*ذ/حسن رقيق
تعتبر الأسرة النواةَ الأساس في المجتمع ، والقلب النابض والشريان المتدفق في عروقه من خلال ما تبثه من قيم بانية مؤسِّسة للنسيج الفكري والوجداني الذي منه يتغذى أفرادُه ، لذا أولاها ديننا الحنيف عناية خاصة وبوأها مكانة متميزة ، يظهر ذلك جليا في كون القرآن الكريم – الذي ليس منهجه التفصيل – قد فصَّل أحكامها وأفاض في الحديث عن شؤونها من خلال منظومة تشريعية دقيقة متماسكة مفصلة غير مقتصرة على الجانب الإجرائي القانوني، بل معززة بمجموعة من القيم التي تشكل سداها وتمثل لحمتها حتى تؤدي وظيفتها على الوجه الأكمل لتنعم بالاستقرار والتساكن بين أفرادها.
أجل، لقد اعتنى بها الشرع الحكيم مصاحبة ومواكبة وتتبُّعا من وقت إنشاء الزواج أو التفكير فيه إلى أن يقرر الله تعالى التفريق بين الزوجين بالموت، أو يصلا بإرادتهما إلى انحلال ميثاق الزوجية، محددا آليات التعامل في كل مستوى ومرحلة على حدة ، سواء في حالة الوفاق أو الشقاق أو مرحلة الطلاق وترتيبات ما بعده.
غير أن المتتبع لشأنها ، ناهيك عن الباحث المتفحص ، ليسجل بكل أسى تراجعا لافتا للنظر في أسلوب تدبير دواليبها ، سواء في الشق الخاص بالعلاقة بين الزوجين أو فيما تعلق بتربية الأبناء في مختلف مراحلهم العمرية ، يُعزى ذلك إلى أسباب كثيرة من أبرزها تمسك بعضنا بعادات وتقاليد ورثناها أبا عن جد دون غربلة أصيلها من دخيلها ، وكذا بعض الأفكار الشاذة التي لبست في مجملها لَبوس الدين فتلقَّفتها عقولنا دون تمحيص صحيحها من سقيمها.
ولئن كانت الاهتمام بكيان الأسرة ملحا في مجتمعنا، فإن الأمر أشد إلحاحا بالنسبة لأفراد الجالية في بلاد الإقامة، ولست أفشي سرا إن ألمحت إلى أحداث فظيعة مشينة يندى لها الجبين هناك ، آن الأوان لمواجهتها بالتصدي لأسبابها العميقة وتفكيك مصادر صناعتها فكريا واجتماعيا بكل دقة ووضوح ، حفاظا على الاستقرار الأسري واستتباب السلم الاجتماعي في بلاد المهجر.
وحيث اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى أن يكون الاختلاف سنة بشرية وقدرا واردا فقد ندب الشرع الحكيم إلى الصلح لرأب الصدع ، وليست الأسرة نشازا عن هذه القاعدة ، لذا كان التشديد بشكل آكد على ضرورة التدخل من خلال مواكبة الخلاف بما يناسب من معالجات واقعية من خلال تدابير وقائية لمحاصرة الشقاق بين الزوجين في مهده، حتى إذا فشلت المصالحة الداخلية وبلغ الشقاق مداه نشوزا وتمردا واحتقانا وتوترا فقد أضحى ساعتها اللجوءُ إلى تدابير علاجية من خارج حصن الزوجية واجبَ الوقت فقال عز من قائل :”وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ، إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما “، لنتبين بجلاء أن الشأن الأسري ليس شأنا فرديا بل هو هما جماعيا.
” فابعثوا “:يقظة مجتمعية بكل المؤسسات والمكونات، واستنفار للطاقات واستنهاض للقدرات وتسخير للجهود ، من خلال تدخل الحكَمين ،إذ هما الأعرف ببواطن الأحوال وأقرب للإصلاح ونفوسُ الزوجين إليهما أسكن، فيفصلان بكل حياد وموضوعية في النزاع بما يضمن سريته وخصوصيته ، حتى إذا توافقت إرادة الزوجين مع نية الحكمين تحققت النتيجة المرجوة بإذن الله تعالى . لكن ، ما العمل إذا ما تخلَّفت واسطة القرابة أو عجزت عن القيام بهذه المهمة الجليلة ، وغابت الشروط الذاتية والموضوعية للتدخل الإيجابي الناجح من قبلهما في محاولتهما استقصاء أسباب النزاع ومحاولة التوفيق وتذويب الخلافات بين الزوجين ؟ أرى أن الوضع في هذه الحالة يستدعي تفعيل آلية الوساطة التي تتم عبر شخص بمواصفات ومؤهلات ومهارات معينة.
فما هي ياترى هذه الآلية وما خصائصها؟ ومن هو الوسيط ودوره وآليات اشتغاله لتحقيق المقصد المتمثل في رأب الصدع بين الزوجين ولمِّ شمل الأسرة والحفاظ على الاستقرار والأمن المجتمعي.
هذا ما سنحاول ملامسته في مقال لاحق بحول الله مع قوته . إلى ذلكم الحين أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه ، والسلام عليكم ورحمة الله.
*كاتب ووسيط أسري





