بقلم زيد عيسى العتوم
قد تختلف البيئة وتتنوع الثقافة وتتباين الظروف, ويتعرّج منحنى التاريخ وفي وصفه تتزاحم الحروف, وكم لُوّنت أقنعةٌ وبُدّلت عمائم, وشُيّدت سواترٌ ونُبشت حفائر, ورُويت الحكاية كاملة او منقوصة, ممن عرفها أو ممن لم يعرفها أو ممن أرادها مقصوصة, فكان التاريخ بلغة من أقتدر وهدم, لم يكتبه الضعفاء ولو ملكوا ألف قلم, وكان الكتاب روضة من الرياض, يجتنب السوء بأن يَغرق كاملاً في البياض, فكبرنا نحفظ ونتغنى بما هو لائق, ودُهشنا ما أن أدركنا الشبعَ بأنصاف الحقائق, وقد يرى البعض أن في ذلك مجرد لا ضير, ما دام فيه حُسن وخير.
يوماً ما وقف مدرّس اللغة العربية يتحدث لنا, بينما كان وقتها يحتضننا مقتبل العمر وتُلهمنا نسمات الطفولة, كان يخبرنا بشغف عن ابن المقفّع, وما زالت شفاهه حتى الان تتبدّى أمامي وهو يقول:” المقفّع بضم الميم وفتح القاف وتشديد الفاء وفتحها”, ثم أبحر بسرد مآثره وتعداد مؤلفاته, كونه أول من عُني في الاسلام بترجمة كتب المنطق, وأنه صاحب الفضل الرفيع عندما همّ فترجم كتاب ” كليلة ودمنة”, وكيف أن سمات نبوغه قد جعلته أحد فرسان النثر الأدبي العربي, ولعلّ كتبه ” الأدب الكبير” و ” الأدب الصغير” و” رسالة في الصحابة” خير شاهد على ذلك, وما أن قُرئت على مسامعي حينها بعضٌ مما خطّت أنامله, حتى استهواني استرساله العذب والفاظه الشفافة, وأدهشتني عباراته المبسّطة وبلاغته الرقيقة, وبقيَت أيقونة ذلك الرجل الذي عايش العصر الأموي والعباسي تتلألأ في سماء مخيلتي, وظلّت فارسيّة ومجوسيّة وإسلام ذلك المبدع فسيفساءً تتعلق في خاطري.
انقضت السنون وتفتّحت البصيرة, وطالت أذرع الفضول ولم تبقى قصيرة, فهالني ما قرأت وصعقني ما عرفت, فابن المقفّع سُمي كذلك لأن أباه قد سرق مبلغاً من المال من خزانةٍ كان مؤتمناً عليها, فعاقبه الحجاج بضربه على يديه حتى تقفّعتا من شدة الضرب, ولم تكن تلك النهاية, فقد كان ابن المقفّع يتلذذ بالسخرية ويتمادى بالتطاول على سفيان بن معاوية بن يزيد والي البصرة أنذاك, ويتندّر عليه لأن أنفه كان كبيراً وملفتاً, فكان اذا دخل على الوالي قال:” السلام عليكما”, وكان اذا سمع إجابة الوالي على سؤاله ضحك منه وازدراه, وبادره بالقول:” أخطأت”, ثم تراكمت وتجذّرت دواعي الحقد والحنق لدى سفيان بن معاوية عندما تجرأ ابن المقفع على سبّ والدته, والتشكيك علانية بخلقها وطهارتها بلا حدود, وليس ذلك فحسب, فلم تفرغ جيوب أبي جعفر المنصور وهو ثاني خلفاء بني عباس من كره ابن المقفّع, والسعي للتنكيل به وقتله, فترك أمره لسفيان يفعل به ما يريد, فأوعز سفيان بجلب ابن المقفّع عنوةً وإضرام النار على مرأى منه, وأمر بتكرار قطع أجزاءٍ من لحمه ثم شوائها وغصبه على مضغها!!, وابن المقفّع لا يزال يتجرّع تلك الوحشيّة ويرقب ذلك الهول حتى أتى على جميع جسده عندما أُلقي كاملاً في النار!, يا للهول!.
أدرك أن كتابة التاريخ قلمها ليّن, وإثبات حقيقتها ليست بالأمر الهيّن, وأن البطش طالما تغوّل في عالمنا على الكياسة, وأن التاريخ غالباً ما كتبته السياسة, لكن عدا عبدالله ابن المقفّع كم من رموزٍ وشخوصٍ قد بُرّئت ساحاتهم, وزُيّنت صفحاتهم وعُظّمت خصالهم وحُجبت سوآتهم!, فكان تمجيدهم وتلميعهم والسير على أثرهم واجب تستدعيه الفضيلة, والغوص في أنصافهم المظلمة كونهم مجرّد بشر ضربٌ من الرذيلة, رحمك الله يا ابن المقفّع, واعذريني يا طفولة!.





