عبد الهادي مزراري.. صحافي مغربي يقرأ الجغرافيا السياسية من داخل المعركة

 

 

 

 

 

 

بورتريه نبيل التّويول | Italia Telegraph

 

 

ثمة صحافة تكتب الخبر قبل أن يبرد، وصحافة تنتظر أن يستقر غباره لتعيد تركيب معناه، وصحافة نادرة لا تكتفي بما وقع، بل تنشغل بما يكشفه وقوعه عن حركة أعمق في الدولة والمجتمع والجغرافيا وموازين القوة. وفي المسافة الفاصلة بين الحدث وتأويله، وبين الوقائع الصلبة والمعاني التي تتولد منها، تشكلت تجربة عبد الهادي مزراري؛ تجربة صحافي لم يتعامل مع الكتابة باعتبارها مهنة لمطاردة العواجل، وإنما باعتبارها تمرينا طويلا على قراءة المغرب في مرآة محيطه، وقراءة محيطه من خلال موقع المغرب فيه.

وعلى امتداد مسار مهني غني بالتجربة والتراكم، ظل مزراري حاضرا عند أكثر الملفات قابلية لاختبار الصحافي: الصحراء، الجزائر، العلاقات المغربية الأوروبية، الأمن، الهجرة، وتحولات النظام الإقليمي. وهي ملفات لا تمنح الكاتب رفاهية الحياد السهل، لأنها تقع في المنطقة التي تتشابك فيها الوقائع بالمصالح، والمعلومات بالسرديات، والسياسات الوطنية بحسابات القوى الدولية. ومن هنا جاءت خصوصية حضوره: فهو لا يكتب عن الجغرافيا السياسية من خارجها، بل من داخل الحساسية المغربية تجاهها؛ وفي الوقت نفسه يحاول أن يمنح تلك الحساسية لغة صحافية قادرة على مخاطبة فضاء يتجاوز الحدود الوطنية.

ولعل هذا تحديدا ما يجعل قراءة تجربته أكثر إثارة من مجرد استعراض مساره؛ إذ إن مزراري ينتمي إلى جيل من الصحافيين المغاربة الذين وجدوا أنفسهم أمام تحول عميق في وظيفة الصحافة نفسها: من نقل الوقائع إلى الصراع على تفسيرها، ومن تغطية السياسة الخارجية إلى المشاركة في صناعة صورتها، ومن متابعة الأحداث إلى محاولة استباق اتجاهاتها. وفي هذا الانتقال، تصبح الكتابة الصحافية أكثر من سجل يومي للوقائع؛ تغدو شاهدا على زمن يتغير، وأحيانا جزءا من الطريقة التي يفهم بها هذا التغير.

من هذه الزاوية، لا تأتي مادة عبد الهادي مزراري الأخيرة «إسبانيا والمغرب.. الاختبار الصعب» باعتبارها مقالا آخر في سلسلة مقالات العلاقات المغربية الإسبانية، وإنما باعتبارها نافذة تكشف شيئا من الطريقة التي يرى بها صاحبها التحولات الكبرى في غرب المتوسط: أين تبدأ المصالح، أين ينتهي النفوذ، وكيف تتحول العلاقات الثنائية إلى عقدة جيوسياسية تتداخل فيها الرباط ومدريد والجزائر وواشنطن وبروكسل، فيما تظل الجغرافيا، بكل ثقلها الصامت، حاضرة في خلفية المشهد.

في مقاله الأخير، يستعيد مزراري أزمة العلاقات المغربية الإسبانية التي انفجرت بعد استقبال مدريد لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي في أبريل 2021، ثم يتتبع المسار الذي قاد إلى التحول الإسباني في مارس 2022، حين أعلنت الحكومة الإسبانية دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أساسا واقعيا وذا مصداقية لتسوية النزاع.

لكن ما يلفت في طريقة البناء ليس استعادة الوقائع في حد ذاتها، وإنما وضعها داخل منطق استراتيجي أكثر اتساعا من حجمه. فالأزمة، في القراءة التي يقترحها، لم تكن خلافا دبلوماسيا عابرا، وإنما لحظة أعادت تعريف قواعد العلاقة بين الرباط ومدريد، وأظهرت أن الجغرافيا يمكن أن تتحول، في لحظة سياسية معينة، إلى مصدر قوة تفاوضية يفوق أثرها كثيرا قوة البيانات الدبلوماسية.

ومن هنا ينتقل المقال إلى الجزائر، ثم إلى المعارضة الإسبانية، ثم إلى الهجرة، فالقضاء، فسبتة ومليلية، وصولا إلى حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة. قد يختلف القارئ مع بعض الروابط التي يقيمها الكاتب بين هذه الملفات، لكن لا يمكن إنكار أن وراء هذا البناء محاولة واضحة لرؤية المشهد كوحدة استراتيجية، لا كمجموعة أخبار منفصلة.

وهذه إحدى السمات التي تميز الصحافي الذي يشتغل طويلا على العلاقات الدولية: أنه لا يرى الحدث نقطة نهاية، وإنما نقطة دخول إلى شبكة أوسع من المصالح.

غير أن قراءة مزراري تكتسب دلالتها الحقيقية حين توضع داخل السياق المغربي الذي تشكلت فيه.

فالقضايا التي اختارها ليست محايدة في الوعي السياسي المغربي. الصحراء ليست مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية، والعلاقة مع الجزائر ليست مجرد علاقة بين دولتين متجاورتين، والهجرة ليست مجرد قضية أمن حدودي، والعلاقة مع إسبانيا ليست مجرد شراكة تجارية.

كل واحد من هذه الملفات يحمل طبقات من التاريخ والذاكرة والسيادة والأمن.

ولهذا فإن الصحافي المغربي الذي يكتب عنها لا يتحرك في الفراغ نفسه الذي يتحرك فيه محلل أوروبي يراقب المنطقة من بروكسل أو باريس أو واشنطن. إنه يكتب من داخل مجتمع له ذاكرته السياسية، ومن داخل دولة تنظر إلى محيطها الاستراتيجي باعتباره امتدادا مباشرا لأمنها الوطني.

ومزراري لا يخفي هذا الموقع، بل تبدو كتابته في كثير من الأحيان مشبعة به.

لكن الانتماء إلى سياق وطني لا يعني بالضرورة التخلي عن التحليل الدولي؛ بل إن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على تحويل التجربة الوطنية إلى مادة قابلة للفهم خارج حدودها.

وهنا تبدأ القيمة الدولية لأي صحافي مغربي.

المغرب كما يرى من الخارج

منذ سنوات، تغير موقع المغرب داخل النقاش الدولي.

لم يعد يقرأ فقط باعتباره دولة مغاربية ذات موقع جغرافي متميز، وإنما باعتباره فاعلا في ملفات الهجرة والأمن والطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والاستثمار والعلاقات الإفريقية والأوروبية والأطلسية.

وهذا التحول يفرض بدوره تحولا في الصحافة التي تكتب عن المغرب.

فلم يعد كافيا أن يشرح الصحافي ما يريده المغرب؛ عليه أن يفهم أيضا لماذا قد توافق عليه إسبانيا أو ترفضه، وكيف تقرأه الجزائر، وكيف تنظر إليه فرنسا، وما الذي يمكن أن تفعله واشنطن به، وكيف يدخل في حسابات بروكسل.

وهذه هي المسافة التي تفصل الصحافة الوطنية عن الصحافة الدولية.

ومن خلال مساره، يبدو مزراري قريبا من هذه المنطقة الفاصلة؛ فهو ينطلق من معرفة دقيقة بالسياق المغربي، لكنه يضع الأحداث داخل فضاء إقليمي ودولي أوسع.

وهذه ميزة ثمينة، لأنها تمنح الكاتب قدرة على رؤية ما قد لا يراه المراقب الخارجي الذي يقرأ المغرب من خلال التقارير والمؤشرات فقط.

و في عالم السياسة الدولية، لم تعد القوة محصورة في الاقتصاد والجيوش والتحالفات.

الرواية نفسها أصبحت موردا استراتيجيا.

الدول لا تتنافس فقط على الأرض والمصالح، وإنما على تفسير ما يحدث، وعلى تحديد اللغة التي يقرأ بها الحدث، وعلى إقناع الآخرين بأن روايتها هي الأكثر اتساقا مع الوقائع.

وفي هذا السياق، تصبح الصحافة جزءا من البيئة التي تتشكل فيها القوة الناعمة.

ولذلك فإن اهتمام مزراري بالصحراء والجزائر وإسبانيا والبوليساريو والهجرة لا يمكن فصله عن سؤال أكبر: كيف يكتب مزراري عن المغرب عندما يدخل إلى المجال الدولي؟

هل يكتب عنه بوصفه دولة تدافع عن مصالحها؟

أم بوصفه فاعلا إقليميا؟

أم بوصفه طرفا في نزاع؟

أم بوصفه شريكا أوروبيا وأفريقيا ومتوسطيا؟

الإجابة لا تحددها الدبلوماسية وحدها.

فالصحافة، أيضا، تساهم في بناء الإطار الذي يقرأ العالم من خلاله هذه الدولة العريقة.

وهنا تصبح تجربة مزراري أكثر إثارة للاهتمام.

فهو يكتب غالبا من داخل الرواية المغربية، لكنه يشتغل على ملفات لا يمكن فهمها إلا خارج الحدود المغربية.

وهذا يضعه أمام معادلة مهنية دقيقة: كيف يحافظ الكاتب على حساسيته الوطنية، وفي الوقت نفسه يجعل منطقه مفهوما لقارئ لا يشاركه بالضرورة الذاكرة نفسها ولا الأولويات نفسها؟

إن الصحافة الدولية لا تشترط على الصحافي أن يتخلى عن موقفه، لكنها تطلب منه شيئا أكثر صعوبة: أن يفهم موقف الطرف الآخر إلى درجة يستطيع معها تفسيره بأفضل صورة، ثم يختلف معه بالحجة.

ومن هنا تأتي قيمة التوثيق، والمقارنة، ومعرفة المصالح، والتمييز بين ما هو ثابت وما هو استنتاج، وبين ما يمكن إثباته وما يبقى في دائرة الاحتمال.

وكلما ارتفع مستوى الكاتب، ارتفعت معه مسؤولية هذا التمييز.

المقال الأخير : لحظة اختبار

لهذا يمكن قراءة «إسبانيا والمغرب.. الاختبار الصعب» باعتباره أكثر من مقال حول أزمة دبلوماسية.

إنه، في جانب منه، اختبار لطريقة تفكير الصحافي نفسه.

فمزراري يضع أمام القارئ شبكة كثيفة من التطورات، ويقترح بينها روابط سياسية واستراتيجية، ثم يصل إلى خلاصة مفادها أن العلاقة المغربية الإسبانية دخلت مرحلة جديدة تتداخل فيها حسابات الجزائر، والمعارضة الإسبانية، والهجرة، والناتو، والولايات المتحدة.

هذه القراءة تستحق النقاش لا لأنها صحيحة في كل تفاصيلها بالضرورة، وإنما لأنها تفتح الباب أمام السؤال الأهم في التحليل الدولي: كيف نميز بين الفاعل الذي يصنع الحدث، والفاعل الذي يستفيد منه، والفاعل الذي يجد نفسه مدفوعا إلى التكيف معه؟

إنها مسافة صغيرة في اللغة، لكنها كبيرة في التحليل.

فالقول إن الجزائر تستفيد من تحول معين يختلف عن القول إنها صنعته، والقول إن تيارا سياسيا إسبانيا يتقاطع مع الموقف الجزائري يختلف عن إثبات أنه يتحرك بتنسيق معه، والقول إن قرارا قضائيا ستكون له نتائج سياسية يختلف عن إثبات أن دوافعه سياسية.

وهنا تحديدا يمكن للصحافة الجيوسياسية أن ترتقي من قوة السرد إلى صرامة البرهان.

ربما تكمن أهمية مزراري اليوم في أنه يمثل جيلا من الصحافيين المغاربة الذين وجدوا أنفسهم يكتبون في مرحلة لم يعد فيها الفصل بين المحلي والدولي ممكنا.

فالقرار المتخذ في مدريد قد يغير حسابات الرباط، والتطور في الجزائر قد يعيد ترتيب مواقف أوروبا، والحرب في الساحل قد تؤثر في الأمن المغربي، والقرار الأوروبي بشأن الهجرة قد يصبح شأنا داخليا في المغرب.

لقد أصبحت الحدود السياسية أقل قدرة على احتواء آثار الأحداث.

وفي هذه البيئة، يحتاج الصحافي إلى أن يكون في الوقت نفسه قارئا للتاريخ، ومراقبا للسياسة، وفاهما للجغرافيا، وحذرا من اللغة التي يمكن أن تحول الفرضية إلى حقيقة بمجرد تكرارها.

وهذا ما يجعل تجربة مزراري جديرة بالاهتمام: لأنها تقع في قلب هذه التحولات، ولأن صاحبها اختار منذ سنوات أن يشتغل في المنطقة الأكثر حساسية بين الصحافة والسياسة والجغرافيا.

من الصحافة المغربية إلى الفضاء الأورو-متوسطي

قد يكون التحدي المقبل أمام هذا النوع من الصحافة المغربية هو الانتقال من مخاطبة الجمهور الوطني إلى مخاطبة الجمهور الدولي دون فقدان الصوت الأصلي.

فالصحافي المغربي الذي يخاطب أوروبا لا يحتاج إلى أن يصبح أوروبيا، وإنما يحتاج إلى أن يجعل القارئ الأوروبي يرى المغرب من خلال منطقه الوطني، لا من خلال السرديات الجاهزة عنه.

وهنا يمكن أن تتحول الخبرة المتراكمة إلى قيمة دولية حقيقية.

فالمعرفة بالسياق المغربي لا يمتلكها كثير من المحللين الأوروبيين، بينما القدرة على قراءة المؤسسات الأوروبية ومصالحها لا يمتلكها كثير من الصحافيين المغاربة بالعمق نفسه.

والصحافي الذي يستطيع الجمع بين المعرفتين يحتل موقعا نادرا بين عالمين.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى تجربة عبد الهادي مزراري باعتبارها تجربة لم تنته بعد إلى شكلها النهائي.

فما راكمه حتى الآن يمنحه موقعا مهما في الصحافة المغربية، لكن تحويل هذه التجربة إلى حضور دولي أكثر رسوخا يقتضي خطوة إضافية: أن تصبح الكتابة المغربية عن القضايا الاستراتيجية قادرة على إنتاج معرفة لا تكتفي بالدفاع عن الموقف الوطني، وإنما تفسره، وتضعه في سياقه، وتناقشه، وتختبره أمام الوقائع الدولية.

ذلك هو الفارق بين صحافة الموقف وصحافة التأثير.

الأولى تقول للعالم ما نعتقده.

أما الثانية فتجعل العالم يفهم لماذا نعتقده، وأين يمكن أن يختلف معنا، ولماذا يستحق هذا الاختلاف أن يؤخذ على محمل الجد.

وفي هذا المعنى، فإن عبد الهادي مزراري ليس مجرد اسم في المشهد الصحافي المغربي، ولا مجرد كاتب يتابع الملفات الساخنة؛ إنه جزء من مسار تتشكل داخله صحافة مغربية تحاول أن تنتقل من موقع المتلقي للخطاب الرسمي إلى موقع المشارك و المساهم في بلورته و إنتاجه.

وربما يكون هذا هو الاختبار الأهم أمام تجربته في المرحلة المقبلة: ليس فقط أن يقرأ المغرب في العالم، وإنما أن يجعل العالم يقرأ المغرب من خلال صحافة تعرف المغرب جيدا، وتعرف العالم بما يكفي لكي تخاطبه بلغته، من دون أن تفقد صوتها.

تعود تجربته إلى الصحافة المغربية الورقية، حيث عرف ككاتب صحافي في «الصحراء المغربية»، قبل أن يتوسع حضوره في منابر رقمية ولقاءات إعلامية تناولت قضايا المغرب الإقليمية والدولية. وتكشف أرشيفات منشورة منذ سنوات عن اهتمام مبكر لديه بملف الصحراء، وبالعلاقات المغربية الجزائرية، وبوظيفة الإعلام في الدفاع عن القضايا الاستراتيجية للمغرب. ففي نقاش حول الخطاب الإعلامي المتعلق بالصحراء، دعا منذ أكثر من عقد إلى الانتقال من إعلام يكتفي بالإخبار وحشد المواقف إلى إعلام أكثر قدرة على بناء خطاب إقناعي والتحرك داخل البيئة الدولية.

هذا المسار يفسر جانبا مهما من شخصيته المهنية الحالية. فمزراري لا يكتب عن الجغرافيا السياسية من موقع الباحث الذي يضع نفسه خارج موضوعه، وإنما من موقع صحافي يرى أن الإعلام جزء من الصراع على بناء السرديات، وأن المعركة الدولية لا تخاض فقط في غرف الدبلوماسية، بل كذلك في الصحافة وفي تشكيل الصورة التي تحملها المجتمعات عن الدول ومصالحها.

وقد ظهر هذا المنظور بوضوح في كتاباته حول الجزائر والبوليساريو. ففي إحدى مقالاته، أعاد بناء قضية مزارع العرجة باعتبارها واقعة تتجاوز حدودها المحلية إلى صراع أوسع على الرموز والحدود والذاكرة السياسية. وفي أعمال أخرى، تناول علاقة الجزائر بالبوليساريو من منظور يرى الجبهة أداة وظيفية داخل الاستراتيجية الجزائرية. وفي مايو 2026، قدم في «هسبريس» قراءة للهجوم الذي استهدف السمارة، واضعا الحدث ضمن شبكة من الحسابات النفسية والسياسية والاقتصادية المرتبطة بالعلاقة بين الجزائر والبوليساريو.

لكن اختزال مزراري في كونه «كاتبا مؤيدا للموقف المغربي» سيكون قراءة ناقصة لتجربته. الأهم في مساره هو الطريقة التي تتشكل بها لديه علاقة خاصة بين الصحافة والأمن القومي. ففي مقالات وحوارات متعددة، يظهر الإعلام لديه باعتباره إحدى أدوات القوة الناعمة، لا مجرد مرآة محايدة للأحداث. وقد صرّح في حديث سابق بأن الإعلام، حتى في الديمقراطيات الغربية، يتحرك داخل بيئات سياسية ومصلحية، وهي رؤية تكشف عن حساسية عالية تجاه العلاقة بين صناعة الخبر وصناعة النفوذ.

وهذا المنظور نفسه يفسر انتقاله من الصحافة السياسية إلى تقديم نفسه كباحث و خبير في العلاقات الدولية. ففي حوار تلفزيوني سنة 2024، قدم مزراري باعتباره كاتبا صحافيا وباحثا في العلاقات الدولية، مع اهتمام بقضايا وطنية ودولية وبالأمن والسلم وتطوير المشهد الإعلامي المغربي. كما ظهر لاحقا في نقاشات حول العلاقة المغربية الفرنسية، والبوليساريو، والجزائر، والتحولات الإقليمية.

غير أن أكثر ما يميز تجربته ربما يكمن في اختياره الدائم للمنطقة الساخنة من النقاش.

فهو لا يكتب عادة عن الملفات التي استقرت دلالاتها، وإنما عن المساحات التي تتنازعها الروايات: الجزائر والمغرب، الصحراء، البوليساريو، فرنسا، إسبانيا، الهجرة، الإعلام الدولي، والأمن الداخلي. ولذلك تبدو كتابته أقرب إلى صحافة الموقف والتحليل الجيوسياسي منها إلى المقالة السياسية التقليدية.

في مقاله الأخير، «إسبانيا والمغرب.. الاختبار الصعب»، تتبلور هذه الخصائص بأوضح صورها. فالعلاقة المغربية الإسبانية لا تظهر عنده كملف دبلوماسي منفصل، وإنما كعقدة استراتيجية تتصل بالصحراء والهجرة والجزائر والطاقة وسبتة ومليلية وحلف شمال الأطلسي. ومن خلال هذا البناء، يحاول مزراري قراءة التحولات الإسبانية من منظور الصراع الإقليمي، معتبرا أن بعض القوى داخل إسبانيا قد أصبحت جزءا من مسار الضغط على مدريد والرباط.

وهنا بالذات تظهر أهمية مزراري كموضوع للصحافة الدولية: ليس لأنه يقدم دائما القراءة الوحيدة الممكنة، وإنما لأنه يمثل نوعا محددا من المثقف الصحافي المغربي الذي يقرأ السياسة الخارجية من داخل الحساسية الوطنية المغربية.

إنه صحافي يحمل معه ذاكرة البلد الذي يكتب منه، لكنه يستخدم لغة العلاقات الدولية لتفسير ما يجري حوله.

وهذا الموقع الوسيط يمنحه قوة ويضع أمامه تحديا في الوقت نفسه.

قوته تكمن في معرفته العميقة بالسياق المغربي، وفي قدرته على التقاط ما قد يفوّت المحلل الخارجي حين يقرأ المغرب من خلال الوثائق والمؤسسات وحدها. أما التحدي فيتمثل في ضرورة الحفاظ على المسافة التي تسمح بتحويل الموقف الوطني إلى تحليل قابل للتداول خارج حدوده الأصلية.

فالصحافة الدولية لا تطلب من الكاتب أن يتخلى عن موقعه، وإنما تطلب منه أن يجعل القارئ الذي لا يشترك معه في الخلفية الوطنية قادرا على فهم منطقه، ومصادره، وحدود استنتاجاته.

ومن هنا يمكن أن تكون المرحلة المقبلة من تجربة مزراري أكثر أهمية من سابقاتها.

فالمغرب الذي أصبح حاضرا بقوة أكبر في النقاشات الدولية يحتاج، بالتوازي مع دبلوماسييه، إلى صحافيين قادرين على ترجمة منطقه الاستراتيجي إلى لغة يفهمها القارئ الأوروبي والدولي؛ لغة لا تقوم على الدفاع وحده، وإنما على الحجة، والمقارنة، والتوثيق، وفهم مصالح الطرف الآخر.

ومزراري، بما راكمه من اشتغال على الملفات المغربية الجزائرية والإسبانية والفرنسية والدولية، يمتلك مادة أولية ثمينة لهذا الانتقال.

إنه أحد أبناء جيل من الصحافيين المغاربة الذين انتقلوا تدريجيا من سؤال «ماذا حدث؟» إلى سؤال أعمق يتعلق بـ«ماذا يعني ما حدث؟». لكن المستقبل المهني لهذا النوع من الكتابة يتوقف على خطوة إضافية: الانتقال من تفسير الحدث داخل السردية الوطنية إلى وضع السردية الوطنية نفسها داخل المشهد الدولي.

وهذه ليست دعوة إلى التخلي عن الانحياز الوطني، بل إلى رفع مستواه المهني.

فحين يعرف الكاتب كيف يفكر خصمه، وكيف يقرأه الأوروبي، وكيف تنظر إليه واشنطن، وكيف تتعامل معه المؤسسات الدولية، يصبح قادرا على الدفاع عن موقفه بأدوات أكثر إقناعا من مجرد إعلان الموقف.

من هنا تبدو تجربة عبد الهادي مزراري جديرة بالقراءة خارج حدود الصحافة المغربية نفسها.

إنه يمثل، في جانب مهم من مساره، انتقال الصحافي المغربي من ناقل للمعركة الوطنية إلى مفسر لجغرافيتها السياسية.

وفي زمن أصبحت فيه المعارك الكبرى تدور حول الروايات بقدر ما تدور حول الوقائع، فإن هذا النوع من الصحافيين يمكن أن يتحول إلى فاعل في صناعة الصورة الدولية لبلده، شرط أن يظل قادرا على الجمع بين أمرين لا يجتمعان بسهولة: الانتماء إلى القضية، والقدرة على مساءلة أدوات الدفاع عنها.

ومن هذا المنظور، تتطلع Italia Telegraph إلى فتح حوار صحافي مع عبد الهادي مزراري، امتدادا طبيعيا لهذه التجربة، لا لاستعادة ما كتب فحسب، وإنما للاقتراب من الخيط الناظم لرؤيته للعلاقات المغربية الإسبانية وتحولاتها منذ أزمة 2021، وما يحيط بها من حسابات جزائرية وأوروبية وأطلسية.

وسيحاول الحوار المقترح، في صيغة مكثفة ومباشرة، استجلاء بعض الدلالات التي يفتحها مقاله الأخير: حدود تقاطع المصالح وصناعة القرار، موقع الفاعلين الرئيسيين في غرب المتوسط، وما قد يغيب عن القراءة المغربية في فهم الحسابات الإسبانية، فضلا عن السيناريوهات التي يمكن أن تختبر مستقبلا صواب هذه الرؤية أو تدفع إلى مراجعتها؛ بما يتيح للقارئ الأورو-متوسطي الاقتراب من تجربة صحافية مغربية راكمت حضورا طويلا في قراءة التحولات الإقليمية والدولية.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...