بقلم زيد عيسى العتوم
لا يستطيع كائن من كان, ولا يملك شاء من شاء وأبى من أبى, الا أن يقف احتراماً بقناعة وإجلالاً برغبة, أمام منظومة العدالة والمساواة وضمان المستوى المعيشي الذي يحقق الكرامة لجميع الاشخاص, دون التفرقة والبطش واساءة توظيف السلطة لإيذاء الآخرين, أو التأثير القسري على عناصر حياتهم ولجم حرياتهم, وبالتالي خلق ذلك المناخ الديموقراطي القابل للعيش والتطبيق, أركانه تكافؤ الفرص وتساوي الحقوق, والغاء قيود إبداء الرأي والتواصل مع الآخر بعيداً عن أي إساءة جسدية او نفسية او حتى لفظية تُذكر.
رشح مؤخراً عن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن عزمها حجب وتقييد بعض المساعدات العسكرية لمصر, وأن هذا الحجب سيكون على بعض وليس معظم تلك المساعدات المشروطة, وذلك بسبب مخاوف أمريكية تتعلق بملف حقوق الانسان في مصر, وما يحتويه من حيثيات حرية التعبير والاعتقال والسجون ومحاكمات نشطاء منظمات المجتمع المدني, ربما لا بد في البداية ومن باب الاعتراف بالفضل وعدم نكران الجميل, أن يُثمّن ذلك الدعم الأمريكي المتواصل لمصر بمليارات الدولارات دون انقطاع, وذلك في أعقاب توقيع اتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية في العام 1979, بأهداف معلنة تشمل الجوانب التسليحية والتدريبية ومكافحة الارهاب, ودعم البنى التحتية والاقتصادية والتعليمية والصحية وغيرها, وفي ذلك فليبحث الباحثون ويجتهد المحللون, ورغم أن ذلك القرار هو شأن سياديّ أمريكي يحدده صانعو السياسة الامريكية وفق رؤيتهم, يأتي السؤال عن مسوغات تلك الاجراءات الجزئية وتوقيتها الراهن!, فمصر الآن تشهد استقراراً سياسياً وامنياً ومجتمعياً وطائفياً بامتياز, ومصر الان تعيش طفرة المشاريع القومية العملاقة الغير مسبوقة, ففيها تشيّد عاصمة ادارية قائمة على الحداثة والرقي, وفيها تكاد 14 مدينة جديدة أن ترى النور في العديد من المحافظات المصرية, وفيها طفرات متسارعة في مجالات الطرق والانفاق والجسور والموانئ, وقفزات هائلة في الرعاية الصحية والكشف المبكر والقضاء على فيروس C بلا هوادة, وفيها تتدحرج دواليب انشاء المدارس والجامعات والمراكز العلمية, وفيها القضاء على كارثة العشوائيات التي كان علاجها ظرباً من الخيال, وفيها أيضاً المشروع الوطني المصري لتطوير الارياف وتوابعها والذي كان الشروع به يحتاج نوعاً من المعجزات, ومصر الآن تلعب دوراً محورياً فيما يتعلق بالشأن الفلسطيني, من حيث لملمة مختلف الأطياف والفصائل الفلسطينية المتجانسة والمتناحرة على قواسم مشتركة, والمسارعة لإنهاء اي صراع مسلح بين قطاع غزة واسرائيل, والمحاولة الجادة لنفخ الروح في ذلك المسار التفاوضي الغارق منذ عقود, ومصر الآن الراعي الاكبر والضامن الأصدق لانتعاش ليبيا الحرة المستقلة الهادئة, ومصر الآن الرائدة في استقرار المتوسط وكبح جماح الهجرة الغير شرعية نحو اوروبا المأزومة بذلك, ومصر أيضاً هي التي تتحرك في محيطها الاقليمي والدولي كدولة رشيدة منضبطة تبتعد عن المراوغات والمهاترات السياسية الضيقة, ولا تنبري للتدخل في شؤون الآخرين حتى لو “لزم ذلك”.
تتحدث الادارة الامريكية بسخاء عن حقوق الانسان وهذا شأنها, لكن متى استخدمت أي من الادارات الامريكية المتعاقبة نفوذها للضغط على أي حكومة اسرائيلية تذكر!, ضمن عقودٍ طويلة من القمع والتمييز المؤسسي والانتهاك الممنهج لحقوق الانسان الفلسطيني المغلوب على أمره, ثم مرورا بجنون الاستيطان والتهويد وقهر الجدران العازلة, عندئذ لم يكن صوت “هيومن رايتس ووتش” مسموعاً على الاطلاق, أما في افغانستان فحدث ولا حرج, فبسرعة الصوت انسحبت القوات الامريكية من ذلك البلد الذي مزقته الحروب العاصفة, وبسرعة الضوء انتشرت وسيطرت حركة طالبان على كل شيء, عشرات من القواعد العسكرية المهيئة للاستعمال, وآلاف من المدرعات والدبابات والعربات القتالية والذخائر الجاهزة والمعدّة للزوار الجدد, إكراماً من البيت الابيض لأولئك الذين طالما اُعتبروا حركة ارهابية متخلفة, تنكر الديموقراطية وتنكر الآخر وتنكر المرأة وتكمم الأفواه, ثم ماذا كان قبل الرحيل!, قوات امريكية تحتل مطار كابل, ولا تسمح سوى للجنود والدبلوماسيين الامريكيين والاوروبيين بالمغادرة, أما العملاء فمنهم من انتشر في الارض, ومنهم من لقي حتفه ومنهم من ينتظر, وتأتي بقعة الضوء في النفق المظلم, حيث ينبئنا الوزير بلينكن بأن الادارة الامريكية ستراقب ملف حقوق الانسان في افغانستان وعن كثب!.
بعيداً عن رؤية السياسة والتاريخ جزافاً وبلا تبصّر, ودون إلقاء التصورات على عواهنها, ربما لم تتمكن منظومة القيم الامريكية من الانتصار على منظومة المصالح الامريكية خارج حدودها يوماً, أما مصر فلن يضرها حجب ال 130مليون دولار, ويكفينا أن نقول أن تكلفة المرحلة الاولى من مشروع تبطين الترع في مصر هي 18مليار جنيه!





