الفضاءات المدرسية ودورها في تعزيز الصحة النفسية لدى المتعلمين

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*د. هشام لعشوش

 

 

بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية (10 أكتوبر) أضع بين يدي القارئ الكريم هذه المشاركة العلمية في موضوع الصحة النفسية، وفيها ثلاثة محاور:

المحور الأول: مفهوم الصحة النفسية
المحور الثاني: الصحة النفسية في القرآن الكريم
المحور الثالث: بعض تطبيقات تعزيز الصحة النفسية في الفضاءات المدرسية

المحور الأول: مفهوم الصحة النفسية

1. الصحة في معاجم اللغة: جاء في مقاييس اللغة “الصحة: ذهاب السقم، والبراءة من كل عيب، والصحيح والصحاح بمعنى…قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يوردن ذو عاهة على مصح”( ) وفي الحديث: “(الصوم مصَحة ومصِحة) بفتح الصاد وكسرها، والفتح أعلى أي يصح عليه هو مفعلة من الصحة العافية، وهو كقوله في الحديث الآخر، (صوموا تصحوا)”( ).

2. النفس في معاجم اللغة: ذكر ابن منظور أن معنى “النفس في كلام العرب يجري على ضربين: إحداهما قولك خرجت نفس فلان أي روحه، وفي نفس فلان أن يفعل كذا وكذا أي في روعه، والضرب الآخر معنى النفس فيه معنى جملة الشيء وحقيقته…والجمع أنفس ونفوس”( ) فنفس الإنسان حقيقته وجميعه وروحه.

3. الصحة النفسية في الاصطلاح: البحث في دلالة هذا المركب اللفظي، يوصلنا إلى مجموعة من النتائج المتباينة بحسب الحقول المعرفية التي تؤطرها وتنطلق منها، وقد اخترت من التعريفات ما يخدم القضية التي نحن بصدد بيانها، ومن ذلك:

عرف ابن قيم الجوزية الصحة النفسية بالحياة الطيبة، فأكد أن “الوحي حياة الروح، كما أن الروح حياة البدن، ولهذا فمن فقد هذه الروح فقدْ فقدَ الحياة النافعة في الدنيا والآخرة….. وقد جعل الله الحياة الطيبة لأهل معرفته، ومحبته وعبادته، فقال تعالى: ﴿ من عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مومن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كاموا يعملون ﴾ ( ).

ومن الشروط الأساسية لتحقق الصحة النفسية عنده، الاهتمام بالقلب الذي “يحتاج إلى ما يحفظ عليه قوته، وهو الإيمان وأوراد الطاعات، وإلى حمية عن المؤذي الضــار، وذلك باجتنـاب الآثام والمعاصـي وأنواع المخالفات، وإلى استفراغــه من كل مادة فاسدة تعرض له بالثوبة النصوح، واستغفار غافر الخطيئات”( ).

ويعرفها صاحب كتاب (التوجيه والإرشاد النفسي) بأنها “حالة دائمة نسبيا، يكون فيها الفرد متوافقا نفسيا، ويشعر بالسعادة مع نفسه ومع الآخرين، ويكون قادرا على تحقيق ذاته واستغلال قدراته وإمكاناته إلى أقصى حد ممكن، ويكون قادرا على مواجهة مطالب الحياة، وتكون شخصيته متكاملة سوية، ويكون سلوكه عاديا، بحيث يعيش في سلامة وسلام”( ).

والصحة النفسية عند جمع من الباحثين المعاصرين، هي حالة ووضع نفسي يجعل الإنسان “يعيش على فطرته في قرب من الله، وسلام مع الناس، ووئام مع النفس وسلامة في الجسد ونجاح في الحياة”( ).
فقولــهم (يعيش على فطرته) أي فطرة الإسلام، وقولهم في (قرب من الله) دليل على أن من كان قريبا من الله استأنس به فاطمأن قلبه، فانعكس ذلك إيجابا على هدوء نفسه وطمأنينتها، وهو أقرب التعاريف التي تعبر عن حقيقة الصحة النفسية.

المحور الثاني: الصحة النفسية في القرآن الكريم

إذا كانت الصحة النفسية ترتكز عند علماء النفس الغربيين على التوازن والتوافق بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والمجتمع، فإنها في القرآن الكريم تنبني على حسن الخلق ابتداء مع الله ومع الذات، ومع الناس( ).
وهذا الاختلاف في تحديد الصحة النفسية بين الرؤية القرآنية وتصور علماء النفس الغربيين إنما هو نابع في الحقيقة من تحديد ماهية النفس ابتداء.
فالقرآن الكريم اهتم بالصحة النفسية، بل شكل في مجمله “قاعدة أساسية في البناء النفسي للفرد في أقصى حالات الشدة، وعزز بذلك سلوك الطمأنينة والراحة النفسية في مواجهة المتاعب، والضغوط الحياتية”( ).

وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم “مئات المرات في صيغ متعددة…والمتأمل في جميع هذه الآيات القرآنية الحكيمة يجد أنها تخاطب الإنسان وليس جزءا منه كما اعتقد بعضهم”( ).
فما ورد في كتاب الله تعالى عن النفس البشرية، وعن أسباب صلاحها وفسادها، وسعادتها وضنكها، وكذا طرق علاجها، يعد سبقا عجزت النظريات الحديثة عن مجاراته؛ لأنه ربط الصحة النفسية بالإيمان بالله تعالى، قال جل ثناؤه: ﴿ قل هو للذين ءامنوا هدى وشفاء والذين لا يومنون في ءاذانهم وقر وهو عليهم عمى أولائك ينادون من مكان قريب ﴾ ( ). فالإيمان بالله تعالى، وإتباع منهجه، يجعل بال الإنسان يهنأ وقلبه يطمئن، قال تعالى: ﴿ الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾( ). أما الذين كفروا فهم في ضيق وضنك، لأنهم “لا يؤمنون بقدر فيرضوا به، ولا بإله فيطمئنوا إلى حكمته في خلقه، ولهذا يكثر الانتحار في البيئات التي ضعف دينها أو فقدته، فإن لم يكن الانتحار فهو الألم القاتل والجزع الهالع”( ).

ثم إن القرآن أكد على مبدأ التوازن بين متطلبات الروح ومتطلبات الجسد باعتبار أصل تركيبة الإنسان، وهو التوازن الذي “يعد شرطا ضروريا لتحقيق الشخصية السوية التي تتمتع بالصحة النفسية، وهي النفس التي سماها القرآن الكريم النفس المطمئنة. فالإنسان السوي، صاحب النفس المطمئنة هو الذي يعنى بصحة البدن وقوته، ويشبع حاجاته الضرورية عن طريق الحلال، ويشبع حاجاته الروحية بالتمسك بعقيدة التوحيد، والتقرب إلى الله تعالى بالعبادات والأعمال الصالحة، والابتعاد عن السيئات وكل ما يغضب الله تعالى. وهو الذي يتوخى دائما الاستقامة في السلوك، ويكون في كل أقواله وأفعاله متفقا مع المنهج الذي وضعه الله تعالى للإنسان في القرآن الكريم، والذي بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الشريفة”( ).

المحور الثالث: بعض التطبيقات القرآنية لتعزيز الصحة النفسية في الفضاءات المدرسية

تمثل الفضاءات المدرسية بيئة نموذجية يمكنها أن تسهم في تعزيز الصحة النفسية للمتعلمين الذين يمثلون نسبة هامة من المجتمع المسلم، والاهتمام بهم ورعايتهم وتأهيلهم نفسيا هو في الحقيقة حفظ لمخزون الأمة الاستراتيجي الذي تعتمد عليه في نهضتها ورقيها، ولا يتم ذلك إلا من خلال الإفادة مما ورد في القرآن الكريم من المبادئ والوسائل المؤثرة في تنمية وحفظ الصحة النفسية، ومن أمثلة ذلك:

1. تقوية علاقة المتعلم بالله تعالى: فمما جلبت عليه النفوس تعلقها وحاجتها إلى وجود من يدبر شؤونها ويؤنس وحشتها، ولا تزال هذه النفوس في حيرة وخوف ما لم تستقر على عبادته وتوحيده، قال تعالى: ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المومنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ﴾ ( ).

2. توجيه المتعلم للتفكر والتدبر في خلق الله تعالى والاعتبار بتاريخ الأمم السابقة، قـــال تعــالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ومآ أنزل الله من السماء من مآء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السمآء والأرض لآيات لقوم يعقلون ﴾ ( )، وقد أوضح محمد قطب قدرة القرآن الكريم في “إيقاظ النفس من إلفها، فهو بأسلوبه الساحر ينقل الإنسان نقلا من إلفه وعاداته إلى مركز الحس بكامل وقعه وتدفقه، ومن ثم يعيش الأشياء من حوله كأنها تحدث لأول مرة، فيعيش الإنسان مع الكون في لقاء دائم يتجدد في داخل النفس، وفي صفحة الكون، لا ينفد ولا يسأم ولا يزول”( ).

3. الحرص على إبعاد المتعلمين عن أسباب الاضطراب النفسي، وذلك بشغل النفس بطلب العلم النافع، وذكر الله تعالى، وقراءة القرآن، قال تعالى: ﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ ( ).
وقد أكد على هذا المعنى بعض مفكري الغرب ومنهم: (كارل يونج) الذي اشتهر بعلاجه النفسي، فبين أن المرض النفسي يعزى في مجمله إلى فقدان الوازع الديني، وأنه لا مجال للعودة بالصحة النفسية إلا بالرجوع إلى الدين( )، تحقيقا للتوازن الضروري بين مقتضيات الروح ومتطلبات الجسد.

4. تنوع استخدام الأساليب التعليمية لزرع القيم النفسية السليمة؛ كأسلوب الترغيب الذي من أمثلته قوله تعالى: ﴿ للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين ﴾ ( ).
وأسلوب التمثيل كما في قوله تعالى ذكره: ﴿ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء ﴾ ( ).

5. المراقبة المستمرة للحالة النفسية للمتعلمين من خلال المؤشرات الآتية:
 القدرة على التفاعل الإيجابي مع المحيط.
 القدرة على تجاوز العقبات.
 نظرة المتعلم لنفسه وفهمه لحقيقة دوافعه ورغباته، وكذا ضبطه لمشاعره وسيطرته على دوافعها واننفعالاتها.

6. تعريف المتعلمين بالصحة النفسية وسبل تحققها: أو ما يسمى بـ: (التوجيه المعرفي لتكوين الرؤية الصالحة ) ( )، والتنبيه إلى أن أعظم الأمراض النفسية إنما هي من أسباب البعد عن الله، وعدم الثقة فيه، وانعدام حسن الظن به، قال تعالى: ﴿ إن الذين كفروا سوآء عليهم ءانذرتهم أم لم تنذرهم لا يومنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ﴾ ( ).

7. رعاية المتعلمين الذين يعانون من حالات الاكتئاب والوسواس والقلق وإرشادهم إلى أنماط السلوك النفسي السليم، وتوجيههم إلى ضرورة الاعتقاد في قدرة الله وقدره وأن كل ما يحصل إنما هو بأمره سبحانه، قال تعالى: ﴿ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تاسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما ءاتاكم والله لا يحب كل مختار فخور ﴾ ( ).

8. بيان أهمية الدعاء في إكساب الصحة النفسية، ومن أمثلة ذلك قولـه تعــالى: ﴿ فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المومنين ﴾ ( ).
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات

+++++++++++++++++++

– مقاييس اللغة ج3/281، ابن فارس أحمد القزويني الرازي أبو الحسن، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، 6 أجزاء، (1399هـ-1979م).
-لسان العرب، ج2/507-508 ابن منظور محمد بن مكرم بن علي أبو الفضل الأنصاري، ج2، دار صادر بيروت، 15 جزء، (ط:3)، 1414هـ.

– لسان العرب ج6/233، مرجع سابق.
– سورة النحل، الآية 97.
– إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، ابن قيم الجوزية محمد بن أبي بكر شمس الدين، ج1/17، تحقيق محمد حامد الفقي، مكتبة المعارف، الرياض المملكة العربية السعودية.
– التوجيه والإرشاد النفسي، زهران، حامد عبد السلام ص21، القاهرة: عالم الكتب ط:2، 1980م.
– الصحة النفسية في ضوء علم النفس والإسلام، محمد عودة محمد وكمال إبراهيم موسى ص:64، الكويت، دار القلم 1414هـ.- أنظر م

ثلا: طبيعة النفس البشرية في مرحلة التكليف في ضوء القرآن الكريم، عاطف شواشرة وسهاد بني عطا ص:17، مجلة جامعة النجاح للأبحاث “العلوم الإنسانية” مجلد 24 (1)، 2010م.
– الصلابة النفسية وعلاقاتها بالوعي الديني ومعنى الحياة، عبد الصمد فضل ص:230 بتصرف، مجلة البحث في التربية وعلم النفس ج1 العدد الثاني (229-283) 2002م.
– أصول التربية في ضوء المدارس الفكرية، الحياري حسن ص:40، نقلا عن: طبيعة النفس البشرية في مرحلة التكليف في ضوء القرآن ص:4 مرجع سابق.
– سورة فصلت، الآية 43.
– سورة الرعد، الآية 29.

– الإيمان والحياة، د يوسف القرضاوي ص:162 بتصرف، نشر مكتبة وهبة ط7، 1980م.
– القرآن وعلم النفس، نجاتي محمد عثمان ص:277-278، القاهرة: دار الشروق.
– سورة الفتح، الآية 4.- سورة البقرة، الآية 163.
– منهج الت

ربية الإسلامية، محمد قطب، ص:46-47، بتصرف دار الشروق، (ط:16).
– سورة طه، الآية 122.
– أنظر علم النفس الديني، موسى رشاد علي عبد العزيز وآخرون، ص:427 القاهرة دار عالم المعرفة 1413هـ. بتصرف.
– سورة النحل، الآية 30.
– سورة إبراهيم، الآية 26.

– منهاج الدعم النفسي في القرآن الكريم، د. محمود خليل أبو دف، ص78، مجلة الجامعة الإسلامية (سلسلة الدراسات الإنسانية)، المجلد 19، عدد2 يونيو 2011.
– سورة البقرة، الآية 5-6.
– سورة الحديد، الآية 21-22.
– سورة الأنبياء، الآية 87.

*رئيس المركز الدولي لقضايا التعليم والبحث العلمي
“ICESRI “

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...