المغرب الفلسفي (دبلوماسية الفلسفة)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*د.الحبيب ناصري

 

 

المغرب الفلسفي
(دبلوماسية الفلسفة)

تقديم

سمح لي اهتمامي بالسينما وموقعي المهني كأستاذ باحث، أن أزور مجموعة من الدول للمشاركة في بعض الأنشطة الفكرية والفنية والعلمية المنظمة من جهات مختلفة داخل هذه الدول. هذه الزيارات، جعلتني أعرف وعن قرب، صورة المغرب لدى الغير وما الذي يميزه بمجرد ما يذكر اسمه ، على هامش اللقاءات التي تكون بعد نهاية هذه الأنشطة المشار إليها سالفا. صورتنا أحيانا، علينا أن نبنيها من خلال الإصغاء إلى الآخرين وما راكموه عنا، لاسيما في ظل هذه العولمة التي تطورت فيها العديد من أشكال التواصل.

تراكمات تاريخية لها قيمتها التاريخية والحضارية

راكم المغرب ومنذ حقب تاريخية عديدة، العديد من التجارب الفكرية والإبداعية والصوفية والعلمية والفقهية، الخ. تجارب تميزت بالمد والجزر وحسب سياقات الزمن المولد لها. طبعا، هذا بجانب أمكنة هي الأخرى، تؤكد خصوبة المغرب المعرفي وعبر التاريخ. يكفي استحضار فاس وجامعة القرويين بها، على سبيل التمثيل لا الحصر، لكي نجد أنفسنا أننا أمام بلد له تراكمه التاريخي والحضاري وغير المولود بقوة الصدفة أو بقرار ما ومن جهة ما وضمن لعبة سياسية حربية ما. بل هو بلد ولد من رحم التاريخ والحضارة والفكر والعلم، ولعل أتربة المدن المغربية القديمة والأقدام التي مرت فوقها، وأيضا الأحداث التي عاشتها ومنذ القدم، وما خلفته هذه الأحداث من كتابات، الخ، كل هذا يؤشر على كوننا في هذا الركن من العالم والذي تحده، شمالا، مياه البحر الأبيض المتوسط، وشرقا، الجارة الشقيقة الجزائر وجنوبا،الجارة الشقيقة موريتانيا وغربا المحيط الأطلسي، لنا العديد من التراكمات التاريخية والحضارية الحاضرة في العديد من أشكال الألبسة والأطعمة والأمكنة والحلي وطبيعة الحكي الشفهي وما تركه السابقون من مخطوطات وما بها من عناصر علمية وفكرية وروحية، الخ، دون نسيان طبيعة المعارك التاريخية التي خاضها المغرب دفاعا عن حدوده التاريخية، وعلاقته بالأندلس وما استقبله، بعد نهاية المجد الحضاري بها، من مكونات موريسكية، انضافت إلى مكوناته الأخرى ذات البعد الأمازيغي والعربي والإفريقي والعبري والحساني، الخ، كل هذا من الممكن الرهان عليه، وجعله مدخلا مهما لفهم طبيعة هذا التراكم التاريخي والحضاري والثقافي الذي تحقق على أرض المغرب.

قراءة تاريخ المغرب وطبيعة الدول التي تعاقبت عليه وما أفرزته من مكونات هوياتية وثقافية واجتماعية، الخ، يولد لنا العديد من الخلاصات والعبر، ولعل من أبرزها خصوبة وغنى الفعل الحضاري الذي ترسخ في العمران والبنيان والإنسان، وهو ما أفرز ما يمكن تسميته بالتشكل الفسيفسائي للمجتمع المغربي. تشكل شبيه بالزليج المغربي التقليدي والذي نجده في الدور القديمة والقصور والمساجد والبنايات التاريخية القديمة، حيث تعايش وتساكن ألوان عديدة، لا قيمة للشكل أو اللون بمعزل عن بقية الأشكال أو الألوان الأخرى، وهو ما يجعل النظرة تتجمل كلما اتسعت الرؤية نحو هذا التشكل الفسيفسائي البهيج والمفرح والذي لا يختلف اثنان حول كونه زليجا جميلا يسر الناظرين إليه.

المغرب الفلسفي

علاقة المغرب بالفكر ككل، متجذرة في تربته. يكفي التذكير بالعديد من أشكال التفكير التي من الممكن القبض عليها في حفريات عديدة ومخطوطات عديدة وقبل مجيء الأدارسة وأثناء وبعد مجيئهم، وقد تعمق هذا الفعل الفكري وعاش العديد من أشكال التطور والهدم وإعادة البناء، ليكون شاهدا ومؤرخا للعديد من الحقب التاريخية المغربية والتي يمكن الجزم بكونها تميزت بالتنوع والاختلاف، ولعل هذا ما يجعل مؤرخو الفكر، اعتبار المغرب، بجانب دول عربية أخرى، الخ، من الأتربة الفكرية التي ولدت فكرا فلسفيا بصم المشهد الفلسفي العربي والإنساني ككل. فبمجرد ذكر المغرب، إلا وتتناسل أسماء فلسفية عديدة أغنت المكتبة الفلسفية العربية والإنسانية ككل.

في رحلة علمية ببلد عربي، كنت مشاركا في ندوة فكرية نظمتها إحدى جامعاته، وبمجرد إنهاء أشغال اليوم الأول من هذه الندوة الفكرية، اقترب مني أحد المشاركين العرب، وسلم علي وهو في لحظة سرور، حيث أخبرني بإعجابه بأسماء فلسفية عديدة كطه عبد الرحمان ومحمد عابد الجابري وعبد الله العروي، وعبد الكبير الخطيبي ومحمد سبيلا،الخ، وأكد لي أنه يشرف على العديد من الأطاريح الجامعية ذات الصلة بالفلسفة المغربية وبأسمائها ومشاريعها الفكرية وتوجهاتها، الخ.
الشيء نفسه قيل لي في بلدان أخرى. هنا لابد من طرح السؤال. هل نعي فعلا طبيعة هذا المغرب الفلسفي وكيف هو حاضر ومميز للمغرب خارج حدوده؟. أكيد أن المغرب وعلاقته بالفلسفة ليست جديدة، بل ومن خلال التراكم التاريخي المتنوع الذي قدمنا بعض عناصره الأولية سالفا، يؤكد أن طبيعة هذا التراكم، ساهم في بروز أسماء فلسفية مغربية عديدة.

إن الفلسفة ومهما دافعنا عنها أو حاربناها، فهي كالأوكسيجين الذي لابد منه وإلا فالاختناق مصير الجميع. الفلسفة شرط من شروط اكتمال المجتمع وجعله على الأقل يكون واعيا بعقله وإلا فتعطيل الفلسفة/العقل قد يجر بالجميع إلى الهاوية/القاع، وهنا لا يبقى لنا إلا انتظار صوت الوصول إلى القاع، وهو الصوت المدوي بنهاية التاريخ/الحضارة وحلول الظلام الدائم والقاتل.

يبدو، أن أفق التعريف بهذا المغرب الفلسفي، قد نضمنه ونرسخه ونعمقه وننشره من خلال أربعة عناصر على الأقل:

1/ لابد من مأسسة المشاريع الفكرية للفلاسفة المغاربة سواء كانوا على قيد الحياة أو رحلوا. قصدي بالمأسسة، بمعنى، تجميع كل ما أنتجوه من مؤلفات والتفكير في بناء مؤسسات فكرية تخص هؤلاء الفلاسفة بمدنهم وقراهم أو بمدن إقاماتهم، وهنا سنضمن العديد من المنافع الفكرية والثقافية وغيرهما، ونحن نشهد على سبيل المثال، مؤسسة المفكر فلان بمدينة البيضاء ومؤسسة المفكر فلان بمراكش وفاس وطنجة، الخ. مؤسسات من الممكن أيضا جعلها استمرارية وتجديدا لمشاريع المفكر لاسيما بعد رحيله، عوض أن يطويه النسيان.

2/ جعل المدرسة المغربية حاضنة لهذه الأسماء/المشاريع الفلسفية، من خلال حضورها في كافة أسلاك التعليم المغربي بما فيه تلك التخصصات العلمية والتقنية والطبية والرياضية، الخ، لأن الفلسفة في نهاية المطاف، ورقة معرفية ونقدية وجمالية أخلاقية مساهمة في تكوين المواطن المرغوب فيه والمؤمن بالعلم والاختلاف.

3/ أهمية وضرورة انشغال الإعلام بهذا المغرب الفلسفي من خلال ضمان جزء أساسي في خريطة هذا الإعلام بنوعيه العمومي والخاص، وجعل شركات الإنتاج السينمائي (الروائي والوثائقي) والتلفزي تنشغل به وتقربه بصيغ تربوية وفنية وجمالية عديدة للعديد من الفئات المجتمعية. انشغال الإعلام المرئي والمسموع وغيرهما، بهذا الرأسمال الفكري المغربي، سيكون مدخلا أيضا مساهما في ترسيخ نخوة الانتماء لهذا الوطن وتمرير رسالة عبره، مفادها أن الفكر بشكل عام هو أيضا رأسمال مغربي حقيقي، وليس الرأسمال المادي، كالفوسفاط (مثلا)، هو ما يملك المغرب.

4/ انشغال المجتمع المدني بالمغرب الفلسفي، من الممكن أيضا أن يساهم في التعريف بهذا الرأسمال الفلسفي المغربي، وجعله منتشرا داخل العديد من المدن والقرى المغربية وعلى امتداد هذا الوطن. هذا الانشغال العلمي المجتمعي المدني المغربي لاسيما إذا كان مستقلا ومؤمنا بالمعرفة والعلم بمعزل عن التطاحنات الحزبوية، من الممكن هو الآخر أن يساهم في تعميق صورة المغرب الفلسفي.

على سبيل التركيب

هذه العناصر في اعتقادي المتواضع، من الممكن، أن تساهم في تقوية المغرب الفلسفي، لاسيما ونحن في هذه العولمة، باعتبارها عولمة لا ترحم. تقوية من الصعب تحقيقها بمعزل على الأقل عن نشر الفلسفة في كل أسلاك التعلم وجعلها مادة أساسية في كل مناحي الحياة التعليمية بما فيها التخصصات العلمية والتقنية والطبية، بل ولم لا جعلها مادة ضمن مواد اختبارات التوظيف والترقية والمقابلات الخاصة بمنح المناصب السامية.

المغرب الفلسفي، مغرب، من الصعب تحقيق بقية أشكال المغرب الآخر (المغرب السياسي و الإقتصادي والحقوقي والاجتماعي والرياضي والفني، الخ، بمعزل عنه. إنه المغرب الناشر للفكر وثقافة النقد والاختلاف والتعايش المتعدد مع الجميع والمفكك لكل ما يعيق أسئلة النهضة الحقيقية وخلخلة كل أشكال القبح والتطرف والفهم الميكانيكي والآلي للدين وغيره.

*أستاذ باحث
المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين
الدار البيضاء

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...