*محمد فرحات
أقل ما يوصف به ردُّ فعل الحكام الجزائريين على المبادرة الملكية الإنسانية السامية للمساهمة في مواجهة آفة الحرائق التي تجتاح الكثير من المدن الجزائرية ، أنه تصرف أرعن وغير حضاري.
و أكاد أجزم، اليوم أكثر من أمس، أنه ليس فقط من الصعب بل من المستحيل، على الأقل لبضعة عقود قادمة، ان يصبح المغرب و الجزائر دولتين صديقتين . أقول دولتين بمفهوم القانون الدولي و العلاقات الدولية، لأن الأمر مغاير على مستوى شعبي البلدين لوجود قواسم مشتركة تربط بينهما ولعل أهمها أواصر أخوة حقيقية راسخة في الموروث الجيني البشرية و التركيبة المجتمعية عبر نظام الانتماء القبلي والانتساب العائلي.
هذا الطرح يشهد به التاريخ كما وتمليه علاقات الجوار الجغرافي و التي دفعت بفعل التنقل و المتاجرة و المصاهرة الى احداث تغيرات من حيث التركيبة الاجتماعية و بنيات الكثافة السكانية في علاقة بحدود الملكية العقارية ونماذج الاستغلال الفلاحي وقواعد الاقتصاد الزراعي و أساليب الري و الرعي.
1 – شيء من التاريخ و الاجتماع
لقد دأبت التجمعات البشرية من الجانبين المغربي و الجزائري على بناء التعايش بينها فرادى ومجموعات على أساس التشبث بوحدة العرق و النسب والدين والجوار والتكافل و قبول اعتماد أشكال الالتزامات و العقود التي تقرر تحت قوة الإجماع و العرف و التقاليد.
وقد زكى هذا الوضع حرية أكبر في الحركة و التنقل تملتها ارتباطات قد تكون موسمية أو آنية .
كما تميز الشعبان المغربي والجزائري بمشاركتهم لنفس الخصائص الانسانية و السوسيولوجية محاولات التقارب لم تنقطع قط مدى أزمنة وعصور، كما وحالات التباعد التي كانت تسجل بين الحقبة والأخرى تحت ضغط تدخل قوة عامل ثالث خاصة بفعل الاحتلال والتدخل الأجنبي الذي كان يكسر هذا التناغم والتمازج رغم مواجهته في كل مرة بالرفض والمقاومة حتى ولو كان من قاد هذا التدخل يدين بالإسلام كالعثمانيين على سبيل المثال لا الحصر.
وقد ساعد على ذلك كون الزعامة السياسية والقيادة على أرض المصالح تُسيَّرُ من للمغرب وساهمت وحدة الدين و القضاء و حرية التنقل و الاستقرار و التجارة في خلق وحدة مجتمعية و انسيابية في خلق جميع أشكال العلاقات والتكافل بين الأفراد و المجتمعات و لم يكن يُقابل بالمقاومة في أي بلدة من القيروان الى شنقيط و نزولا الى تخوم مالي حتى وادي السنغال ومملكة السونغاي شمال غانا.
الا ان الغزو العثماني و من بعده الاستعمار الفرنسي و التدخل الأوروبي عامة عبر نظام الاستعمار المباشر كما كان حال الجزائر أو الحماية كما كان الأمر بالنسبة للمغرب وتونس أحدث شرخًا عميقًا في التركيبة المجتمعية التي كانت سائدة وتم تعويضها بنظام جديد أملى على شعوب المنطقة و حكامها ضرورة التأقلم و إيجاد رافعات و ميكانيزمات في محاولة لإعادة البناء.
فقد ظل حلم جمع الشتات في سبات طال بضعة قرون بفعل.
و ما يدل على ذلك هو مبادرة سنة 1958 المتجلية في مؤتمر طنجة بقيادة الزعامات السياسية المقاومة للاستعمار ممثلين عن المغرب (حزب الاستقلال) والجزائر (جبهة التحرير الوطني) و تونس ( الدستور). و قد تلتها من بعد محاولة القادة الرؤساء للدول المغاربية الخمس في مراكش سنة 1988، لأن يؤسسوا لتنظيم سياسي جهوي يجمع الشتات و يدفع الحكومات و المؤسسات ذات الصلة إلى خلق ظروف التعاون و التكامل بين القطاعات لتحقيق النمو في كل القطاعات وتحقيق سبل و ظروف التقدم و النمو.
كانت هذه البادرة السياسية في الحقيقة استقطاب وبلغة أدق للعلوم السياسية إحتواء ( containment) لحركة مجتمعية انبثقت خارج النسق المعتمد و المتداول قادتها مكونات المجتمع المدني آنذاك لإحياء روح التضامن بين شعوب المغرب العربي إلا أنها لم يكتب لها التطور الى ما بعد حالة التكوين الجنيني.
2 – ما السبب يا ترى ؟
لا يمكن أن ينكر أحد أن التوجه الإيديولوجي و نظام الحكم المتبع في كل دولة حال و لو نسبيا دون تصور حصول تقارب أو اندماج لأن الاختلافات كانت هيكلية. و قد بدا ذلك جليا في الانقلابات العسكرية المتتالية في الجزائر و اندلاع حرب الرمال بين المغرب و الجزائر ، لتصل إلى موقف الجزائر المتشنج من قضية استرجاع المغرب أقاليمه الجنوبية و التي تميزت بتموضع الجزائر علنا كقوة معارضة نشيطة و فاعلة مشترِكة وذلك بتوفير العتاد والسلاح لمجموعة انفصالية حربية تطالب باستقلال هاته الأقاليم ليس إلا.
و قد كان لأحداث انتفاضة أطياف الشعب الجزائري سنة 1988 بعد وأد محاولة الانفتاح الديموقراطي التي أفرزت الجبهة الإسلامية للإنقاذ, كمنتصر في الاقتراع الانتخابي قبل حلها في مارس 1992.
كما و نذكر جميعا كيف أن هذا المخاض العسير أو الانقلاب على المسارتولد عنه تنظيم إرهابي عنيف على هيئة الجماعة الإسلامية المسلحة GIA و التي سيتمخض عنها هي ايضا و بفعل تاثيرات خارجية بعلاقة مع تنظيم القاعدة الارهابي تطورٌ وَرَمي سينبثق عنه ظهور كائنات غريبة alien ترتكز على تكتيك حرب العصابات. وقد كان قاسمها المشترك هو مشروع إرهابي نجح في تهديد السلم والأمن في جميع بلدان المنطقة من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي و في عمقه الجنوبي إلى ما وراء منطقة الساحل والصحراء بتوالدات هجينة لا تستقر بمكان و لا على حال حتى حدود تنزانيا و كينيا.
أصبحت تنعت منطقة الساحل و الصحراء بالمختبر المفتوح لكل هاته الظواهر و أهميتها كما خطورتها تأتي من كونها تعتبر امتدادا أمنيا جيوستراتيجيا للمغرب فان خلق تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي AQMI كواحد من النتوءات المنبثقة في منطقة الساحل و الصحراء استطاعت التكيف مع التعفنات التي أفرزتها بدءا بموطنها الأصلي بالجزائر الى تغلغلها في جيوب عديدة لمالي والنيجر و بوركينا فاصو و كان من نتائجها أضعاف المنظومات العسكرية و الأمنية في هذه البلاد بالإضافة إلى اعتمادها على إمكانات تدخل القوات الغربية التي أبانت عن محدوديتها
كل ذلك يرجع لنا إلى اساسات النظام السياسي للحكم الجزائر و المتمثل في النشأة الاولى الغير طبيعية منذ ولادة الدولة على اثر عملية قيصرية و نموها الأولي في حاضنات الأيديولوجيات الشيوعية و الاشتراكية الغير ملائمة لطبيعة الساكنة و تاريخها و معتقداتها.
هذا بالإضافة الى انفطار الأزمة الليبية كمزيج غير متجانس أفرزته انتفاضات الربيع العربي و تفجر صدامات داخلية تحت وعاء التناحر القبلي و اذكاء نار التفكك و الانقسام عبر التدخلات الأجنبية.
و قد وجدت التنظيمات الارهابية من قبيل اكمي و بوكو حرام مرتعًا خصبًا للتزود بالسلاح و حرية التنقل في المجال الصحراوي الشاسع الغير الواضح المعالم خاصة على الحدود الليبية الجزائرية مما سهل عليهم القيام بعمليات ارهابية مسلحة بالاضافة الى ممارسة شبه طبيعية لكل أنواع التهريب والاتجار في البشر.
3 – ما المطلوب إذن ؟
كل هذه الآفات تشكل تهديدا حقيقيا على أمن وسلامة المغرب ولو عن بعد. فلولا يقظة القوات المسلحة الملكية و جهاز الاستخبارات والاستعلامات لتأثر أمن المغرب خاصة بعد ثبوت علاقات تعاون بين التنظيمات الارهابية و انفصاليي البوليساريو و هو ما أثبتته التسريبات التي حصلت في البريد الالكتروني لوزيرة الخارجية السابقة و التي تكلمت عن علم مسبق بهذا التعاون من طرف حكام الجزائر.
يبقى على الجهاز الديبلوماسي المغربي استيعاب ضرورة مسايرة مجهود اليقظة الاستراتيجية المعتمد و بناء برنامج عمل واقعي ينأى عالياً بخصوصيتنا كدولة عريقة و رائدة مغاربيا و جهويا و قاريا .
في ظل هذه المعطيات الانتقائية والغير شاملة تظهر بشكل جلي الانزلاقات الخطيرة للنظام الجزائري في متاهات لا تخدم أمن المغرب و سلامته و لا مكونات الجوار النافع ولعل أكبر تجليات هذا المنحى ما شهدناه في معبر الكركرات على الحدود المغربية الموريتانية قبل بضعة أشهر.
لكل هذه الأسباب، فإني على يقين ان الظروف و الشروط الاساسية لبناء علاقات صداقة وتعاون طبيعية بين المملكة المغربية و الجمهورية الجزائرية الديموقراطية الشعبية ، كما يحصل بين كل الدول الواقعة في وضع جوار غير متوفرة البتة و بذلك وجب توخي الحذر في علاقاتنا مع هذا البلد الجار و التحلي بالصبر إلى حين بلوغ وعي وحس مسؤول لدى النظام الحاكم بضرورة تغيير زوايا النظر الى علاقاتهم مع المملكة المغربية الشريفة.
في انتظار ذلك سنبقى و نظل، اليوم كما الأمس و الغد، خاوه خاوه
*سفير سابق





