عادت طائرات “رافال” الفرنسية إلى واجهة الخيارات المطروحة أمام المغرب لتعزيز قدرات قواته الجوية، بعد نحو عقدين من تعثر أولى المفاوضات بشأنها، وسط تقارير أوروبية تتحدث عن استعداد الرباط لطلب دفعة تتراوح بين 12 و18 مقاتلة من أحدث معيار “رافال F4″، في إطار خطة أوسع لتحديث سلاح الجو وتنويع مصادر التسلح وعدم الارتهان لمورد واحد.
ووفق المعطيات التي تداولتها وسائل إعلام فرنسية ومتخصصة، فإن المغرب يدرس اقتناء طائرات “رافال F4.3” ضمن اتفاق حكومي شامل مع باريس، قد يتضمن معدات عسكرية أخرى، على أن تبدأ عمليات التسليم المحتملة بين سنتي 2030 و2031، بالنظر إلى جدول طلبيات شركة “داسو أفياسيون”.
غير أن الصفقة لا تزال في مرحلة المباحثات، ولم يصدر إلى حدود الآن إعلان رسمي عن الرباط أو باريس أو الشركة المصنعة يؤكد التوصل إلى اتفاق نهائي بشأنها.
ويأتي إحياء خيار “رافال” في سياق إقليمي يتسم بتسارع برامج التحديث العسكري في المغرب، خصوصا مع استمرار الجزائر في تعزيز قواتها الجوية بمقاتلات روسية، وظهور تقارير عن مباحثات جزائرية لاقتناء مقاتلات “J-10CE” وطائرات الإنذار المبكر “KJ-500” من الصين.
وتمنح “رافال” للمغرب، حال اقتنائها، قدرات متقدمة في القتال الجوي بعيد المدى والحرب الإلكترونية والضربات الدقيقة، بما يساعده على المحافظة على قدر من التوازن الاستراتيجي في شمال إفريقيا وغرب المتوسط.
وتتزامن هذه التحركات مع تقارير عن تأخر شركة “لوكهيد مارتن” الأمريكية في تسليم المغرب 25 مقاتلة جديدة من طراز “F-16 Block 72″، وهي صفقة وافقت عليها الإدارة الأمريكية سنة 2019، بقيمة تقديرية بلغت 3.787 مليارات دولار، وتشمل محركات ورادارات إلكترونية متطورة وتجهيزات مرتبطة بالتسليح والتواصل.
وكشفت منصة “أفريكا إنتليجنس” أن الرباط ترى أن التسليم، الذي كان مقررا وفق معلوماتها ابتداء من سنة 2024، تأخر بأكثر من عام، وأنها تسعى إلى تحميل الشركة الأمريكية كلفة هذا التأخير والمطالبة بتعويضات مالية.
وربط التقرير التعثر بالفارق بين القدرة الإنتاجية للشركة والطلب العالمي المتزايد على مقاتلات “F-16″، في المقابل، ظهرت قراءة مغربية أخرى تؤكد أن الجدول التعاقدي الأصلي ينص على بدء التسليم سنة 2027، وأن الحديث عن تأخير رسمي يحتاج إلى التمييز بين التقديرات الأولية والمواعيد الواردة في العقود.
ومهما كانت حقيقة الخلاف حول الجدول، فإن صعوبات الإنتاج الأمريكية دفعت الرباط إلى توسيع دائرة مباحثاتها، ليس باعتبار “رافال” بديلا كاملا عن “F-16″، وإنما مكونا إضافيا يسمح للقوات الملكية الجوية بالجمع بين المنظومتين الأمريكية والفرنسية، وامتلاك خيارات أوسع في التسليح والعمليات والصيانة.
ومن المرجح أن يصبح الملف العسكري جزءا من الدينامية الجديدة بين الرباط وباريس، بالتزامن مع التحضير لزيارة دولة يقوم بها الملك محمد السادس إلى فرنسا خلال خريف 2026.
وينتظر أن تشهد الزيارة توقيع معاهدة ثنائية تاريخية، ستكون الأولى من نوعها التي تعقدها فرنسا مع دولة غير أوروبية، وتتوج “الشراكة الاستثنائية المعززة” التي أطلقها الملك والرئيس إيمانويل ماكرون خلال زيارة الأخير إلى المغرب سنة 2024.
ولا يوجد حتى الآن تأكيد رسمي على إدراج “رافال” ضمن وثائق الزيارة، لكن التقارير تربط تقدم المباحثات العسكرية بالمناخ السياسي الجديد بين البلدين.
وكانت “رافال” الخيار المفضل للمغرب في بداية عهد الملك محمد السادس، حين اقتربت الرباط وباريس سنة 2007 من إبرام صفقة لاقتناء 18 طائرة، إلاّ أن الخلافات حول التمويل وارتفاع السعر وكلفة التشغيل وقطع الغيار أضعفت العرض الفرنسي، في وقت قدمت فيه واشنطن عرضا أكثر جاذبية.
وتشير تقارير تلك المرحلة إلى أن المقترح الفرنسي بلغ نحو 2.3 مليار أورو مقابل 18 “رافال”، بينما عرضت الولايات المتحدة 36 مقاتلة “F-16” بأقل من ملياري دولار، قبل أن يقتني المغرب لاحقا 24 طائرة أمريكية.
ولا تقتصر خيارات الرباط على فرنسا والولايات المتحدة، إذ دخل المغرب أيضا ضمن الدول التي تجري مباحثات مع باكستان بشأن مقاتلات “JF-17 Block III” المطورة بشراكة صينية.
واكتسبت هذه الطائرات زخما تسويقيا بعد استخدامها القتالي خلال المواجهة الباكستانية الهندية سنة 2025، إلى جانب انخفاض كلفتها مقارنة بالمقاتلات الغربية. وأكدت تقارير دولية وجود المغرب ضمن الدول المهتمة، لكن من دون إعلان صفقة نهائية أو تحديد عدد الطائرات المحتمل اقتناؤها.
وفي إسبانيا، أدى تسارع تحديث القوات المسلحة المغربية إلى تصاعد النقاش الإعلامي والعسكري بشأن جاهزية الجيش الإسباني، خصوصا في ما يتعلق بحماية المجال الجوي ومراقبة مضيق جبل طارق ومدينتي سبتة ومليلية.
ومع ذلك، يرى محللون إسبان أن الهدف الأساسي من التحديث المغربي هو موازنة الجزائر والتكيف مع التحديات الإقليمية، وليس التحضير لمواجهة تقليدية مع إسبانيا.
وتكشف هذه التحركات أن الرباط تتجه نحو بناء قوة جوية متعددة المصادر، تجمع بين “F-16″ الأمريكية و”رافال” الفرنسية، مع إبقاء الخيار الباكستاني قيد الدراسة، في استراتيجية ترمي إلى تعزيز الاستقلالية العملياتية وضمان استمرار التوازن العسكري في منطقة تعرف سباقا متسارعا نحو امتلاك المقاتلات وأنظمة الدفاع الأكثر تطورا.
المصدر: الصحيفة





