وعود حكومة أخنوش وتحديات السلم الاجتماعي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*بلال التليدي

 

ثمة سرعة غير مسبوقة تم بها تشكيل حكومة عزيز أخنوش، وإعدادها للبرنامج الحكومي، والتصديق عليه برلمانيا، فقد تشكلت الحكومة في السابع من أكتوبر، وافتتح البرلمان في الثامن من أكتوبر، وتم انتخاب رئيسي مجلسي البرلمان ومجلس المستشارين يوم السبت، ليتم دعوة مجلس النواب يوم الاثنين إلى التصديق على البرنامج الحكومي، ومن ثمة تنصيب الحكومة.

البعض حاول تفسير هذه السلاسة في تعيين وتنصيب الحكومة، بطبيعة الحزب والتحالف الذي يقود الحكومة، فالأحزاب التي خرجت من رحم الإدارة، لا يكون عندها أي أجندة تفاوضية تبرر أخذ مسافة كافية من الوقت لتدبير الخلافات، فالديناميات التفاوضية بين المؤسسات الدستورية، تفرض التداول حول الهيكلة الحكومية، والقطاعات الوزارية، والحقائب المسندة لكل حزب، فضلا عن الشخصيات، بينما أحزاب الإدارة، يكون هامش تفاوضها محدودا أو منعدما.

البعض الآخر، يريد أن يقحم في التفسير المعامل الإقليمي والدولي، وأن المغرب يسارع الخطى لطي صفحة الإسلاميين، حتى يدخل في الاستحقاقات الجديدة، ويلتقط الفرص بسرعة متناهية.
التفسير الأول، وجيه، وما يقويه أن السياسي تضاءل في الحكومة على حساب التكنوقراطي، بل تضاءلت تمثيلية الأحزاب المشكلة للحكومة بالمقارنة مع رجالات الدولة التي تم صباغتهم بألوان حزبية، وخرجت أحزاب التحالف الحكومي بحقائب محدودة من غير ثقل استراتيجي خلافا للحقائب التي حظي بها التكنوقراط أو رجالات الدولة.

لكن وجاهة هذا التفسير، لا تعني بالضرورة أنه السبب الحقيقي وراء ذلك، فالواقع، أن هذه السرعة تبعث برسالة مهمة، أن الدولة تعيش تحديات كبيرة، لا تتحمل معها مساحة، ولو قصيرة من الفراغ السياسي.
الإعلام الرسمي وجزء من المحللين السياسيين، توقف عند الدلالات الشكلية في تشكيلة الحكومة، فبدأ يناقش تمثيلية النساء، وحضور الكفاءات، وشكل الهيكلة الحكومية، وعلاقة ذلك بتأمين الفاعلية، في حين توجه خطاب المعارضة لهيمنة التكنوقراطي، وتغييب السياسي، وصباغة كوادر الدولة والإدارة بألوان سياسية، وعلاقة التشكيلة الحكومة بنتائج الانتخابات.

وسواء تعلق الأمر بالخطاب الأول، الذي وضع مركز ثقله على التبشير بالأمل في الحكومة وتعزيز شرعيتها، أو الخطاب الثاني، الذي وجه بوصلته الدفاع عن المسار الديمقراطي، فإنهما معا، لم يكونا معنيين بالجواب عن سؤال السرعة في تشكيل الحكومة وتنصيبها، وهل الأمر متعلق فقط بإنهاء مرحلة وطي صفحتها، أو متعلق برهانات كبرى يتم تعليقها على المرحلة القادمة.
خطاب الملك الافتتاحي للبرلمان، جاء هو الآخر على غير نسق مثيله من الخطابات السابقة، فلم يتضمن أي توجيه للبرلمانيين، ولا للنخب السياسية.

البعض وجد مفارقة غير مفهومة بين ثناء الملك على حصيلة حكومة العدالة والتنمية، وأنه بفضلها سيحقق المغرب نسبة نمو غير مسبوقة في تاريخه ستصل إلى 5.5 في المائة، وبين تفسير فوز الأحرار بالانتخابات، بفشل حكومة العدالة والتنمية، وكافة الطلب على التغيير.
والحقيقة أن هذه المفارقة إنما توجد في أذهان السياسيين، أما مفردات الخطاب الملكي، فقد كانت واضحة، في عدم التمييز بين الأحزاب، وفي ترصيد حصيلة حكومة العدالة والتنمية، ووضع حكومة أخنوش أمام مسؤوليتها في استكمال الحلقات المتبقية من الإصلاح، وتحقيق التراكم بناء على المكتسبات السابقة.
ثمة عناصر مهمة تضمنها الخطاب الملكي، أو بالأحرى، تحديات متعاظمة يواجهها المغرب، ربما تفسر سبب السرعة في تشكيل الحكومة وتنصيبها.

وسواء تعلق الأمر، بملف الصحراء، أو بالأمن الطاقي، أو بالتأمين الاستراتيجي للمخزون الغذائي والدوائي، أو باستكمال بناء منظومة الحماية الاجتماعية لتأمين جزء كبير من السلم الاجتماعي، فإن الجواب عن هذه الرهانات، ربما أضحى يتطلب -في تقدير صانع القرار السياسي-تموقعا دوليا وإقليميا يفرض تواري الإسلاميين مؤقتا عن مربع التدبير الحكومي، وعدم ترك أي مساحة للفراغ السياسي الذي يمكن أن يضر بمصالح المغرب العليا. فمنذ مدة وإسبانيا، تعلق عودة العلاقات الدبلوماسية مع المغرب بتشكيل الحكومة الجديدة، ولا يستبعد أن يكون تسريع جملة أجندات اقتصادية واستثمارية أجنبية، مرتبطا هو الآخر بهذا التحول. لكن، إذا كان هذا التفسير صحيحا، فإلى أي حد يمكن لحكومة عزيز أخنوش مواجهة هذه التحديات الاستراتيجية، وفي الوقت نفسه، ترصيد المكتسبات السابقة التي تحققت على المستوى الاقتصادي والمالي، واستثمار الاستقرار السياسي وتحسن مناخ الأعمال، لخلق دينامية كبرى للاستثمار الأجنبي في البلاد، وتحريك عجلة الاقتصاد، وإلى أي حد يمكن أن تواجه تحدي تأمين السلم الاجتماعي؟
بالنسبة إلى التحديات الاستراتيجية ذات الطبيعة السيادية، فلا يعول فيه كثيرا على حكومة أخنوش، فهذا الملف ليس بيد الحكومة، وإنما هو بيد الدولة تديره بتفاصيله، وقد حققت فيه تراكمات مهمة، ولا تزال تواجه فيه تحديات صعبة.

التحدي الثاني والثالث متلازمان، فجزء من متطلبات السلم الاجتماعي، متوقف على معالجة أزمة البطالة والتشغيل، وهو ما يرتبط بشكل أساسي بتحريك عجلة الاستثمار ودعم المقاولة.
في نص البرنامج الحكومي الذي قدمه رئيس الحكومة المعين، ليست هناك أجوبة مطمئنة عن التحدي الثاني والثالث، فقد جاء خاليا من الأرقام، ويحدد نسبة النمو بشكل مجمل بمعدل 4 في المائة خلال الولاية الحكومية (2021-2026) دون تقديم أي معطيات عن التحكم في نسبة العجز، ولا عن نسبة التضخم، بل تضمن وعودا بتحسين وضعية فئات اجتماعية، دون تقديم الكيفية التي سيتم بها توفير الموارد التي تغطي هذه النفقات الجديدة، كما تضمن رقما كبيرا متعلقا بالتشغيل(خلق مليون فرصة شغل) دون توضيح للكيفية التي سيتم بها ذلك، هذا فضلا عن وجود مساحات مفتوحة تتعلق بالحكامة والشفافية ومحاربة الفساد، لا ندري على وجه التحديد، كيف سيكون تعاطي الحكومة معها، خاصة وأن الجهود التي بذلت في السابق، من قبل حكومتي العدالة والتنمية، لم تكن كافية، وظلت عدد من الثغرات المرتبطة بتحسين وضعية المغرب في مناخ الأعمال تأتي من قبل هذه القضايا.
وتبقى نقطة الضعف الكبيرة المفترضة، والتي يشير إليها منتقدو تشكيلة حكومة السيد أخنوش، هي ما يتعلق بالتحدي الثالث، أي مدى قدرتها على تأمين السلم الاجتماعي، خاصة وأن وعودها الانتخابية بهذا الخصوص كانت ثقيلة.

الحجة التي يدفع بها المعارضون، أن هذه الحكومة هي تكتل هجين، يجمع رجال الأعمال، والخبرات والكفاءات التقنية، وبعض الوجوه السياسية غير الممسكة بالقطاعات الاستراتيجية. وأن هذه الطبيعة، التي يتضاءل فيها السياسي، لا تؤهل الحكومة، لممارسة التواصل السياسي، وإدارة الحوار مع مكونات الضغط الاجتماعي.

خطاب الملك في افتتاح البرلمان، وجه الحكومة لقضية استراتيجية، تتعلق بتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية، وهو ما يعني أن الحكومة مطوقة بواجب تأمين السلم الاجتماعي، على الأقل من هذه الزاوية. لكن هل يتوقف السلم الاجتماعي على الحماية الاجتماعي وحدها؟

الجواب الذي يدفع دائما به رجال الأعمال ممن ينضوون تحت حزب رئيس الحكومة (الأحرار) أن مقاربتهم، تتجه إلى الرئيسي، أي إلى التشغيل فهو قاعدة السلم الاجتماعي، وأن محاربة الفقر، ورفع المعاناة عن الأسر الفقيرة، لا تكون بالصدقات، ولكن تكون بتأمين فرص الشغل.

لكن، نجاعة هذا الجواب تحتاج إلى ثورة في مجال التشغيل، لا تتوفر مؤشراتها على الأقل في المدى القريب، كما أن كفاءة الحكومة التواصلية والسياسية، ليست مضمونة في ملأ الفراغ، بين المدى القريب حيث القدرة على إحداث الثورة التشغيلية متعذرة، وبين المدى الذي يمكن أن تصل فيه إلى هذا السقف.

*كاتب وباحث مغربي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...