بقلم زيد عيسى العتوم
من يعشق التاريخ كثيراً ويأنس المكوث بين صفحات ذاكرته, ربما لا يتلذذ بتناول بعض أطباق الحاضر وشمّ رائحة المستقبل, فالماضي فاكهة سهلة المنال, قد لا يحتاج ادراكه سوى النظر اليه جيداً ومن زوايا متباعدة, ومن يسرد أفضال العرب الغابرة على حضارة الغرب ربما لا يجافي الصواب ولا يناطح الحقيقة, مثلما أن لحضارة الغرب اليد الطولى والفضل الكبير في ثنايا وتفاصيل عيشنا وراحتنا, ربما بدءاً من تلك العجلة المدوّرةِ والمتدحرجة, وليس آخراً بتلك الإبر الرفيعة التي تشدّ من أزرنا لدحر ذلك المتسلل الخبيث, ورغم ما قد نراه غثاً من أفعال الغرب أو نحسبه سميناً من عطايا عصره, الا أن حتمية الحال لا تكون إلا بعرباته وطعامه وكسائه ودواءه, يمتدّ ذلك الطيف من أدوات القتل الى أدوات الحياة, كل ذلك سواء أحببنا الغرب أو لم نفعل, الى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا, لكنّ لسياسة الغرب القائمة على مصالحه-وهذا حقه- أوجه بعضها ألفنا أن نراها مريبة, وبعضها الآخر نحسبها غريبة, تكاد قَسَماتها أن ترسم الأدب الساخر, أو أن تصوّر الحال بطريقة تدفعنا للحيرة والضحك وفي آن واحد!.
قبل ما يقرب العشرين عاماً غزت الولايات المتحدة وشركائها في الناتو ذلك البلد الآسيوي أفغانستان, والذي لو تمرّدت اللغة العربية وتحرّرت لنسبته للمأساة قبل أن تنسبه لآسيا!, غزته ثأراً لأيلول المفجع حينها, وعقاباً له على إيواء رموز وعناصر تنظيم القاعدة سيء الذكر, وعلى مدى تلك السنين العجاف أُنفقت مئات المليارات من الدولارات, وقُتل آلاف الجنود وأُصيب مئات الآلاف منهم, لكن هذه الأرقام ربما تبدو قليلة, إذا ما قورنت بمن فقدوا حياتهم من قوات الأمن والمدنيين الأفغان, وتتسابق السنون في جريانها حتى نرى القوات الأمريكية وحلفائها يمتطون طائراتهم ليلاً ونهاراً من أجل الانسحاب والعودة الى ديارهم, تاركين ذلك البلد الجريح لقمة سائغة تلتهمها طالبان التي طالما أُدرجت في مقدمة لوحات الارهاب البغيض, لكنّ الغرب كعادته يأبى أن تبقى رقعة السواد بلا نقطة بيضاء تزيّنها, ولا يقبل أن تتصاعد رائحة الدخان المحترق دون أن ترافقه لمسة رفيعة من العطر الفوّاح, ففي العام 1985 التقطت عدسة أحد مصوري شبكة ناشيونال جيوغرافيك صورة الفتاة الأفغانية “شربات جولا” ووضعتها على غلاف مجلتها الشهيرة, تلك الفتاة ذات الوجه المليء بألوان الطفولة, المرتدية قطعة قماش مائلة الى الحُمرة, وذات العينان الخضراوان المحدقتان بقوة صوب من يصورها, كأنهما تخلطان القوة المندفعة بالألم المفرط, فأصبحت تلك الصورة تعبيراً عن صورة الحياة القاسية ولحناً حزيناً يردد البوح بالمعاناة, هكذا رآها أو اجتهد أن يراها كل من نظر الى عينيها, وبعد كل تلك الشهرة العالمية بقيت معضلة التعرف على صاحبة تلك الصورة جاثمة حتى العام 2002 , حيث استعانت تلك المجلة بثلة من المحللين والباحثين تمكنوا في نهاية الأمر من اقتفاء أثرها, وتحديد هوية تلك الفتاة ذات الشهرة العالمية, لتتوالى الأحداث بعدئذ وتتصاعد وتيرة تلك الدراما “الخضراء”, ففي العام 2016 تعتقل باكستان جولا بتهمة تزوير بطاقتها الشخصية في محاولة منها للعيش في البلاد, ليقوم الرئيس الأفغاني وقتها باستقبالها وتأمين عيشها بكرامة وأمان في وطنها الأم, لكن صورة تلك الفتاة وبريق عينيها الملوّن لم يغيبان عن خاطر ووجدان الغرب وعلى مدى الأيام, فكانت صورتها أيقونة بعض المعارض في المانيا وغيرها من الدول, ليقف الزائر مندهشاً ومشدوهاً بينما عيناه تراقبان الفرق بين صور جولا في الماضي والحاضر, وأخيراً وربما ليس آخراً يعلن مكتب رئيس الوزراء الايطالي أن بلاده قد قدّمت ملاذاً آمناً للفتاة صاحبة العيون الخضراء, وأن وصولها يعدّ جزءاً من برنامج أوسع لإجلاء الأفغان الهاربين ودمجهم في المجتمع.
قد لا ينكر المتمعن في صورة جولا المسكينة أن بريق عينيها يكاد أن يتلاشى, وأن حياة البؤس تحتضن تعابير وجهها المتهالكة, لكن الغرب الذي أسَرته تلك العيون بجمالها وما تخفيه خلفها من ظلم الحرب ومعاناة الحياة, ربما قد تناسى مسؤولياته السياسية والاخلاقية والانسانية في افغانستان, من لحظة أن دخلتها أول قدم لأول جندي الى لحظة أن غادرتها آخر قدم على آخر طائرة تقلع من مطار كابل, وعند الحديث عن اختلاط السياسة بالمشاعر, يا حبذا لو امتلك العديد من أطفال فلسطين والعراق وسوريا واليمن عيوناً خضراء, فلربما ستهتز قلوب الغرب لهم, أو على الأقل ستمتلئ معارضهم بالزائرين!.





