*ذ. أحمد براو
في بيئة يغرق فيها شباب المسلمين في إيطاليا في الشبهات والشهوات ويقرع الإلحاد والردة أبواب عقولهم وجب علينا أن ندرك حجم التحديات ومخاطر المرحلة التي تستهدف شبابنا عقلا وروحا وقلبا قالبا ، فقد بلغ الجيل الثاني أشده وبدأ يترسخ منهجه في التعامل مع الأسئلة الكبرى حول علاقته بدينه الإسلام والدعوة إليه، وتعزيز انتمائه والفخر به، والحفاظ على هويته والذود عنها.
إيطاليا بجانب إسبانيا وبعض الدول الإسكندنافية تعتبر أحدث الدول الأوروبية التي عرفت أمواج هجرة الجالية المسلمة فإذا كانت دول الشمال الأوروبي استقطبت المسلمين الشرقيين من عراقيين وشاميين فدول الجنوب التي تطل على المتوسط كإيطاليا وإسبانيا قد استحوذت على النصيب الأكبر من المغاربيين والأفارقة، وتعزز ذلك إبان تسعينيات القرن الماضي بعد تكوين الأسر وإنجاب الأبناء وارتفاع معدلات التجمعات العائلية وبذلك نشأ مع بداية القرن الحالي جيل جديد من الشباب المسلم في مرحلة جد قاسية حول وضعية المسلمين والإسلام في الغرب، بعد انطلاق ما يسمى بالحرب على الإرهاب وغزو أفغانستان والعراق وسلسلة العمليات التفجيرية في أوروبا خصوصا في بريطانيا وإسبانيا وفرنسا.
ولكم أن تتأملوا معي الوضع السيء والمهين والمقلق لهؤلاء الشباب المسلمين في مدارسهم ونواديهم وتجمعاتهم جنب إلى جنب مع أقرانهم من غير المسلمين وعلاقتهم المضطربة والمتشنجة بهم والتي تغذيها وسائل الإعلام المتحيزة ومنصات التواصل الإجتماعي، هنا بدأت تكبر التساؤلات عندهم حول أمور مهمة تتعلق بالعقيدة وتحديات حول المعرفة العلمية الشرعية التي تستند على الإقناع والجدل ولم تعد تكفي فقط العاطفة الدينية التي تُغرَس داخل البيت المسلم هذا إذا كانت هناك بيئة محافظة ، ومع ضعف التأطير الديني للقائمين عليه من مراكز ومساجد إسلامية وجمعيات المجتمع المدني التي تفتقر للوسائل والموارد البشرية والمادية ولانعدام دور الشباب والمرافق التي تستقطب هذه الفئة البالغة الأهمية مثل المسارح والنوادي والخرجات والمخيمات، أصبح الشباب المسلم يعيش مرحلة صعبة تتعرض فيه قناعاتهم الدينية إلى الإهتزاز الشديد، وهناك من لم يكوّن بعد قناعة والتزاما، ومنهم من علاقته بالإسلام واهية، ومعرفته لتعاليمه وأحكامه سطحية إنما هو مزيج من العادات والتقاليد والثقافات الموروثة، وبذلك تاه المسلمون من الشبان والشابات في أحضان الهواتف والمنصات والتطبيقات واتبعوا حدو القذة بالقذة كل ما يفعله أقرانهم من صرخات جديدة في عوالم الموضة من الألبسة والمعدات والموسيقى الصاخبة والشهوات والليالي الساهرات هذا إذا لم يحصل ماهو أشد من تعاطي المخدرات والمحرمات والعلاقات غير الشرعية، كل ذلك يحدث أمام أعين الوالدين الغارقة في التأمل والحزن والعجز وقلوبهم المنفطرة على فلذات أكبادهم.
وقد عاينت مشاكل هؤلاء الشباب رأيَ العين وتابعت بعض القصص الأسرية التي تبعث على الأسى والحزن بحيث يقف الوالدان عاجزين وحائرين لا يجدون ملجأ من أجل إصلاح أبناءهم الذين تفلّتوا من أيديهم بعد ما أفنيا الوالدان أعمارهما من أجل تربيتهم وتعليمهم وإيجاد أفضل الظروف المادية بل وقد يبالغون في الكماليات حتى لا يشعر هؤلاء الأبناء بعقدة النقص والحرمان والدونية أمام أقرانهم من السكان الأصليين.
لاننسى أن المناهج الدراسية في إيطاليا والغرب عامة تستند على العلمانية واللادينية وتبث السموم في عقول وقلوب الأطفال اليافعين من التلاميذ والشباب الطلبة خصوصا في مسألة الخلق والنشوء والوجود، و هناك العديد من المعلمين والأساتذة والمربين يلقنون بإخلاص الفكرة الداروينية الإلحادية مدعين أنهم يعلّمون الشباب القدرة على التمييز والفرز بين كل الأفكار والنظريات تاركين لهم حرية الإختيار والتعبير والنقاش، وهم في الحقيقة يهزّون مشاعرهم و ينشرون مفاهيم يدعونهم عن طريقها للكفر بمعتقداتهم التي تشرّبوها داخل الأسر فيحدِثون لهم انفصام وقلق وازدواجية. بحيث يعيش الشاب بين عالمين في بون شاسع لا يستطيع أن يكوّن شخصية مستقلة وفكرة واضحة المعالم وعقيدة سليمة من الشوائب والشبهات.
هناك حملة مسعورة تستهدف اقتلاع الإسلام والإيمان بالله والدار الآخرة من عقول الشباب المسلم وللأسف مع اتقاد هذه الجذوة المشتعلة لا يوجد من يساعد على إطفائها ونجدة أبنائنا المعرضين لها بظهورهم العارية وحصونهم الضعيفة أمام موجات الإلحاد والمروق من الدين ولغياب الحواضن التربوية والتعليمية التي تحتضنهم وتزيل الغشاوات من أعينهم والأدران من قلوبهم وتوفر لهم سبل السلام الروحي والسماح الديني والصفاء العقيدي.
كل ناعق يتهم الآخر ويصيح ويرفع صوته أو يخفته تارة ليلقى بالتهمة خارج أسواره، والحقيقة أن كلنا نحن المسلمين مسؤولون بدرجة أكبر أو أقل عن هذه الأوضاع المقلقة والتي لا نلقي لها بالا إلا في مناسبات عابرة، ولا نتساءل عن الحلول إلا عندما تقرع أبوابنا فيما هي متقدة وتحرق منا الأخضر واليابس.
ليس هناك برامج ولا حوارات ولا ندوات للبحث والتعمق، ثم ليس هناك اهتمام من طرف الآباء والأولياء للضغط على مَن هُم في موقع المسؤولية لوضع الخطط وتنزيل المشاريع ومجاهدة النفس وبذل الوقت والطاقة، لرأب الصدع ومواجهة الأخطار التي تواجه فلذات أكبادنا.
إننا لا نعلم ماذا يريده هؤلاء الشباب، لا نحاورهم ولا نخاطبهم إلا بالأوامر والنواهي، ولا نعرف ما يجول بخواطرهم وماهي أحلامهم وكيف يريدون بناء مستقبلهم الدنيوي والأخروي، كيف لنا أن نشعرهم أننا نعتني بهم بحق؟ وأن الإعتناء ليس هو فقط توفير متطلباتهم المادية الشهوانية بل كيف ننفذ لقلوبهم ونهز مشاعرهم بتحريك الإيمان والمعرفة واليقين بالطرق السليمة وبالترغيب والتيسير، ليكتسبوا تربية راسخة وتتقوى لهم العروة الوتقى والتمسك بالحبل المتين بحيث لا يضرهم من خالفهم ويثبتوا على ذلك. ثم لابد من السقي لهذه الأغراس حتى يشتد عودها بالمعاهدة والغدوة والروحة، لأن المتابعة دليل الإستقامة والغفلة دليل الإعوجاج.
نعلمهم أن الإنسان عبد لله سواء شاء أم لم يشأ، ونغرس في قلوبهم أن هذا العبد المخلوق إذا كان موحدا للإلاه عن طواعية واستسلام وانقياد، أم كان ملحدا جاحدا أو طاغيا مستكبرا، هو كذلك وسيبقى كذلك عبدا لله سواء رضي أم لم يرض، لأنه داخل المنظومة الخلْقية الجبرية، لا يقدر على تغييرها ولايجرؤ على الخروج منها، منظومة الإيجاد والإمداد، والمنع والعطاء، والسعادة والشقاء، والمرض والشفاء، والوجود والفناء، فهذه المكونات للمنظومة الإلاهية لادخل للمخلوق فيها إلا الإذعان والخضوع، والذل والقبول، لكن المسألة هي قضية الطاعة والعصيان، مدى اعترافه بالألوهية والعبودية.
نسأل هؤلاء الشباب الأسئلة الإنكارية ونجيبهم بعدها، هل الإنسان في حالة سلام وتناغم مع نفسه و تواضع وإخبات مع الله أم في حالة صراع مع نفسه وحرب مع الله؟ وبالتالي يعيش طول عمره في سخَط اكتئاب، وحيرة وعذاب.
أيها الشاب المسلم نحن الآن عندنا فرصة أن نعيش في سعادة داخلية مع أنفسنا بطاعة الله وتأدية الوظيفة التي خلقنا من أجلها هي أن نكون عبادا لله مطيعين أوامره ومجتنبين نواهيه وأن نقوم بأمانة الخلافة في الأرض، نعمرها ونقيم فيها الحق والعدل.
فإذا فعلنا ذلك وعلمنا أبناءنا وبناتنا هذه التعاليم وكررناها على مسامعهم كل حين مستدلين بذلك بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة وأقوال العلماء وأكثرنا من مجالس الذكر والفكر والمواعظ، فحتما سنخلق بيئة إيمانية لها مضادات حيوية ضد فيروسات الإلحاد والكفر والردة، وسنحميهم من التسيب والميوعة والإستغراق في الشهوات والشبهات.
هذه دعوة خالصة من قلب محب إلى جميع الآباء والأمهات للجيل الثاني من مسلمي هذا البلد ولكل العاملين في الحقل الديني من أئمة ووعاظ وخطباء ودعاة ولكل فاعل جمعوي وناشط اجتماعي ووسيط ثقافي من المسلمين ولكل المسؤولين عن المراكز والمساجد والمدارس والجمعيات والمجتمع المدني والبعثات القنصلية التي تعمل مه الجالية المسلمة لتتحمل هذه المسؤولية وتؤدي هذه الأمانة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، والله المستعان.
*كاتب وباحث مقيم بايطاليا





