أحزاب إيطاليا اليمينية المتطرفة والأكثر تطرفا

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ. أحمد براو*

 

 

أغلب المهاجرين في إيطاليا يعرفون بشكل جيد الأحزاب الشعبوية اليمينية المتطرفة وهي رابطة الشمال وإخوة إيطاليا بقيادة ماثيو سالفيني وجورجيا ميلوني التي عملت وتعمل بكل وضوح على معاداة الأجانب وخصوصا المسلمين والغجر وعرف صعود شعبيتها في العشرية الأخيرة توجسات وتخوفات جمة نظرا لوصولها إلى قمة القرار بعد حصول حزب الرابطة اليميني بزعامة سالفيني على حقيبة وزارة الداخلية وعمل على سن قوانين مجحفة، زيادة على المضايقات والتمييز التي يتعرض لها الأجانب خصوصا في الجهات والبلديات التي يسيطر عليها هذين الحزبين، فيما يخص قوانين الإقامة والجنسية والتمييز في السكن الإجتماعي ودعم عملية التعليم وحق التدين والحقوق الثقافية للأقليات، وكل ما يجاهرون به بحق هذه الفئة المهاجرة والنشيطة داخل المجتمع الإيطالي التي تعتبر أحد صمامات الأمان في الإقتصاد والخدمات وخصوصا اليد العاملة ومساهمتها بحوالي 11% من الناتج المحلي زيادة على أهميتها الفارقة في توفير السيولة المالية للمتقاعدين الإيطاليين حسب صندوق الضمان الاجتماعي، الذين يزدادون بشكل كبير نظرا لتباطؤ النمو الديموغرافي وقلة المواليد، وفي هذا الجانب يبرز أيضا دور المهاجرين، رغم كل ذلك يبقى وضع المهاجرين في إيطاليا دون المستوى الأوروبي فيما يخص التغطية الاجتماعية والحقوق المدنية والسياسية والتمثيلية الحقيقية في المؤسسات الإيطالية.

لكن رغم ما يحمله هذين الحزبين من تحديات ومخاطر وتهديدات للأجانب جراء معاداتهم للمهاجرين يبقى عملهما ذلك داخل الدستور والقوانين التي تكفل لهم المشاركة السياسية والتدافع الإنتخابي لكسب المناصب العليا وسن القوانين، في المقابل هناك أحزاب وتنظيمات أخرى أكثر تطرفا وفاشية من هذين الحزبين ويمثل لهما كتلة ولوبي خلفي لدعمهما في الإنتخابات ومساندته لهما للوصول للحكم وأشهرها منظمة “فورزا نوفا” وهو حزب صغير تأسس سنة 1997 من طرف “روبيرتو فيوري وماسيمو مورسيلو” مستغلا الديمقراطية والحرية المكفولة دستوريا، لتكوين هذا الحزب النيوفاشي والأولتراناسيونالي الثوري، الذي لا يتورع على الجهر بالترويج للفاشية والنازية ومعاداة السامية والإسلام والمهاجرين، وينظم فعاليات جريئة وعنيفة، تهاجم المقرات العامة وأماكن وجود الأقليات و تدافع على الدولة الوطنية ضد كل أشكال العولمة والإتحاد الأوروبي والتكتلات الدولية والمجتمعات المتعددة الإثنيات والثقافات، ويجتمع حزب “فورزا نوفا” القوة الجديدة في كيان أوروبي يضم كل الأحزاب اليمينية الأكثر تطرفا يسمى “التحالف من أجل السلام والحرية” ومقره بروكسيل ومن بين الأحزاب المشاركة فيه : الفجر الذهبي اليوناني والحزب الوطني الديمقراطي لألمانيا، وحزب الشعب السلوفاكي، وحزب العدالة التشيكي، و يمين جديد الروماني والهوية الفلمنكية، البلجيكي وحزب الديمقراطية الوطنية الإسباني وغيرهم من المنظمات وحركات أقصى اليمين المتطرف التي أصبحت تشكل هاجس وتحدي أمني للحكومات الأوروبية وسبق أن قامت بأعمال إرهابية في القارة العجوز وحتى في إيطاليا مع تغاضي وسائل الإعلام لوصفها بذلك بدعوى أن دافعها ليس ديني مثلا على غرار إذا كان مرتكبوها ذو خلفية إسلامية

وتعرض “حزب فورزا نوفا” لانتقادات شديدة بسبب مواقفه وأعمال العنف التي تورط فيها بعض المتعاطفين. وفي هذا الصدد أبدى الحزب تضامنه التام مع الرفاق المعتقلين وخصوصا زعيمهم روبيرتو فيوري. وكثيرا ما اتهم بكراهية الأجانب ورهاب المثلية الجنسية؛ والإسلاموفوبيا، وكان أيضًا بطل الدعاية للحملات السياسية المعارضة علانية للماسونية والترويج لنظرية المؤامرة فيما يخص التدابير المتعلقة باستخدام شهادة كوفيد الرقمية.

وقد تصدر هذا الأسبوع وكالات الأخبار الإيطالية بعد اعتقال زعيمي هذه الحركة في روما وأَودعا سجن نابولي في انتظار محاكمتهما بسبب الهجوم الذي قاداه رفقة عدد من مناصريهم ضد المقر الرئيسي لنقابة الكونفدرالية العامة الإيطالية للعمال “تشي-دجي-إيل” وهي أكبر نقابة في إيطاليا وأحد أكبر وأعرق النقابات في أوروبا، وقاموا بكسر الأبواب وإتلاف المعدات والمكاتب والآلات وقاموا بضرب بعض أعضاء الشرطة التي كانت تحرس المبنى حيث حملوا للمستشفى، للتذكير فهذه ليست هي المرة الأولى التي يقوم بها بعض المنتسبين لفورزا نوفا لهذه الأحداث المرعبة.

وقد بادر بسرعة الحزب الديمقراطي “وسط اليسار” بطلب من باقي الأحزاب الموافقة على مرسوم برلماني من شأنه “حل هذه الحركة، وأنه لا بد من معاقبة الداعين والممارسين للعنف” جنبا إلى جنب مع الفزع والترهيب والتخريب، وقد أثار الهجوم على مقر النقابة في روما من قبل المسيرة (غير المصرح بها) بقيادة فورزا نوفا سؤالا: لماذا لم يتم حل المنظمة اليمينية المتطرفة؟ علما أنه بحكم القانون الإيطالي هناك أدوات مختلفة لحظر المنظمات من هذا النوع، ثلاثة منها ذات صلة خاصة: أولاً هناك الدستور، الذي يحظر في البند الثاني عشر “إعادة التنظيم بأي شكل من الأشكال للحزب الفاشي المنحل” عقب الحرب العالمية الثانية. وهناك قانون سكيلبا (1952)، الذي يطبق البند الثاني عشر والذي ينظم، في المادتين 1 و 3 ، حالات لحل هذه الأحزاب والعقوبات الجنائية، ثم هناك قانون مانشينو لعام 1993 ، الذي يعاقب ويدين الإيماءات والأفعال والشعارات التي تدعو إلى الأيديولوجية النازي-فاشية، بهدف التحريض على العنف والتمييز لأسباب عرقية أو إثنية أو مجتمعية أو قومية. ويعاقب القانون أيضًا على استخدام الرموز المرتبطة بالحركات السياسية المذكورة أعلاه ، والتي غالبًا ما يستخدمها منتسبو فورزا نوفا وظهرت أيضًا بين المشاركين في أحداث 9 أكتوبر.

السؤال عن سبب عدم تطبيق هذه القوانين على أولئك الذين ينتهكونها بشكل صريح ليس جديدًا. تتعلق السوابق الوحيدة لتطبيق مرسوم “سكيلبا” بالأحكام الصادرة ضد حزب “النظام الجديد” المتطرف سنة 1973

وفي سنة 1976 تم أيضا وضع المنظمتين اليمينيتين المتطرفين قيد التحقيق من قبل فيتوريو أوكسورسيو، قاضي التحقيق الذي قُتل على يد أشخاص مقربين من “النواة المسلحة الثورية” المنظمة الإرهابية التي أسسها أيضًا لويجي أرونيكا، والتي كانت حاضرة يوم السبت في المظاهرة العنيفة، كما تم تطبيق قانون مانشينو بدلاً من ذلك في القضية المتعلقة بتنظيم الجبهة الوطنية: الذي تم حله في عام 2000 بمرسوم من وزارة الداخلية، بعد الحكم بالنقض ضد مؤسسها “فرانكو فريدا” ومنسقي الشمال الشرقي والشمال الغربي ، “ألدو غايبا وسيزار فيري”.

توجد إمكانية إصدار قرار بحل ونهاية “فورزا نوفا”، لكن لم يتم تقييم هذا الإختيار حتى الآن على أنه ليس عاجلاً ولا ضروريًا، ومن بين أسباب هذا التحفظ قراءة معينة للموقف الديمقراطي: كما علق الفقيه الدستوري ميكيلي إينيس قائلا “حل حزب أو حركة ليست علامة جيدة للديمقراطيات” مضيفا «يُمارس التسامح مع من هم ضد كل قيمك وفي ذات الوقت عدم حل الحركات الإجتماعية الإيطالية ، لأنها سمحت للقانون الإيطالي، باتخاذ مسار معين

إلى جانب الموقف حول ما هو أكثر ديمقراطية بين السماح لمنظمة فاشية مثل “فورزا نوفا” بالعمل أو حلها، فإن السؤال الحقيقي هو ما الذي ستؤدي إليه. أما قانون سكيلبا فقد صدر في عام 1952، عندما كان الحزب والحركة هما الواقعتان الوحيدتان اللذان سمحا لمناضليهم بتنظيم أنفسهم وهنا يمكنك التدخل بعقوبات شديدة ضد أي شخص يروج أو ينظم أو يدير جمعيات أو حركات أو مجموعات من النوع الفاشي والعنيف” ، يحدد الخبير الدستوري «تصل العقوبة إلى السجن 15 سنة، ومن الأفضل تحديد المسؤولية الجنائية بطريقة شخصية، ويمكن المضي بشكل فعال في هذا المسار ». في الوقت الحالي ، فتح مكتب المدعي العام في روما ملفيْن التحقيق بشأن الاشتباكات، أولهما يتعلق بالإعتقالات الستة التي نفذت بين من اعتبروا مروجين للمظاهرة العنيفة الغير مرخصة ومن بين الأسماء، روبرتو فيوري وجيوليانو كاستيلينو ، السكرتير الوطني لفورزا نوفا وزعيم الفرع للحركة بروما، وحتى الآن فإن الجرائم المتنازع عليها هي التحريض على الإجرام والتخريب والنهب.

* فاعل جمعوي وباحث جامعي رئيس منتدى مغاربة كالابريا.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...