قراءة نقدية لمساطر الترشيح داخل حزب العدالة والتنمية المغربي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ياسين جلوني

 

 

يمكن أن نقول أن المساطر الداخلية لاختيار المرشحين في الانتخابات ما هي إلا وسائل وأدوات يراد بها ضمان أعلى قدر من الديمقراطية الداخلية وتكافؤ الفرص بين الأعضاء، وإفراز مرشحين نزهاء وأكفاء، وتجنيب اختيار الوصوليين والانتهازيين.

وقبل الحديث عن عيوب نظام الترشيح الذي ينفرد به حزب العدالة والتنمية، فلا بد أن نشير أن هذا النظام له خصوصيات وامتيازات كما له عيوب، فنظام الترشيح الذي اعتمده الحزب منذ بداياته الأولى كان له الفضل الكبير في تقوية الحزب وحمايته من أي اختراق من طرف الوصوليين والانتهازيين وأصحاب المصالح، فكي تحظى بثقة لجان الترشيح، لابد أن يتوفر المرشح على مقومات أخلاقية ونضالية تؤهله لذلك، فلا يمكن لكل من هب ودب أن يصبح بين عشية وضحاها مرشحا بالحزب، وبهذا أصبح البيجيدي محصنا ضد الأعيان وأصحاب المال والنفوذ وتجار الانتخابات.

لكن حزب العدالة والتنمية عرف تحولات كبيرة نقلته من كونه حزبا صغيرا إلى حزب كبير، ومن كرسي المعارضة إلى كرسي التدبير الحكومي والجماعي، ومع هذه التحولات لا بد من الانتباه للمتغيرات وإعادة مساءلة المساطر التنظيمية ومدى مواكبتها للتحولات، فهذه التحولات التي عرفها الحزب، لاسيما منذ 2011 إلى اليوم، أبانت عن العديد من العيوب التي تعتري نظام الترشيح.

فطيلة هذه الفترة التي ارتفعت فيها عدد المقاعد البرلمانية للحزب وعدد مستشاريه بالمجالس المنتخبة، لوحظ أن بعض الأسماء تم ترشيحها ليس لكونها تتوفر على كفاءة سياسية وذكاء اجتماعي وكاريزما قيادية، بل فقط لأنها من الجيل المؤسس وتتميز بحسن خلقها وسمتها الحسن وسمعتها الطيبة، دون أن تكون لها قدرات وكفاءات سياسية، ما جعل أداء هذه الأسماء ضعيفا ومحدودا ومحتشما للغاية، ورغم كل هذا فلا يمكن تحميلها مسؤولية فشلها لأنها ليست من اقترحت نفسها لتلك المناصب، بل فقط تم ترشيحها.

كما أن الاتساع الكبير لدائرة منتخبي الحزب خلال الاستحقاقات السابقة أدى إلى حصول نوع من الارتقاء الاجتماعي للعديد من منتخبي الحزب، وهو ما دفع العديد من هؤلاء المنتخبين للسعي للحفاظ على امتيازاتهم المادية والمعنوية التي يوفرها المنصب، في حين فتحت الشهية للبعض الآخر لكي يكون ضمن المستفيدين من هذه الامتيازات. ومادامت مساطر الحزب الداخلية لا تتيح الترشح للمناصب، فقد عمد هؤلاء لاعتماد أساليب “الكولسة” أي التوجيه القبلي لقواعد الحزب ولأعضاء لجان الترشيح للتصويت على أسمائهم. هذه الكولسة دفعت البعض الآخر للقيام بكولسة مضادة ضدا في تلك العناصر التي تريد ترشيح نفسها بطرق مشبوهة، و تزكية لأسماء أخرى تتميز بمصداقية وكفاءة أكبر. فتفشي الكولسة والكولسة المضادة تؤدي إلى إحداث تشققات في البيت الداخلي للحزب، وتؤجج الصراعات الداخلية، كما تضعف الثقة والاقتناع بمخرجات لجان الترشيح.

من جهة أخرى فنظام الترشيح يفسح المجال أمام استغلال المواقع التنظيمية للحزب لترجيح كفة البعض على حساب البعض، فأغلبية أعضاء لجان الترشيح يكونون أعضاء بالصفة، بمعنى أن عضويتهم بصفتهم أعضاء بالمكاتب المجالية أو معينين من طرف هذه الهيئات، في حين بقية الأعضاء يكونون منتخبين من جمع عام. البعض في هذه الحالة سيقول البعض أن الأعضاء بالصفة قد سبق وأن تم انتخابهم من طرف القواعد في مؤتمرات محلية أو إقليمية أو جهوية، لكن الذي لا يعلمه هؤلاء أن القانون الداخلي للحزب يتيح لهذه الهيئات المجالية إلحاق أعضاء آخرين بها دون أن يتم انتخابهم في مؤتمرات الحزب. ناهيك عن كون الأمانة العامة للحزب هي التي تحسم في لوائح الترشيح، فهي تزكي من تشاء وترفض تزكية من تشاء، وتقرب من تشاء وتبعد من تشاء، دون الأخذ بعين الاعتبار برأي القواعد، وهو ما جعل بعضا من منتخبي الحزب وقياداته الوسيطة يتفادون انتقاد الأمانة العامة أو بعض أعضائها والخروج على رأيها خوفا من حرمانها من التزكية في الانتخابات.

بالإضافة لهذه العيوب يمكننا أن نذكر أن نظام الترشيح معروف بتعقيداته واستنزافه للوقت والجهد، في حين لو أتيحت الفرصة لاعتماد نظام الترشح وفقا لبرنامج محدد، وباختيار مباشر من قواعد الحزب وعموم أعضائه لاقتصد الحزب الكثير من الوقت والجهد، ولجنب نفسه تداعيات الكولسة والكولسة المضادة، وحالات استغلال الموقع التنظيمي في سبيل المنصب الانتدابي. كما أن نظام الترشيح يجعل مرشحي الحزب في تناقض بين خطابهم الداخلي وخطابهم مع المواطنين في الحملة الانتخابية، فمرشحو الحزب لم يطلبوا الترشح للمناصب، لكن في الحملة الانتخابية يخاطبون المواطنين كمرشحين رشحوا أنفسهم للمواقع التدبيرية.

أما بخصوص الحلول الكفيلة بتجاوز هذه العيوب فالأمر يتطلب أولا وقبل كل شيء وعيا واقتناعا من طرف قواعد وقيادات البيجيدي بخطورة هذه العيوب المهددة لوحدة الحزب وتماسكه الداخلي ومصداقيته، هذا الوعي هو الذي سيدفع الحزب لتغيير مساطر الترشيح خلال المؤتمر الوطني القادم للحزب، بما يضمن تصحيح هذه العيوب أو تخفيف آثارها على الأقل.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...