال، فيما يخص التعامل مع مغاربة العالم، أوصى التقرير بإحداث وكالة مغربية للعمل الثقافي (ص141)، علما أنه تحدث في نفس الفقرة عن المؤسسات القائمة والتي تهتم بشؤون مغاربة العالم من قبيل قطاع الشؤون الخارجية ومجلس الجالية المغربية بالخارج ومؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج. في المجال الرقمي أوصت اللجنة بإحداث مندوبية وزارية مشتركة من أجل اعتماد استراتيجية للتحول الرقمي، علما أن المغرب يتوفر على وكالة التنمية الرقمية وهي المكلفة بالتحول الرقمي في جميع مؤسسات البلاد. هذا إلى جانب إنشاء وكالة وطنية لدبير الماء ومجالس اقتصادية واجتماعية جهوية.
جميع المؤسسات التي أوصت اللجنة بإنشائها، هي مؤسسات تنضاف للكم الهائل من المؤسسات القائمة. وإحداث هذه المؤسسات الجديدة هو إقرار صريح بعدم كفاءة المؤسسات القائمة وبضعف مردوديتها لكن دون أن نعمم، وبذلك يمكننا القول، استنادا لتقرير اللجنة، أن هذه المؤسسات القائمة هي جزء من المعضلات التي عطَّلت نموذجنا التنموي. وعليه يمكننا القول إن إحداث مؤسسات أو وكالات جديدة إنما سيعمق مشاكل النموذج التنموي، ويصب في تكريس الأخطاء التي أفشلت النموذج التنموي الحالي.
المطلوب من اللجنة هو الجواب عن الأسباب التي جعلت المؤسسات القائمة لا تقوم بدورها كما هو مطلوب، وتحديد نقاط الضعف التي جعلت هذه المؤسسات تؤدي دورها بمردودية ضعيفة. تحديد هذه الأسباب من شأنه أن يعالج مكمن الخطأ وينمي مردودية المؤسسات القائمة دون الحاجة إلى مؤسسات جديدة تشتغل بنفس الأدوات الخاطئة وتكلف ميزانية إضافية، وهو ما يعني إغراق النموذج التنموي في كم هائل من المؤسسات الجديدة وليس تطوير نموذج تنموي جديد.
-4- المهمة الأساسية التي خُلقت من أجلها لجنة النموذج التنموي لا تخرج عن ثلاثة محاور:
– لماذا لم يحقق النموذج التنموي الحالي أهدافه؟
– تشخيص الوضع الحالي بكل شفافية وبالجرأة اللازمة وإعطاء الحقيقة وإن كانت قاسية أم مؤلمة كما جاء في الخطاب الملكي.
– إعطاء مقترحات حول النموذج التنموي الجديد.
حسب فهمنا المتواضع، تقرير النموذج التنموي كان يجب أن يضع الأصبع على مكمن الداء، وإعطاء الحلول الناجعة لتجاوز الأعطاب مع تطعيمها بمقترحات جديدة تكون رافعة للتنمية في البلاد. لكننا نجد أن التقرير تحدث عن كل شيء: عن التنمية وعن النمو وعن الاقتصاد وعن الأحزاب وعن مغاربة العالم وعن اليهود المغاربة. تحدث عن الفلاحة وعن الصناعة وعن السياحة وعن الجهة وعن الدوار. تحدث عن التعليم وعن الصحة والسياحة والفلاحة والرقميات…..باختصار لم يترك أي شيء إلا وتحدث عنه. في المقابل التقرير يضع مقترحات في كل شيء، وأصبحنا لا نعرف ما الذي ينبغي تـقديمه وما الذي يجب تأخيره، في التقرير لا نعرف أين المهم وأين الأهم. علما أن جميع البلدان التي حققت تنميتها لم تعتمد على كل شيء، لأن الأمر غير عملي ولا يحقق التنمية، وإنما اعتمدت على رافعات أساسية منسجمة مع ثقافة شعوبها ومتكاملة مع نسيجها الاقتصادي، وهي تشكل اللبنة الأساسية التي ستساهم في تحريك باقي القطاعات الاقتصادية والاجتماعية. فإذا تحدثنا عن أصل تقدم الولايات المتحدة سنجده في الفولاذ والسكك الحديدية، وتقدم بريطانيا نجد أصله في الآلة البخارية وارتباطها بصناعة القطن، والطفرة التنموية في كوريا الجنوبية تتحدد في التكنولوجيا الحديثة، وفي سينغافورة نجد أصل التنمية المعاملات المالية واللوجيستيك، وفي الصين نتحدث عن الطريق الثاني الذي أبدعه دينغ كزاو بينغ وماليزيا عن المعاملات المالية وكيروزين الطائرات……والأمثلة كثيرة وكثيرة جدا.
لذلك نقول إن التقرير سقط في فخ تعويم المقترحات، والإسهاب في التفسيرات، ولم نعد نعرف كيف نصنف تلك المقترحات ولا تحديد البداية من النهاية. ففي التقرير لا يمكننا تحديد الرافعة الأساسية التي ستحرك عجلة التنمية في البلاد. كما أنه لا يتحدث عن قرارات كبرى وجريئة على غرار ما قامت به الهند في 1991 بعد تخليها عن نموذجها الأول الذي أرسى معالمه الزعيم نهرو والذي أوصل البلاد إلى حافة الإفلاس. فاتخذت الهند قرارا كبيرا بتخليها عن المعسكر الشرقي واصطفافها في المعسكر الغربي وهو ما يعني قرارات كبرى من قبيل التخلي عن الاقتصاد الموجه وتبني الاقتصاد الليبرالي وتشجيع القطاع الخاص. قرارات كبرى من قبيل ما قامت به الصين بعد موت زعيم الثورة ماو تسي تونغ، حيث شرعت في تعيين المسؤولين في الإدارات وشركات الدولة على أساس الكفاءة وتحقيق الأهداف المسطرة، بدل الولاء للحزب والقرب من زعماء الحزب الشيوعي كما كان الحال عليه في السابق. قرار جعل المنتوجات الصينية تنتقل من صفة “سلعة الشينوى” أي السلع الرديئة إلى سلع غزت عقر الثورة الصناعية في أوروبا.
-5- في مجال التعليم، ركز تقرير لجنة النموذج التنموي على الجودة وتحدث عن إرساء نهضة تربوية في المغرب. وهو الأمر الذي يعكس القيمة التي يحظى بها التعليم في أي نموذج تنموي. وفي هذا الإطار عدد التقرير “أربع رافعات قصد الارتقاء بجودة نظامنا التربوي والتكويني بشكل جوهري” (ص93). وتتحدد هذه الرافعات في: 1) الاستثمار في تكوين وتحفيز المدرسين قصد جعلهم الضامنين لنجاح التعلمات. 2) إعادة تنظيم المسار الدراسي ونظام التقييم لضمان نجاح كل متعلم. 3) تجديد المحتويات والمناهج البيداغوجية لتعليم فعال ومحفز. 4) جعل المؤسسات تتحمل مسؤولياتها لكي تصبح محركا للتغيير ولتعبئة الفاعلين.
إدراج التكوين والتحفيز في مسار المُدَرِّس، يعتبر اقتراحا وجيها يمكن أن يعطي دفعة قوية للتعليم. وهو ما عبر عنه التقرير بالآتي: ” لإنجاح نهضته التربوية، يتعين على المغرب إيلاء الأهمية الكبرى لتثمين هيئة التدريس والارتقاء بمستوى كفاءاتها وتأطيرها وفق معايير مهنية صارمة” (ص93). فإشراك المدرس في دورات تكوينية بشكل مستمر، سيكون له أثر إيجابي في تحسين أدائه. كما أن إدراج التحفيز في سلم الارتقاء الاداري هو مطلب أساسي لبناء الجودة في التعليم. وهو ما أشار إليه التقرير في الصفحة 94 : “مع حث المدرسين على تحسين أدائهم عن طريق توفير المزيد من إمكانيات الترقي والتطور في الأجرة المشروطة حصريا بالنتائج”.
كما أشار التقرير إلى ضرورة اعتماد نظام جديد للتنفيذ لضمان تفعيل هذه المقترحات الأربعة، مدعوما بإرادة سياسية قوية بهدف ضمان شروط نجاح النهضة التربوية. في هذا الإطار “تركز اللجنة على ثلاث رافعات أساسية للتنزيل العملي لإصلاح المنظومة التربوية: 1) ضمان الملائمة بين الطموح والإمكانات المعبأة من حيث الموارد البشرية والمالية الضرورية لتنفيذ الإصلاح. 2) إرساء حكامة قوية بوضع آلية للقيادة. 3) تعبئة الفاعلين الميدانيين (الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين والمؤسسات التعليمية) والعمل على تحملهم المسؤولية عن طريق الرفع من قدراتهم وتعزيز استقلاليتهم” (ص97).
عدم تطرق التقرير للبرنامج الاستعجالي وما تطلبه من غلاف مالي أنهك ميزانية الدولة دون نتائج تذكر بإجماع المختصين في المجال، وكذلك غياب تقييم عمل المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، يضع مقترحات تقرير اللجنة على المحك. فالتشخيص الذي تطرق له التقرير في مجال التعليم والتكوين، يفيد أن البلد تعاني من أزمة تعليمية عميقة ومستعصية. في هذا الصدد نقرأ في التقرير وهو يتحدث عن طموح نهضة حقيقية للمنظومة التربوية ” يتطلب تجسيد هذا الطموح تجاوز الأزمة الثلاثية الأبعاد التي يعيشها النظام التربوي المغربي: أزمة جودة التعلمات، التي تتمثل في عدم إتقان أغلبية التلاميذ للمهارات الأساسية في القراءة والحساب واللغات، في نهاية مسارهم الدراسي. أزمة ثقة المغاربة إزاء المؤسسة التربوية وهيئتها التعليمية. أزمة في مكانة المدرس التي لم تعد تلعب دورها في الارتقاء الاجتماعي وتشجيع تكافؤ الفرص” (ص93).
إذا كان هذا هو تشخيص التقرير لأزمة التعليم، فما هي أوجه التقصير التي لازمت المخطط الاستعجالي وعمل المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. إذا لم نحدد أوجه التقصير هذه، كيف يمكننا أن نقترح مقترحات جديدة؟ وما الضمان بعدم ارتكاب نفس الأخطاء التي لم يدرسها التقرير ولم يشخصها بدقة؟ أسئلة مطبوعة بهاجس التخوف تبقى قائمة وتنتظر التوضيح اللازم من قِبَل لجنة النموذج التنموي الجديد.
-6- من بين نقاط القوة في تقرير النموذج التنموي الجديد، ربط تاريخ الأمة بحاضرها لاستشراف مستقبلها. فقد جاء في التقرير ” ويندرج النموذج التنموي الجديد ضمن الأفق الزمني الطويل والمسار العريق للدولة المغربية، الذي يمكن، انطلاقا من معطيات التاريخ البعيد والمعاصر، من فهم جيد للحاضر واستشراف للمستقبل” (ص46).
تاريخ الشعوب له أهميته الكبيرة في بناء المستقبل، فكيف بالمملكة المغربية التي يعكس تاريخها حضارة ضاربة في جدور التاريخ، وصلت للسودان وللأندلس. ومن بين ركائز هذه الحضارة المغربية، انفتاحها على العالم، وهو أمر محدد في بناء المستقبل. لذلك نعتقد أن هذا الربط بين التاريخ والحاضر يشكل عنصر قوة من شأنه تجنب البلاد للنقاش العقيم بين المحافظة والحداثة الذي لن يخلق لا مجتمعا محافظا مغلقا، ولا حداثة تتنكر للتاريخ. فالمغرب يتمتع بتاريخ يحمل من مقومات الحضارة الشيء الكثير، ومنفتح على العالم وعلى الحداثة بمقومات صلبة، لأنه ببساطة لم يكن دولة منغلقة عن نفسها في جميع مراحل التاريخ.
-7- لم يحظى المجال الثقافي بالأهمية التي يضطلع بها هذا المجال في بناء النموذج التنموي، اللهم ما أثاره حول إهمال وسائل الإعلام العمومي بكل ما هو ثقافي. فنقرأ في التقرير بهذا الخصوص ” وعلاوة على ذلك، فإن وسائل الإعلام العمومي، على الخصوص، مطالبة بأن تضطلع بمهمة رئيسية تجاه المواطنين المغاربة تتجلى في: الإعلام وتنشيط النقاش العمومي، تعزيز الرابط الاجتماعي والنهوض بالتاريخ والثقافة الوطنيين” (ص 110).
إن قناعتنا بدور الثقافة بمفهومها الشامل، في بناء الإنسان الذي يعتبر محور النموذج التنموي، يجعلنا نقول إن التقرير لم يفي للثقافة حقها، وأن المجال الثقافي يجب على اللجنة إعادة التفصيل فيه بتطعيمه بمقترحات جديدة تضعه في المكانة التي يستحق.
-8- تحدث التقرير عن التحول الرقمي وما تشكله الرقمنة من فرصة حقيقية لتحقيق الطفرة التنموية. فعلا ما ذهب إليه التقرير هو عين الصواب. فالرقمنة هي فرصة جديدة وسانحة للدول التي تبحث عن التقدم في تحقيق تنميتها واقتصار الزمن التنموي.
لكن التقرير لم يعط للرقمنة أو الرقميات حسب تعبير نفس التقرير، القيمة اللازمة في النموذج التنموي. فبدلا من الحديث عن الرقمنة والتحول الرقمي كرافعة أساسية في التنمية، وكمجال إن استثمر المغرب فيه بكثافة وبذل كل جهده وطاقته فيه، فإن الأمر سيحدث رجة اقتصادية وزلزالا تنمويا من شأنه تحريك جميع قطاعات الدولة والمجتمع، وخلق دينامية غير مسبوقة في المجتمع، بإمكانها اختصار الزمن التنموي وجعل قطار التنمية تقوده قاطرة القطار السريع وليس قاطرة الفحم الحجري. التقرير تحدث عن دور الرقميات في كل مجال على حدا مما أفقدها قيمتها الحقيقية في تحقيق التنمية، وأهميتها البالغة في النموذج التنموي. فبدل الحديث عن الرقمنة كمجال حيوي لبناء مغرب الغد، عمد التقرير في حشر الرقميات داخل قطاعات وتحدث عنها في أجزاء متفرقة من التقرير. في حين نجد أن الرقمنة قاسم مشترك مع جميع المكونات الاقتصادية والإدارية والمجتمعية والقطاع الخاص والعام، وهو بذلك يكون رافعة أساسية في تحقيق التنمية.
-9- في مجال البحث العلمي، أشار التقرير إلى ضرورة خلق جسر بين الجامعات والمدارس العليا من جهة، والقطاع الخاص من جهة أخرى. الدول التي تعرف إنتاجا غزيرا في البحث العلمي، كلها سارت في هذا النهج إي خلق تقارب بين فضاء البحث وفضاء المقاولة. ونظرا لأهمية هذا المجال في النموذج التنموي، نقول إن التقرير لم يفصل فيه بالكفاية المطلوبة وربما لم يحظ البحث العلمي بالأهمية التي يستحقها. وكاقتراح متواضع في الموضوع، نقول إن خلق هذه الجسور لن يتأتى لوحده نظرا لعجز الجامعة عن الانخراط في النسيج الاقتصادي، وللعقلية السائدة في القطاع الخاص الذي لا يبذل جهدا حتى في استقبال الطلبة الباحثين عن إنجاز مشروع التخرج. ويكفي أن نشير في هذا الصدد، أن الطلبة الذين يدرسون في مؤسسات التعليم العالي ويقضون سنتهم الأخيرة في إحدى الدول المتقدمة، يقومون بإنجاز مشروع التخرج في احدى المقاولات التي ينتهي بهم المطاف في أغلب الحالات، بالاشتغال فيها مباشرة بعد التخرج. إنه نموذج الطالب الذي درس في المؤسسات التعليمية المغربية ووجد قيمته في القطاع الخاص الأجنبي ولم يجدها في القطاع الخاص في بلده.
لذلك نقترح تدخل الدولة على أعلى مستوى لخلق الشروط الضرورية من أجل إرساء جسور البحث العلمي بين الجامعة والقطاع الخاص. ومن المحبذ أن تُسند هذه المهمة إلى لجنة خاصة تكون تابعة مباشرة لرئيس الحكومة حتى تتمتع بالقوة المعنوية اللازمة.
-10– تحدث التقرير عن تعزيز التنافسية وجعل منها ومن إصلاح العدالة “أمرا حاسما لتشجيع ازدهار القطاع الخاص” (ص78). كما تطرق التقرير إلى ضرورة تعزيز حماية المقاولة ضد شطط الإدارة والارتشاء وأي ضرر اقتصادي بيِّن. في هذا الإطار اقترح التقرير العمل على تقوية مؤسسة وسيط المملكة وإحداث “مهمة المدافع عن المقاولة” يُلحَق برئيس الحكومة. ويمكننا اعتبار المقترح الأخير إجراء ذكيا ومتقدما للدفع قدما بمصالح المقاولة. لكن في مجال التنافسية ينبغي أن نشير إلى ضعف المقترحات في هذا المجال حيث اكتفى التقرير بعرض بعض البنود التي جاء فيها: ” وسيكون من اللازم، في إطار النموذج التنموي الجديد: 1) تقوية هيئات الضبط الحالية من خلال ضمان استقلاليتها ودعم إطارها القانوني…2) تغطية أنشطة استراتيجية أخرى، مثل قطاع الماء، بهيئات الضبط،3) وضع إطرار قانوني واضح يتوافق مع المعايير الدولية المتعلقة بالولوج إلى المعلومة وتنازع المصالح.” (ص78).
التقرير تجنب الحديث عن منجزات مجلس المنافسة في تعزيز التنافسية، ولو فعل ذلك لتبينت الهوة الشاسعة بين ما يقوم به المجلس وبين ما هو مطلوب منه. ولخلص التقرير بعد هذه المقارنة إلى أن مجلس المنافسة يكاد لا يكون له أي أثر في أرض الواقع.
يقول التقرير في موضوع التنافسية “يتوفر المغرب على مجلس للمنافسة وعدة مؤسسات أخرى للضبط القطاعي عُهد إليها بالسهر على السير السليم للأسواق والتقليص من حواجز الولوج إليها ومعاقبة حالات تنازع المصالح والتسريبات المخلة بالمنافسة النزيهة والتوافقات غير القانونية.” (ص78)، لكن التقرير التزم الصمت بخصوص معاقبة حالات تنازع المصالح والاخلال بشروط التنافس الشريف، ربما لأنها تكاد تكون منعدمة. واكتفى التقرير في حديثه عن أداء مجلس المنافسة بالقول ” إلا أن هيئات الضبط والتقنين هاته لا تمارس بعد كل المهام الموكلة إليها، بحيث إن بعض الممارسات الضارة بحرية المنافسة، والتي تستوجب محاربتها من طرف الهيئات المعنية، لا تزال قائمة.” (ص78). وفي تقديرنا، هذا التشخيص لأداء مجلس المنافسة يبقى ضعيفا أمام المسؤولية العظيمة الملقاة على عاتقه، وأمام إنجازاته التي لا ترقى للمستوى المطلوب نتيجة افتقاره للاستقلالية وضعفه أمام تغول اللوبيات والتوافقات المبنية على النفوذ سواء الإداري أو السياسي أو الاقتصادي.
-11- تحدث التقرير عن الشباب الذي يريد الاعتماد على نفسه، وانشاء مشروعه الخاص. ومن أجل ذلك تم تحديد مجموعة من الاقتراحات لمساعدة هؤلاء على خلق مشروعهم خاصة فيما يتعلق بالتكوين والتمويل. لكن التقرير لم يتطرق للشباب الذي يهاب دخول مغامرة المشروع الذاتي ويطالب بالوظيفة في القطاع العام التي توفر له راتبا شهريا وتقاعدا مريحا وفق فلسفته الخاصة القائمة على أساس “الراتب مضمون بجهد وبلا جهد”. ولم يحدد التقرير كيفية التعامل مع هذا المنطق السائد لدى طيف من الباحثين عن الشغل. ومن جهة أخرى، لم يتطرق التقرير للبرامج السابقة التي تم التخلي عنها واعلان فشلها بعد أن كلفت خزينة الدولة غلافا ماليا كبيرا. ونكتفي بذكر برنامج المقاولون الشباب الذي يسمح بولوج الشباب للتمويل البنكي بضمانة من الدولة. لحد الآن لا نتوفر عن دراسة نقدية تتطرق للأسباب الحقيقية وراء فشل هذا البرنامج الطموح الذي فوت على البلاد فرصة لإنقاذ ثلة من الشباب من البطالة ولو نجح البرنامج لخلق هؤلاء الشباب عدد هائل من مناصب الشغل. كان على التقرير أولا استعراض الأخطاء التي صاحبت البرامج السابقة لدعم الشباب المقاول، قبل إعطاء مقترحات جديدة، قد يكون مآلها نفس المصير إن لم تتوفق في تدارك تلك الأخطاء.
في غياب أي دراسة حول أسباب فشل برنامج المقاولون الشباب، نكتفي بالقول إن البنوك تتحمل جزء من هذا الفشل. فالبنوك تعرف بأن القروض مضمونة من طرف الدولة، وأنها بعيدة عن كل المخاطر، لذلك لم تبذل أي جهد في تأطير هؤلاء الشباب ومواكبتهم في انجاز مشاريعهم. فكانت تسند القروض للشباب وتتركه لحاله ما دام العجز عن التسديد ستتكلف به الدولة من المال العام. في حين نجد أن قروض بناء السكن على سبيل المثال، تتخذ البنوك جميع الاحتياطات لكيلا تقع في الخسارة. فهي تُصادق للزبون على شطر أول من القرض، ولا تسلمه الشطر الثاني إلى بعد خروج خبير تابع لها ومعاينة تطور الورش وتحديد نسبة تقدم الأشغال حماية لمال البنك. لماذا لم تتعامل هذه البنوك بنفس الطريقة مع قروض المقاولون الشباب؟
–12- في مجال تطوير الإدارة، تحدث التقرير عن الانتقال من مقاربة الموارد إلى مقاربة النتائج. وهو ابداع كبير من شأنه تطوير الإدارة المغربية لأنه تَمكن من وضع الأصبع على مكمن الداء وبدقة عالية. ولا يسعنا بهذا الخصوص إلا التنويه بهذا المقترح المتقدم والفعال. لتوضيح المقترح أكثر نعرض هذه الجملة كما وردت في هذا التقرير (ص70): ” التخلي عن المقاربة المبنية على الموارد وتعويضها بطرق التدبير المستقل المبني على النتائج وتحمل المسؤولية، التي ترتكز بالأساس على مؤشرات الجودة والإنصاف”. تطبيق هذا المقترح في الإدارة العمومية، والسهر على تنزيله، يعتبر في نظرنا كافيا لمعالجة الكثير من اختلالات الإدارة العمومية.
-13- أن يكون لبلدنا طموح تنموي شيء جميل. بل إن التعبئة الشاملة التي تحدثنا عنها سابقا واعتبرناها من بين عناصر نجاح أي نموذج تنموي، لا تستقيم دون غرس الطموح التنموي في النفوس. وأمر جد مفيد أن يتحدث التقرير عن الطموح التنموي، والأهم من ذلك هو ما قام به التقرير بربط هذا الطموح بخمسة أهداف تنموية: “● مغرب مزدهر يخلق الثروات وفرص عمل جيدة في مستوى طاقاته. ● مغرب الكفاءات، حيث يتوفر جميع المواطنين على مؤهلات ويتمتعون بمستوى من الرفاه يمكنهم من تحقيق مشاريعهم في الحياة والمساهمة في خلق القيمة المضافة. ● مغرب دامج يوفر الفرص والحماية للجميع ويعزز الرابط الاجتماعي. ● مغرب مستدام يحرص على المحافظة على الموارد في جميع أنحاء التراب الوطني. ● مغرب الجرأة يسعى إلى الريادة الإقليمية في مجالات مستقبلية محددة.” (ص49).
لتعزيز الريادة الإقليمية وتدعيم الإشعاع العالمي لبادنا، حدد التقرير خمسة رهانات: “1) التحول نحو بلد رقمي، 2) الارتقاء كمركز جهوي في ميدان التعليم العالي والبحث والابتكار،3) كسب الريادة الجهوية فيما يخص مجال الطاقة ذات الانبعاثات المنخفضة من الكاربون، 4) اكتساب مركز مرجعي كقطب مالي على المستوى القاري، 5) جعل علامة “صنع في المغرب” علامة للجودة والتنافسية والاستدامة لتسريع الاندماج في سلاسل القيمة العالمية والإقليمية.” (ص49).
إنها أهداف ورهانات قَيِّمة ونبيلة، لكن الأهم هو التفصيل في كيفية بلوغ هذه الأهداف دون أن نخلف موعدنا مع التاريخ مرة أخرى.
-14- ركز التقرير على تشجيع البحث والابتكار. والكل يعلم أهمية هذا المجال في العالم الذي نعيش فيه القائم على المعرفة والتكنولوجيا الحديثة. لكن اللجنة لم تحدد كيفية تحقيق هذا الهدف، ولم تتطرق لمقترحات بهذا الصدد ولو بعرض ملخص لتجارب دول أخرى. نقول هذه الملاحظة لأننا نعتقد أننا نتحدث عن موضوع له أهمية كبرى في التنمية ألا وهو البحث والتطوير والابتكار Recherche Développement et Innovation.
-15- التشخيص الذي قدمته اللجنة حول طريقة اشتغال القطاع الخاص هو تشخيص صائب بكل المقاييس، ويوضح طبيعة هذا الاشتغال بكل دقة. جاء في التقرير بهذا الخصوص (ص73): “الاقتصاد المغربي يتسم بنقص على مستوى ريادة الاعمال في الأنشطة المنتجة والمبتكرة نتيجة ثقافة تدبيرية لا تشجع إلا قليلا على المجازفة ومناخ للأعمال قليل الملائمة”.
بعد هذا التشخيص الدقيق، يقترح التقرير قطاعا خاصا بالمواصفات التي تحدث عنها كالتالي: (ص73): “يتطلب تحقيق التحول في عملية الإنتاج قطاعا خاصا رائدا في ميدان الأعمال والابتكار، قادرا على المجازفة واستكشاف فرص جديدة والانطلاق في ولوج قطاعات وأسواق جديدة ومواجهة المنافسة الدولية”. باختصار القطاع الخاص يجب أن يشتغل وفق النهج “الشامبيتيري” كما هو شأن المقاول في العالم الغربي.
لكن بهذا الخصوص، لا بد من الإشارة إلى دور الدولة في تشجيع مثل هذه العقلية “الخاملة في مجال ريادة الأعمال” وذلك بفتح المجال لبعض النافذين في الاستفادة السهلة من برامج الدولة بدل ركوب المخاطر والمجازفة من أجل تطوير مشاريعهم بالاعتماد على الابتكار بدل الاعتماد على نفوذهم للاستفادة من موارد الدولة.
-16- تطرق التقرير لمغاربة العالم “كجسر بين السوق الوطنية والأسواق الدولية” (ص141). كما اعتبرهم “حلقة وصل بين المغرب وباقي بلدان العالم” (ص141). وهو منظور متقدم ومستشرف للمستقبل. والأكيد أن لمغاربة العالم دور كبير في النموذج التنموي الجديد، يجب أخذه بعين الاعتبار وتوفير الشروط الضرورية للاستفادة من هذه “الثروة” المغربية الموجودة في الخارج. لكن التقرير تغافل عن ذكر المشاكل التي تعاني منها جاليتنا سواء في بلدان الإقامة أو في بلدهم الأصلي المغرب. ومن شأن معالجة هذه المشاكل، تعزيز الروابط مع مغاربة العالم وتحقيق الاستفادة المتبادلة بين الوطن والمهاجر.
في هذا الخصوص نكتفي بذكر التجربة الهندية التي اعتمدت هي الأخرى على مواطنيها في الخارج لتحقيق طفرتها التنموية. “لقد اعتمدت الهند على استراتيجية ثلاثية الأبعاد للاستفادة من المهاجرين الهنود في نموذجها التنموي في نسخته الثانية الذي انطلق مع سنة 1991:
– البعد الأول يخص علاقات المناولة مع الشركات الهندية في الخارج، لعب فيها المهندس المهاجر دورا رئيسيا.
– البعد الثاني يتجلى في الاستثمار المباشر في البلد الأصلي الهند.
– البعد الثالث يكمن في العودة للاشتغال في الهند ونقل الخبرة التي راكمها المهندس المهاجر في البلدان المتقدمة صناعيا، كما
حدث مع ساتيان بيترودا الذي دعاه رئيس الوزراء سنة 1984 وكلفه بمهمة الإشراف على السياسة الهندية في مجال الاتصالات” (أنظر كتاب “النموذج التنموي في المغرب…مقاربة مع نماذج تنموية ناجحة” ص93 و94).
لكن الهند لم تقف عند هذا الحد، بل عملت على توفر الشروط الضرورية لنجاح هذه الاستراتيجية. فقامت بإنشاء لجنة خاصة تابعة مباشرة لرئيس الوزراء. شكلت هذه اللجنة الشباك الوحيد الذي يتكلف بجميع الإجراءات والتدخل في جميع العراقيل التي قد يتعرض لها المستثمر الهندي العائد لوطنه. ربط هذه اللجنة برئيس الوزراء، جعلها تتمتع بقوة التدخل في المشاكل المرتبطة بجميع الإدارات. كانت النتيجة مذهلة حيث أن العائدين للاستثمار في بلدهم، وجدوا سرعة ونجاعة في معالجة ملفاتهم تفوق بكثير ما عاشوه في بلدان المهجر رغم تقدم ادارتهم. وهو ما جعلهم يشجعون معارفهم وأصدقائهم للعودة والاستثمار في وطنهم. لو تركت الهند مهاجريها القادمين إلى وطنهم، في مواجهة إدارة بيروقراطية تعاني الفساد، لما نجحت استراتيجية البلد في تشجيع عودة المهجرين.
نعتقد أن هذه التجربة الهندية، تتوفر على الكثير من المقترحات التي يمكن أن تجعل المغرب يستفيد من مغاربة العالم بشكل أفضل. ويمكنه كذلك محو صورة مغاربة العالم الذين نصب عليهم زعماء مافيا العقار الذين باعوا لهم شققا وهمية، علما أن مغاربة العالم اقتنوا تلك الشقق في صالونات من تنظيم الوزارة الوصية في أكبر المدن الأوروبية.
-17- إذا أردنا إعطاء عنوان يختصر طبيعة نموذجنا التنموي الحالي، فإننا نقول “إنه نموذج تنموي يبني العمران ولا يبني الإنسان”. وهو المعطى الذي يعكسه ترتيب بلادنا في مؤشر الموارد البشرية الذي يتراجع سنة بعد سنة. ولسنا في حاجة لهذه المؤشرات لمعرفة الخصاص الذي راكمته بلادنا في بناء العنصر البشري، إذ يكفي أن الشباب الذي لم يجد موطئا له في بلده يحلم بالهجرة إلى الخارج، ويكفينا معرفة تصرفات الموظف في إدارته ومدى إحساسه بانتمائه لهذه الإدارة.
على هذا الأساس كان على تقرير النموذج التنموي أن يخصص فصلا خاصا بالموارد البشرية وكيفية النهوض بها. كان عليه كذلك طرح الأسئلة حول الاعلام العمومي وعلى المؤسسات الثقافية، ويبرز لنا ماذا تقدم هذه الوسائل من برامج ووسائل لتطوير العنصر البشري. كان على التقرير مسائلة المجتمع المدني والأحزاب السياسية ونخب المجتمع، عن دورهم في هذا البناء وهل هناك عراقيل تقف أمام هذا البناء.
-18- يشكل القطاع غير المهيكل معضلة كبيرة أمام تحقيق التنمية. وذهب التقرير إلى تقسيم هذا القطاع لصنفين: القطاع غير المهيكل المنظم والقطاع غير المهيكل ذي الطبيعة الاجتماعية (التجار الصغار، الحرفيون) (ص 81 و82). إذا كان التقرير قد اعتمد مقاربة مهمة ومتقدمة قائمة على أساس “اعتماد نظام ينبني على منح العاملين بهذا القطاع بطاقة مهنية تسمح لهم بالاستفادة من مجموعة من الخدمات من قبيل الولوج إلى التكوين المهني وإلى بعض الطلبيات العمومية والتسهيلات الإدارية والجبائية، إضافة إلى الولوج إلى التغطية الصحية والتعويضات العائلية” (ص82)، فإن المقاربة التي اعتمدها نفس التقرير بخصوص القطاع غير المهيكل المنظم، غير مستفيضة وتبقى ناقصة لا تجيب عن الأسباب الحقيقية التي جعلت هذا القطاع ينتعش في الظلام.
في الختام، نشير إلى أن هذه القراءة لتقرير اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، هي قراءة تقف على أرضية التنمية وليس على أرضية السياسة. فالخطاب السياسي له دوره ومكانه الخاص، والخطاب التنموي له أهميته الكبرى ومكانه الخاص كذلك. وفي اعتقادنا آن الأوان لجعل الخطاب التنموي حاضرا بقوة أكثر من الخطاب السياسي. لذلك لم نتطرق في هذه القراءة لمسألة الديمقراطية ولا للمؤسسات السياسية. وتقوم هذه القراءة على أساس التاريخ الاقتصادي الذي شهدته بلادنا، وعلى تجارب بعض النماذج التنموية في بلدان كان المغرب إلى عهد قريب أفضل حال منها.
*باحث في التنمية وتكنولوجيا المعلومات والاتصال





