بقلم زيد عيسى العتوم
في لبنان لم يعد لدقّات ناقوس الخطر بيان أو خبر, فلا التوازنات تطرح جديداً ولا التشاور يُسقط مطر, ولا الأحلام تُبصر نوراً ولا الأحزاب تنتج ثمر, ولا الآمال والوعود تصلح حالاً ولو لامست أناملها القمر, فالقرارات لا تنفّذ غاب من غاب وحضر من حضر, والدستور والسيادة يحسبها البعض مسألة فيها وجهة نظر, واللبنانيّ يغفو ويصحو على غدٍ يجرحه الحذر, بيده قهر وحزن وبيده الأخرى ربما حقيبة سفر!
قبل ما يقارب الواحد والعشرين عاماً احتفل اللبنانيون بتحرير الجنوب اللبناني من القبضة الاسرائيلية, كانت حينها البهجة عارمة ونشوة الانتصار في أوجها, وزغاريد النساء لا تجرؤ على مقاطعتها الا رصاصات بنادق الرجال, كان يوماً مشهوداً رآه اللبنانيون خلاصة صبرهم ونتاج تضحياتهم, فإسرائيل قد أجبرت على الانسحاب عنوة, وميليشيا جيش لبنان الجنوبي قد انهارت واستسلمت, يومها ربما لم ينشغل العقل الجمعي اللبناني بحيثيات وكينونة وانعكاسات حزب الله على الواقع اللبناني بعدئذ, فقد رُفعت راياته ومُجّدت قياداته وعناصره, والحق يقال أن ذلك الحزب بذراعه العسكريّ قد غرس الخناجر في خاصرة المحتل, ليبقى التراب اللبناني حراً عزيزاً تحت مظلة الدولة اللبنانية أو هكذا ظن الجميع, بعد ذلك أخذت القوة الضاربة لحزب الله تتنامى وتتنامى بشكل ملفت, وغدت قدراتها التسليحية واللوجستية تتفوق على الجيش اللبناني نفسه, فصنع ذلك الحزب وباقتدار “دولةً داخل الدولة”, مبرراً ذلك بضرورة بقاء ذراع المقاومة صامداً لصدّ الاطماع الاسرائيلية, وتحرير ما تبقى من القرى والمزارع حسب وصفه, فتعززت أذرعه السياسية وتعاظمت خصوصيته في الجنوب اللبناني, ليمتلك بعدها مقاعداً وحصصاً ووزراء, اولئك الذين لم تكلّ حناجرهم من ترديد خطب الوعيد وشعارات الوفاء للمقاومة, وامتلك الحزب محطة اذاعية وأخرى تلفزيونية فضائية, لسان حالهما وشاغلهما ايرانيّ بامتياز, ونهجهما يرسمه ساسة طهران ومرجعيات قم, ثم أخذ ذلك الحزب ينشر عدّته وعتاده خارج حدودٍ أظنه لم يأبه بها قط, ويزجّ بمقاتليه كيفما ارتأى وكأن الدولة برأيه مجرد فراغ, ضارباً عرض الحائط بضرورة النأي بلبنان عن صراعات المنطقة وتحدياتها.
لقد بقيت شماعة حماية لبنان وصون سيادته خير أداة وأسهل مسوّغ كرّسها حزب الله وعلى مدى سنين طويلة, فامتلك بنفسه قرار السلم وقرار الحرب, واستقوى على خصومه كيفما أراد, وجاهر وتفاخر بكونه يداً ايرانية بامتياز, فكان حيثما كانت وحارب حيثما ومتى رغبت, وأخيراً وليس آخراً وبينما لبنان يذوق الأمرين, فاللبنانيون يعانون من شحّ وغلاء المواد الاساسية, والقدرة الشرائية تتآكل لدى شرائح واسعة من المجتمع, والاقتصاد اللبناني جاثم في غرفة الانعاش, والمستشفيات لا تقوى على مقارعة الجائحة, ومحطات الوقود مغلقة والصيدليات خاوية, والحكومة اللبنانية الموعودة تنشد الحياة, والسياحة تلفظ أنفاسها, والليرة تنتحر على أسوار بيروت, وفجأة يقرر حزب الله رشق اسرائيل ببضعة صواريخٍ من إحدى القرى في جنوبي لبنان, وبالتحديد من بلدة شويا في قضاء حاصبيا, فما كان من الأهالي الا المسارعة بالقبض على عنصر حزب الله المتورط بإطلاق تلك الصواريخ العظيمة!, وانهالوا بالضرب على سائق تلك المركبة المؤزرة بالنصر!, في رسالة مفادها أن رعونة وتجبّر حزب الله لم يعد بالإمكان احتمالهما, وأن تعزيز مواقف ايران وتدعيم نهجها في خلخلة المنطقة واشعالها يجب الا تُدفع فاتورته لبنانياً, وأن لبنان المنهك والمتأرجح في غنى عن حرب تدمّر المدمّر وتحرق المحروق.
لو قرأت قيادة حزب الله خطورة ذلك المشهد جيداً لفزعت وقلقت, لكنها استكبرت كعادتها واكتفت بوصفه بالعمل ” المشين”, ولو تفكّر الكثيرون لعرفوا أن حزب الله وايران لم يخدما قضية فلسطين يوماً بشيء يُذكر, وأن ايران لم تجلب للبنان الدولة أي خير ولو حتى ما رماه الطير!, ولو حدّق الكثيرون لتيقنوا أن حزب الله وحده وبسبق الاصرار هو من هشّم علاقة لبنان الجميل المسالم بأشقائه وأصدقائه, ويكفي ذلك الحزب أن من رشّوه بالأرز والورود يوماً هم أنفسهم من يمطرونه بالحجارة الآن!!





