سيف الإسلام القذافي…كوميديا أم دراما سياسية!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

بقلم: زيد عيسى العتوم

 

 

بعد عشر سنين ثقالٍ عجاف, أختلط فيها الغث بالسمين, واحترق الأخضر واليابس على مرأى من بعضهما, فتشابكت الاحلام مع الأوهام, وتصارعت الشخوص مع الأصنام, وتبدّل الأفرقاء فغدوا أعداء, واحتمى الأقرباء بالغرباء, تقف ليبيا عند مفترق الأمس واليوم والغد, ففي الأمس تراجيديا الى حد التعاسة, وفي اليوم نوع من الكوميديا على خشبة السياسة, وفي الغد شأن كبير يُسمى الرئاسة.

يوماً ما وفي ثنايا ربيعٍ عربيٍ متمدد وعاصف, انطلقت مظاهرات حاشدة في ليبيا, سرعان ما تغيّرت أشكالها وتبدّلت ألوانها, لتصبح حرباً أطاحت بمن أطبق بقبضته الحديدية فوق أنفاس ليبيا وعلى مدى أربعة عقود كاملة, فتكسّر ذلك المضلع الذي تشكّل عبثاً تحت مسميات الفرد والعائلة والقبيلة, ليتكشّف عندئذ أن أضلاعه هشّة وأرجله هزيلة, وسقط أكثر الحكّام بقاءً في حكمه, وتهاوى من ألِف الليبيون تكرار أسمه, ذلك الرجل الذي اشتهر بأزيائه العجيبة كعجب صياغاته المعرفية واللغوية, وحرسه المدجج بالنساء الثقات المسلحات, وكتابه ” الأخضر” الذي حسبه نموذجاً بديلاً عن الاشتراكية التقليدية والرأسمالية الرعناء, مع بضعة اجتهادات إسلامية رآها على غير ما رآها غيره, ثم بلده التي أسماها “جماهيرية” وأبى أن ينعتها ب “جمهورية”, في رحلة طويلة من الخيلاء وأوهام فهم الواقع واستشراف المستقبل, لدرجة أن صاحب السلطة المطلقة لم ينفكّ عن ادعاء أن السلطة برمتها تقع في أيدي آلافٍ ممن أسماهم “لجاناً شعبية”, ومروراً بأزمة “لوكربي” وما تبعها من جملة العقوبات الى القبول بتسليم المتهمين ودفع المليارات لتعويض أسر الضحايا, وإن ننسى فلا ننسى آب 2003 عندما أعلن رأس الدولة حينها عن تخليه عن برنامجه النووي ” الطموح” , رغبة منه في نبذ الكراهية وإرساء قواعد التسامح والسلام على حد وصفه, فسلّم معداته المغلّفة التي استقطبت أعين المشاهدين وعدسات المصورين, لتُطوى صفحة يسبقها ويتبعها صفحات من كتب المراهقة والتخبّط السياسي العقيم.

وبين ليلة وضحاها يُطل سيف الإسلام القذافي برأسه على المشهد الليبي, يكتسي بما أكتسى به أبوه, ويرفع عنقه ويمعن بنظراته كما اعتاد أن يفعل من ألهمه القدرة من قبل, في محاولة إحياء ما انقضى, ورفع مقدار ما هوى, وطَلَبِ تجريب المجرّب والصفح عن المخرَّب, معلناً ترشحه للرئاسة الليبية الموعودة, وقد تكون تلك الخطوة الحالمة رغبة منه في خلط الاوراق لبعثرة خطى ليبيا الجديدة, أو لتثبيت أن العامل “القذافيّ” سيبقى رقماً حاضراً في أي معادلة ليبية ترى النور, سواءً تحت ضوء السلطة أو قرب أطياف قوى الظل, لكن الأهم والأعتى هو ما في جعبة الرجل وقرارته من الحنين الى الماضي أم التبرؤ منه, فهل سيخلع ” القذافيّ” الجديد جلده ليستبدله برداء التحضّر وقبول الآخر ونقد الذات, وهل سيجرؤ على تحميل والده ذي النهاية المأساوية مسؤولية معاناة شعب قد قاسى بأكمله, وهل ستصافح يده أيدي من عملوا على إقصاء وقتل وتشتيت عائلته برمتها, أم يضمر في باطنه رغبة الثأر وغريزة الانتقام من خصوم الماضي, ثم كيف سيُبرئ هو نفسه ويبرئه الليبيون من أوزار الماضي- حتى لو أُطلق سراحه وتنعّم بحق الترشّح- من عقودٍ كان هو فيها جزءاً فاعلاً وذراعاً قاسياً ولساناً مدافعاً وابناً باراً في كنف نظام استبدّ في حكمه, وبدّد مقدرات وعناصر رخاء شعبٍ رغبت الجغرافيا والجيولوجيا أن تُسكنهم في رغدٍ واسعٍ من العيش, ثم ماذا سيحمل سيف الإسلام في برنامجه الانتخابي لانتشال ليبيا المثقلة بجراحها من تحديات الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني, وترتيب البيت الداخلي الليبي بعيداً عن الأطراف والمصالح الخارجية, ذلك عدا تخليص الليبيين من الدخلاء والمرتزقة الجاثمين على رقعة وطنهم.

بعد كل ما جرى ويجري في المشهد الليبي حتى هذه اللحظة, ومهما تعدد المرشحون لمنصب الرئاسة الليبية القادمة, وسواء اختلفت أو تقاطعت نظراتهم لما يمكن تحقيقه لمصلحة شعبهم, سيبقى الرهان الأكبر يرتكز على الوعي الجمعي الليبي بعيداً عن الفئوية والمحاصصة ونبش قبور الماضي, لبناء ليبيا الواحدة الحرة المستقلة على ترابها الوطني من أقصاه الى أقصاه.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...