*كه يلان محمد
يشغلُ هاجس تشكيل الهوية الإبداعية معظم الأدباء الذين يضيف منجزهم أفقاً جديداً في تناول المعطيات الواقعية والتاريخية والفكرية. وهذا يتطلبُ التشبع بالمعرفة وإدراك حركة التحولات التي ترخي تأثيرها على نمط الأفكار السائدة، وبالتالي فإن الأدب لا يتفاعل مع الواقع بطريقة آلية، ولا تختزل وظيفته في توثيق الحقب التاريخية، أو نقل الوقائع الراهنة إلى السياق الأدبي وحسب، بل إضافة إلى كل ماسبق ذكره، فإنَّ العمل الأدبي يستمدُ خصوصيته من قدرة الكاتب على تحديد اللحظة الفارقة التي تنتظم في تيارها التفاصيل بحيث تصبحُ إطاراً جامعاً للمادة بأكملها. هذه الآلية في الاختيار هي من متطلبات الكتابة الروائية، بقطع النظر عن مرجعيتها سواء أكان الواقع أم التاريخ أم السيرة الشخصية.
مواصفات مشتركة
والمتأمل في روايات الكاتب التشيلي أنطونيو سكارميتا، يلاحظ استعادته لحدث مفصلي في تاريخ بلاده وهو، الانقلاب على سيلفادور الليندي، إضافة إلى أن طيف الشاعر بابلو نيرودا لا يغيبُ في طيات نصوصه، ويتحول إلى محور لأحد أعماله الذي يحملُ اسم الشاعر، ولا تهمُ سكارميتا الإبانة عن الخلفية الأيديولوجية في منجزه، بقدر ما يريدُ التعبير عن التجربة الإنسانية بأبعادها المختلفة، إذ تنداح الروح الشعرية في مفاصل روايته «ساعي بريد نيرودا» ويتجلى دور الشعر بوصفه فناً خالداً ومؤثراً في المذاق والسلوكيات، وفي التواصل بين نيرودا وماريو، إذ ينفتحُ وعي الأخير على معجم الصياغات الشعرية، ويفهم أن الكلمات في فضاء الشعر تتضاعف دلالاتها.
إذن تدورُ حركة السرد بين ثيمات الحب والفن والثورة، والإيماءة إلى مصير الرئيس المنتخب في رواية «رقصة النصر» تأتي من خلال شخصية فيكتوريا وهي تفقدُ والدها في عهد بينوشيه، الذي شنَّ حملةً لا هوادة فيها ضد مناصري الليندي. ويسلكُ مؤلف «عرس الشاعر» منحى ملحمياً في بناء هذا العمل، حيثُ تتزاحمُ في مناخه شخصيات تضربُ جذورها في صميم الواقع الاجتماعي، ويرصدُ سكارميتا في «أب سينمائي» رغبات متقاطعة لشخصياته الروائية إذ يسند إلى جاك وظيفة رواية القصة، وهويسرد مشاهداته في قرية «كونتولمو» وما يشكلُ ملامح هذه الحاضنة المكانية، وما يعني غياب الأب بالنسبة إلى المتكلم، إذ تزامنت عودته مع مغادرة والده لمكان المنشأ. إذن ثمة مواصفات مشتركة في منهج أنطونيو سكارميتا الروائي، على مستوى التصميم والبرمجة السردية. وهذا ما نراه بوضوح في جُل أعماله، منها ما نشر بعنوان «لم يحدث أي شيء» والمُختَلَف في هذا العمل هو أن البيئة الحاضنة لأحداثه ليست تشيلي، بل مدينة برلين الألمانية، إذ يتناولُ الكاتبُ مصير المغتربين في الشتات، إثر هروب المعارضين للحكم العسكري، لافتاً في المقدمة إلى ما ألهمه فكرة الرواية، والغرض الذي يهدفُ إليه، وهو أراد صياغة سردية معبرة عن خبرة المَنفى، ليس من وجهة نظر الآباء المؤدلجين بل بناءً على التحديات التي يعيشها جيلُ الأبناء وهم محاطون بقيم البلد الأم وسط العائلة، غير أنَّ شكلاً آخر من الحياة ينتظرهم خارج سقف البيت، لذا يوكلُ إلىالصبي لوتيشو برواية معاناة المُغتربين، وما يقومُ به هؤلاء من النشاطات، وتعبئة الرأي العام العالمي ضد النظام الشمولي الجاثم على صدر تشيلي.
تستهلُ حركة السرد بالعودة إلى الحدث الأساسي، وما يستتبعه من الإفراط في العنف والإقصاء، إذ تم اغتيال الليندي وقصف القصر الرئاسي يومين قبل ذكرى عيد ميلاد الراوي. ويتسلسلُ السردُ بالضمير الأول، كاشفاً عن شغف لوتيشو بالموسيقى، فأهداه الأبُ غيتاراً لكن لم يتمكن من عزفه مطلقاً لأنَّه كان مقيماً في بيت العمة، التي كانت ترزح تحت آلام المرض، والحال هذه نقعُ على إشارة تفيدُ بأن والد لوتيشو كان ملاحقاً يتربص به الانقلابيون لاقتياده إلى السجن، كما طردوا العمة من المستشفى، إلى هنا يصرفُ السردُ نحو متابعة وضعية مختلفة، وذلك ما يخبرُ به كلامُ الراوي عن مراسلة الأب مع العمة إذ يطلبُ منها بيع الغيتار.
تتداخلُ في ما يرويه لوتيشو الاهتمامات الذاتية بالهموم العامة، فيحكي عن مساعيه لعدم خسارة إيديث، متأملاً في المواصفات التي تجذب النساء، ويغطي السردُ بموازاة ذلك طبيعة علاقة المهجرين مع مواطني البلد المُستضيف، والفعاليات التي يقومُ بها المعارضون للنظام الاستبدادي في تشيلي.
وطن بديل
قد يكون الانتقال من مكان إلى آخر، أحد العوامل المؤثرة في إعادة النظر في اختياراتنا وتبدل مذاقنا، الأمر الذي يوحي به تحولُ اهتمام لوتيشو من الموسيقى إلى الكتابة، إذ ما أن يستقرُ به المقام في برلين، حتى تراوده الرغبةُ للكتابة، وعندما يصفهُ المعلم بأنَّه موهوب يتخيلُ نفسه كاتباً، ولا يوجدُ ما يمنعهُ من تحقيق هذا الحلم إلا حاجز اللغة، فهو لا يتقنُ الكتابة بالألمانية، لكن يعقدُ الأمل على صديقته «إيديث» لفك هذه العقدة. وعلى غرار ما تراه في أعمال سكارميتا من دور الأنثى في إضاءة الجوانب المتوارية من المشهد الحياتي، فإنَّ إيديث ليست فاتنة لوتيشو وحسب، ولا ينتهي دورها في الجانب الحسي، بل تخففُ الشعور بالوحشة لدى صديقها، وتزوده بمفتاح الوطن البديل. من جانبه يرحلُ لوتيشو بأصدقائه نحو بلده تشيلي على الخريطة، وهم يستغربون من وجود موقع يكون رفيعاً إلى هذا الحد. ولا يتجاهلُ الراوي الالتفات إلى الأزمة المعيشية التي تعاني منها أسرته، إذ ما برحَ والداه يتشاجران، وصرحت الأمُ بأنها لم تعد تتحمل الضائقة، وستعودُ إلى تشيلي، ويتركُ كل ذلك ظلاله على مغامرات لوتيشو مع إيديث، وحظوته بمتع مسروقة، والأهم هو المقارنة بين ما يتمتعُ به الأطفال من تغذية جيدة في ألمانيا، وحرمان كثير من أبناء تشيلي، إذ ينهشهم الجوع، ولم يستمرْ الدعم الذي وفره لهم الليندي مع قيام الحركة الانقلابية.
تتداخلُ في ما يرويه لوتيشو الاهتمامات الذاتية بالهموم العامة، فيحكي عن مساعيه لعدم خسارة إيديث، متأملاً في المواصفات التي تجذب النساء، ويغطي السردُ بموازاة ذلك طبيعة علاقة المهجرين مع مواطني البلد المُستضيف، والفعاليات التي يقومُ بها المعارضون للنظام الاستبدادي في تشيلي. ولعل المشترك الذي يكسر الجليد بين لوتيشو وأقرانه هو اللعبة، وقد اكتسب مزيداً من الدراية باللغة الألمانية، حين كان يلعبُ كرة القدم في الفسحة، فكان موقع تمركزه قلب الدفاع، ولا يني عن ترديد عبارة «لم يحدث أي شيء» لصرف الأنظار عن تعثر المهاجم، وبذلك أطلق عليه «لم يحدث أي شيء» ومن الواضح أن أنطونيو سكارميتا قد اشتقَ مفردات معجمه الروائي من التشبيهات الخاصة به، وتشكلُ كرة القدم مجالاً ينحتُ بفضله صورة تمثيلية لمواقف حياتية، إضافة إلى ما يستمدُ منه نصه من الفن التشيكلي والسينما والأمثال الشعبية والأغاني، طاقات إيحائية وبذلك لا تكمنُ قيمة روايات سكارميتا في ما يفيضُ به من التشويق والمتعة وحسب، بل يستفيدُ أصحاب المشاريع الروائية من الأبعاد الجمالية للتصميم، وتطويع التقنيات السردية، وقد لا نغالي في القول إنَّ سكارميتا يضاهي همنغواي في بناء الجملة الحوارية الوامضة، لاسيما في رواية «رقصة النصر» ويتسعُ نطاق السرد في رواية «لم يحدث أي شيء» للهاربين من الحكم العسكري في اليونان، ويتواصلُ لوتيشو مع ابني كومديس، ويخبرهُ هوميروس بكل الثقة بأن يوانيديس وبينوشيه سيطاح بعرشهما. إذن لا ينكفئ لوتيشو على بيئة واحدة، بل ستتاحُ له فرصة تعلم الرقص مثل زوربا، وشرب النبيذ في بيت صديقيه اليونانيين، أكثر من ذلك يستفيدُ من مفهوم المنطق كما يشرحه له سقراط كومديس، لإقامة العلاقة الجسدية مع صاحبة المتجر صوفيا.
ما يجدرُ بالذكر هو ما يقولهُ المؤلفُ عن تجربة الكتابة، موضحاً أنَّه من فئة الكتاب الذين يصوغون حكاياتهم بمشاعر خبرتهم الشخصية، وقيضَ له التاريخ معايشة أحداث كبرى.
*كاتب عراقي





