صورة بألف كلمة…طالبان المحظوظة!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

بقلم زيد عيسى العتوم

 

 

” صورة تساوي ألف كلمة, لا داعي لتكبير الصورة, قصتنا هنا”, هكذا كتبت مراسلة CNN تحت صورة من المقابلة التي أجرتها مع رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حركة طالبان, كانت تلك السيدة تجلس بينما ترتدي ثوباً فضفاضاً وتغطي معظم شعرها بغطاء أسود تحرص على عدم سقوطه, أظن أن مشاعر الرهبة كانت لتنتابها بين الفينة والأخرى لولا تذكرها البديهي لكونها أمريكية وتنتسب لتلك المحطة المشهورة, ولا بد أن فضولها الصحفي كان يشتاق لسماع ورصد أنفاس ونظرات من تحاورهم, أما رئيس تلك الهيئة فكان كالغارق في حيص بيص, يُرخي عضلات وجهه ويلاطفها براحة يده وهي تنزلق نحو ذقنه, يتصنّع الهدوء ويرسم أغنى ما تجود به قريحته من الابتسامة, يحاول تجنب النظر اليها بإزاحة وجهته قليلاً عن وجهتها, لكن عينيه لا تنفكّ عن استراق نظرات الريبة والتوجس, تحاولان قراءة انطباعات تلك الدخيلة تارة, وتجتهد لاستشراف ما قد ينبعث في خلدها تارة أخرى, ثم يلبس رداء اللين بكلماته عندما يجيبها عن ماذا ستفعل طالبا مع الذين لا يطبّقون اوامرهم, “سنطلب منهم عمل ذلك ونوضّح لهم غايتنا, إن لم يفعلوا ذلك سنكرر الطلب, وبعدئذ سنستخدم معهم القسوة الطفيفة”, ثم ينظر اليها مجدداً ويقينه أنها لم تصدّقه.

لو أنكرنا نظريات المؤامرة وأسرارها قليلاً , وتنكّرنا للعبة الأمم ودهاليزها المظلمة برهة من الوقت, وقادتنا البساطة والبراءة الى حيث لا ندري, وتذكرنا اعتقاد الرومان أن الحظ يتجسد في الإلهة فورتونا, ورأي الفلسفة أن ” الحظ هو مجرد حظ” أو أنه “صدفة ذات معنى”, لقلنا أن شهر أغسطس الماضي هو شهر الحظ الموعود لحركة طالبان المحظوظة, فطالبان المعنونة بكُنى الجهل والتخلف والارهاب العابر للحدود, والتي خاضت جولات الكرّ والفرّ ضد القوات الامريكية وحليفاتها ما يقرب الثمانية عشر عاماً بلا انقطاع, ورفضت بإصرار تسليم قادة واقطاب تنظيم القاعدة خصم واشنطن اللدود, وأزهقت أرواح أكثر من ستة آلاف امريكي جهاراً نهاراً, قد عادت لتشقّ طريقها الورديّ نحو مسرح السلطة, طالبان التي ارتعشت بسببها الهيئات والمؤسسات والمنظمات الحقوقية والانسانية الدولية, وهي تراها تقمع الحريات وتصادر الرأي وتقتل شرعية الآخر, تُلزم كل ما يسمى فتاة بضرورة الانصياع للقيود الصارمة في مجالات التعلم واللباس والتنقل وغيرها, انطلاقاً من مفاهيمها الخاصة ونظرتها الفقهية الصرفة, تجلد حليقي اللحى والمدخنين وغيرهم عبرة لمن يراهم, في سعيها لفرض ما تهوى, طالبان التي ترفض العالم الحداثيّ بأدواته التي لا تعنيها وتكرهها بشدة, تحلل وتحرّم وتبيح وتُكفّر كيفما ارتأت, ثم تتبدد الغيوم وتنفرج الاقدار, فتتهاوى المؤسسات الرئاسية والحكومية والعسكرية في افغانستان, وتتسابق القوات الامريكية لإعلان وتأكيد انسحابها بلا هوادة, ويمتلئ مطار كابل بآلاف المجندين والمتعاونين والخائفين, ويتوالى اقلاع الطائرات وتتساقط بعض الاجساد من كبد السماء, فتنتشر طالبان في كل مكان وبأقصر الازمان, وتغنم القواعد العسكرية بقضها وقضيضها كما لو زُيّنت لقدومها, وتتردد وتتأنى الحكومات الاوروبية في وصف طالبان وإيضاح مواقفها نحوها, ثم تُمنح طالبان الفرص الغير محددة بزمن لإظهار حسن نواياها وتغيير مسلكها, ويتواصل ويتفاعل رموز المؤسسات الاستخبارية الامريكية مع نظرائهم الأمنيين الجدد, وتتجلى نظرية لامعة مفادها أن طالبان تحارب داعش وترغب بالانضمام الى مكافحة الارهاب والتطرف!, بعدئذ يتوالى وصول أطنان حزم المساعدات الإغاثية والانسانية والطبية الى المطار الذي حرصت العديد من الأطراف على ديمومته, وأخيراً يتعهد الاتحاد الاوروبي برفد أفغانستان بمساعدة قيمتها مليار يورو, وتنبري الأمم المتحدة لحث زعماء العالم على ضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد الأفغاني المتأرجح, فإذا لم يكن هذا الغيض الذي نراه من الفيض الذي قد نراه يُسمى حظاً, فماذا نسميه إذاً!

ربما لا يلزم لمراسلة ال CNN التقاط الكثير من الصور لسبر حال أفغانستان الجديدة, فأيديولوجيا طالبان لن تتغير حتى لو بدّل شخوصها ثيابهم ونمّقوها بربطات أعناقهم, وإن كانت على عجلة من أمرها فقد تعاود طرق باب القضاء الطالباني الذي أغلق في وجهها بقوة, أما إذا أرادت أن تكتسب بالصبر عافية, عندما تتبدّل الاقدار وتُكشف الاسرار, فقد تدرك أن للحظ شيء يُخفيه!

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...