إذا كنت مهاجرا جديدا في إيطاليا، إليك هذه السطور

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ.أحمد براو

 

عزيزي المغترب: إليك بعض النصائح من القلب إلى القلب لك ولكل المهاجرين الجدد في إيطاليا ، ولكن اسمح لي قبل أن أبدأ هذا المقال لابد أن أشير إلى أمر في غاية الأهمية وهو موضوع اللغة والتواصل ، أنه لا يعقل أن ينوي أي إنسان العيش في بلد ما بدون معرفة جيدة للغة الرسمية وإذا أمكن حتى اللهجات المحلية، من هنا أدعو جميع الإخوة المهاجرين الجدد بإيطاليا لبذل طاقاتهم الفكرية ومضاعفة مجهوداتهم من أجل التمكن من اللغة ودراستها والتعمق في قراءتها لأنها مربط الفرس وأحد الأسس القوية لإنجاح عملية الإندماج.

أيها الإخوة والأخوات ، يا من حظيتم بالقدوم والعيش في إيطاليا ، الذي يسمى البلد الجميل حسب “دانتي أليغييري” الأديب والشاعر الإيطالي صاحب الكوميديا الإلهية، واخترتم البقاء في هذا البلد العظيم الذي يتمتع بتاريخ طويل من الحضارة والثقافة والفن والجمال ، أخي المهاجر يمكنني أن أساهم لك برأيي ونصيحتي إذا كنت تريد الخير لنفسك ولبلدك ولإيطاليا وللشعب الإيطالي.
أعتقد اعتقادًا راسخًا أنه عندما يهاجر أي أجنبي للعيش في بلد آخر أكثر تقدما ورفاهية وحرية كإيطاليا ، يجب عليه أن يكون ممتنًا للفرصة الممنوحة له ، لأنه محظوظ على عكس ملايين الأشخاص الذين لم يحصلوا عليها رغم أنهم يتمنون ذلك ويحلمون به بل ومنهم من يعمل ليل نهار، ويبذلون الأموال والأرواح وكل غالي ونفيس على أن يهاجروا للبحث عن فرص حياة أفضل ، لذا فإن أول شيء عليك فعله هو الشعور دائمًا بالامتنان وضرورة رد الجميل للوطن الجديد واحترام قواعده وقوانينه وعاداته وتقاليده ، واعلم أن وطنك الحقيقي هو أين تعيش وترزق فيه، وهو الذي فتح لك أبواب المستقبل وأمل النجاح في حياتك.

يجب عليك بذل جهد مضاعف لتكون مواطنًا صالحًا مساهما في الخدمة والمنفعة العامة ، تلتزم بالتطوع ، تساعد الضعيف ، تحترم الناس ، وتؤدي وظيفتك أو شغلك بالالتزام والصدق، والكمال، لا تغش أبدا ، لا تسرق ، لا تزور ، لا تأخذ أبدًا شيئا ليس هو من حقك ، لا تتوسل وتطلب دائما المساعدة بل كن أنت من تساعد، لأن اليد العليا خير من اليد السفلى، لا تضيع وقتك وحياتك وتهدر طاقاتك في الأمور السخيفة.. واصدقاء السوء واحذر من ذلك لأنه يوردك المهالك . باختصار، لا تخون البلد الذي وقعت فيه اتفاقية الإستقبال ، عندما أخذت عزيزي تلك الوثيقة الغالية التي تسمى بطاقة الإقامة لأنها عهد وأمانة ومسؤولية ، اجعل من نفسك عليك واعظا وتذكر أنك أمضيت على عهد المواطنة الصالحة وأنك ستلتزم باحترام الدستور والقوانين وعادات البلد وتيقن أن النتيجة ستكون في أسرع ما تتخيل عكس الطرق الأخرى الملتوية والتي للأسف يسلكها كثير من الشباب هنا في إيطاليا وتؤدي بهم إلى ما لا يحمد عقباه.

واعلم أنه في بعض الأحيان يمكن أن تتأخر النتائج ، أن تفقد وظيفتك ، عملك، المنزل ، السيارة .. كما حصل وقت الأزمة المالية العالمية ، يمكن للأصدقاء والمعارف أن يديروا لك ظهورهم ، تصبح الحياة معقدة وتصبح الفرصة ضيقة والتجربة خانقة ، ولكن على الرغم من كل ذلك يجب ألا تفقد صبرك أبدًا ، لا تسقط أبدًا في الخطأ ، حاول دائما النهوض، ولا تسلك أبدًا الطرق الغير قانونية ، لا تتواصل أبدًا مع المجرمين أو تقرب منهم لأنهم سيحاولون جذبك بمغرياتهم المادية الغير شرعية وفي الأخير ستندم وتدمر حياتك في الإجرام والسجون ، إذا ضاقت عليك الأمور فالطريقة الوحيدة التي عليك اتباعها هي ألا تتعب من طرق الأبواب والبحث عن العمل ولو أنه شاق وغير متناسب، لابد سيتغير للأحسن شيئا فشيئا، ولا تكثر التنقل من منطقة لأخرى ومن مدينة أو جهة لأخرى، حتى تستقر وتنظم حياتك من ناحية السكن والشغل والتعرف على الخصائص المميزة لمحل إقامتك من عادات وتقاليد ولهجة ، كي يساعدك ذلك على الاندماج السريع ، والحمد والمنة لله هنا في إيطاليا لدينا قطاع أو مجال ثالث يعمل بشكل ممتاز على الرغم من القليل من السلبية والفساد الإداري المستشري ، لكن هناك يمكنك أن تجد الترحيب ، والاستماع والتوجيه والمرافقة ، لأن الشعب الإيطالي شعب حساس للغاية واجتماعي بطبعه، فلديه قلب واسع مثل المحيطات ويحنو على المحتاجين وله ثقافة تضامنية اجتماعية على العموم ، لأنها في محتويات دستور البلد ، حتى لو لم تكن الأمور المادية والمعيشية تسير على ما يرام بالنسبة لهم أيضًا ، لأنهم جربوا كثيرا الحروب واللجوء والهجرة ففي كل أسرة لابد تجد منهم مهاجرا أو مغتربا فلا تستغرب لذلك لأنهم يمكن أن يتقاسموا معك صحن معكرونة إلى صحنين ، كما يمكنهم أيضًا أن يعطوك قطعة خبز مع بعض الطماطم أو قطعة جبن ظنا منهم أن هذا علامة على التضامن والتكافل.

أقول كل ذلك لأنني أيضًا عشت لحظات صعبة للغاية خلال خمس وعشرون سنة في إيطاليا ، في ذلك العهد لم يكن هناك استقبال أولي للأجانب كما هو موجود الآن ، بل يحب أن تبحث وحدك عن الطرق للإقامة والسكن والشغل ، لكنني رغم الصعاب لم أسلك أبدا الطرق المحرمة التي سلكها غيري كثير ، لم أسرق أبدا ولم أغش أبدًا، ولم توقفني أبدا قوات الأمن أو الشرطة باستثناء الفحوصات الروتينية.

في النهاية ، أنصحك بعدم البقاء منغلقًا أو متخفيًا أو منعزلاً ، ولكن عليك أن تواجه نفسك مع الحياة ومع المجتمع ، لكي تظهر طاقاتك المكنونة وتخرج إمكاناتك الشخصية لتكون طرفا مساهما في المجتمع، تتحدث تشارك مع أصدقائك ومعارفك وترفع بالتالي من قيمتك وتقدم مبادئك وقيمك ليستفيد منها الآخرون لتؤثر وتتأثر وتستفيد وتتفاعل وتكسب التجارب والمعارف ، ولا بد أن تجد أحدا يسيء إليك أو يخط من قيمتك لأنك مهاجر ممكن أن تعارضه وتدافع عن نفسك بلباقة وذكاء ولكن لا تكره أحدًا ، إقرأ وتمدرس إذا وجدت الفرصة ، روح عن نفسك ، مارس هوايتك كالرياضة ، المسرح ، أو ممكن أن تنخرط حتى تصبح عضو في جمعية أو حزب سياسي وما إلى ذلك ، يمكنك مزاولة النضال السلمي إذا كان عندك ميول لذلك والمطالبة بحقوقك بشكل علني وتنتظم في أحد التجمعات الحقوقية للمطالبة بحقوقك كالنقابة مثلا أو تجمعات طلابية وعمالية ولجان تمثل الأحياء وتشارك معهم في تنظيم المظاهرات والاحتجاجات وفقًا للقانون ، ويجب ألا تخاف من أي شيء هنا في إيطاليا طعم الحرية ساري المفعول بموجب القانون وثقافة الإحترام والامتثال لقواعد والدستور والقوانين.
أخيرًا ، كن فخوراً بإيطاليا ودافع عن سمعتها في العالم ، فعندما تكون في الخارج أو في بلدك الأصلي ، فأنت تمثلها، تصرف جيدًا لأن الآخرين يرون إيطاليا على أنها البلد الذي تعكسه في سلوكك. صديقي الأجنبي المقيم بإيطاليا ، آمل أن أكون قد حاولت من خلال هذه النصائح البسيطة أن أنقل لك تجربتي الحية ، وأنني استطعت اعطائك الحد الأدنى من المساعدة والتوجيهات لحياتك الجديدة، أتمنى لك كل التوفيق وأن يحالفك النجاح و الفلاح.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...