ديمقراطية الموسم

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*محمد فرحات

 

ممارسة السياسة في هذا البلد السعيد كالاحتفالات الشعبية أيام المواسم. ذلك أن الارتباط النفسي والاجتماعي للمواطن بتعاقب الفصول جد وثيقة، وتوق ارتباطه بالأرض وتفاعله معها في تلبية احتياجاته من غلتها وتقلبات مناخها وتضاريسها .

تنظيم الموسم لا يحتاج لإعداد عدة معقدة أو تسطير برامج منقحة ولا بروتوكولات مدققة. فكل شيء يمشي بهوادة وقدَر والعادات راسخة لتنزل الناس منازلهم. يُنصت لسيد القوم ولا يجادل يرى ولا يُنظر إليه وقارًا واحتراما وليس خشية. الموسم قائم بحضوره و ناسه والجماعة ضامنة للأمن والسكينة . تركب صهوات الجياد ويطلق لها العنان ليتبارى من على مطيتها من فرسان شباب فيفجِّرُ الزناد البارود من فوهة البندقية تحت صراخ الأطفال وشطحات العرائس وزغردات الملثمات. فلا حرج ولا عيب لان الأمكنة آمنة والوقت للفرح والمرح والأهواء على سجيتها. كل شيء بميزان وتحت عيون الرقيب. الحكي والتغني وحتى البيع والشراء وبناء الشباب بالشابات والفصل في التركة والإرث والخصام والمصالحة لا تعدو أن تتشبه بتدفق ماء الصيف يسيل سلسبيلا ليزيل كل الشوائب او نسمات ريح غربية تلطف أجواء ليالي الصيف الحارة.
ينتهي الموسم فتُفصل أوتاد الخيام وتتخلص الجياد من رباطها وسروجها وتطوى الأفرشة لتوضع في صناديقها في انتظار الحول المقبل.

انتهت فورة الانتخابات لتعاد الملفات الى الرفوف والكراسي ومكبرات الصوت للقبو. يهنئ زعماء الأحزاب المناضلين والمتعاطفين وأصحاب الجود والعطاء على جميل سخائهم ومنشطي الاجتماعات على حسن الأداء ورفع راية وصوت الحزب ليبدأ عمل المحاسب في حصر دفاتر المحاسباتية وإعداد الميزانية لاستقبال نِعَم مداخيل الدعم العمومي التي ستغطي ماشاء الله وقدر من مصاريف قارة واخرى استثنائية في انتظار حملة الولاية القادمة بعد خمس سنوات، أحيانا الله وإياكم في طاعته وحسن عبادته.

المشكل كل المشكل في المواطن الذي فتح واسعة عيناه وفمه وشفتاه تسيل لعابا متنقلا بين شاشة التلفزيون وشاشة التلفون في ركض مهووس على ما ستجود به مواقع الاستخبار الاستحمارية من تفاهات والاخرى التي تدعي التواصل الاجتماعي ولو أنها في حقيقتها داعمة للانفصال الاجتماعي لتأثيث حديث المقاهي وتأكيد منزلة الصفوة للزبون الوفي صاحب الطاولة شبه المحجوزة على الدوام وقهوة أعدها له النادل حسب معايير خاصة.
سيعود المواطن لانكسار قامته وتقوس ظهره تحت وطأة غلاء المعيشة ومصاريف تمدرس الأطفال ولفحات وباء كوفيد اللعينة التي حرمته من مهجة الاعراس وحملقة في الخواصر الموشحة كجذوع النخل المهذبة.

لن يستطيع حتى التخلص من أوساخ جلده بعد صيف حار وشواطئ غاصة بالمصطافين في الحمامات المغلقة وضمد عظامه المنهكة بفعل النوم في السطوح هربا من حرارة غرف المنزل المشبعة برطوبة بخار قِدرٍ على نار وصفارة الضغط المزعجة وانبعاث روائح طيف العطار مزجت بحناء خضبتها النسوة لسوالف شعرهن.
سيعود لروتينه اليومي مرتطما بين تجاذبات الدوام بمقر العمل وحافلات المواصلات المهترئة و الفاتورات الشهرية ومتطلبات البيت اليومية.

سيترك لوحده في هذا الخضم لمواجهة مصيره وهويعلم جيدا ان الانتخابات وعود فارغة وان اصحابها انفسهم أتوا بها من فراغ وبالنسبة للاذكياء منهم بعد نقلها من محتويات العم غوغل.
فاقد الشيء لايعطيه. المنتخَب ليس لديه ما يجود به على الناخب لأن صاحب الخزنة هو صاحب القرار. وصاحب الخزنة يحمل في يد قِرطاس القوانين وفي الأخرى هراوة التنزيل والهش على غنمه. وليس له استعداد لتلقي شكاوى من فرَّط في المطالبة بحقوقه وتعامل بلامبالاة مع واجب اختيار الممثل الكفء الصالح.
حينما سيعود القطار للمحطة سيكون قاصدا الاتجاه المعاكس حاملا ركابا آخرين بمشارب أخرى.
راحت عليه فرصة النجاة مرة أخرى وأخرى والفرص لا محالة لن تعود.فلا يندمن لما اختار زيدا عوض عمر. إن هي إلا أمور يتداولها من عقل و فطن.

عيب الناخب ذاكرته الصغيرة وخنوعه للقدرية وعيب المنتخب أنانيته وتعاليه وغطرسته وتبجحه بكسب اللعبة متناسيا أنه ليس هو من وضع قواعدها ولا حدد أهدافها ولا الغاية منها.
لكن يبقى أن الناخب مارس حقه في التصويت على من يراه صالحا ليمثله ويشرع القوانين باسمه كما أنه قام بواجبه الدستوري والديمقراطي في المشاركة في مسلسل الحكم.
ويبقى أن المنتخب مارس حقه في تمثيل شريحة من المواطنين واتخاذ مواقف سياسية باسمهم كمًا أنه قام بواجبه الدستوري والديمقراطي في التشريع واستصدار القوانين التي ستحدد شكل ومحتوى السياسة الحكومية.

إذن أين الهفوة والنقص؟

تتجلى الهفوة والنقص في غياب أي شكل من التعاقد القانوني الملزم بين الناخب والمنتخب. فلا المؤسسات ولا الأحزاب ولا حتى القضاء لهم حق التدخل في هذه العلاقة النشاز. لمن الاحتكام إذن في حال تخلى كل منهما عن ممارسة حقه والقيام بواجبه في المتابعة اذا افترضنا ان هناك ارضية نعود اليها ومرجعية قانونية تؤسس لمنطوق الحكم.

تلكم أسئلة لا مكان لها في الروتين اليومي للمواطن الناخب كما أنها خارج أجندة عمل المنتخب. لانه اصلًا لا عقد يربط بينهما. وإذا غاب العقد ضاع الحق وبطلت المطالبة. والعقد شريعة المتعاقدين.
فرغم الصخب و مظاهر العبث في الموسم يبقى ذا محتوى تأسيسي للعلائق المجتمعية وسيرورتها. ويبقى إطار الممارسة السياسية الديمقراطية وتجلياتها فارغة المحتوى وهشة الأسس رغم دعمها بسلطة صاحب الخزنة.
الرباط، 12 شتنبر 2021

*سفير سابق

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...