المؤثرون أو شركاء الشغف

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*بروين حبيب

 

في أربعينيات القرن الماضي كان الترويج للسجائر مثلا عن طريق نجم من نجوم السينما كافيا لرفع المبيعات إلى مستوياتها الأعلى، وقد عجزت كل التحذيرات الطبية عن الحد من إقبال الناس على التدخين، أمام سحر النجم كيرك دوغلاس أو جون وأين، الذي لا يقاوم. كان نجوم السينما أكثر الناس حظا للترويج لمنتوجات معينة، وكان ما يتقاضونه مهما جدا آنذاك.
وإلى وقت قريب كان مشاهير العالم يبرزون من شاشات التلفزيون والسينما، ورغم أن تأثيرهم كان كبيرا في الجماهير على مختلف أنواعهم، إلا أن كلمة «مؤثر» لم تكن متداولة آنذاك، فهي جديدة في قاموسنا اليومي، قبل أن تصبح كذلك في سوق المهن.

إنها مهنة فرضها تطور العصر الرقمي، من حيث الأدوات وأساليب العمل وصناعة الملفات الشخصية. ولنعد معا إلى فترة ماضية قريبة ونتذكر معا كيف سخرت الأغلبية من هؤلاء الذين يستعرضون تفاصيل حياتهم اليومية، عبر مواقع التواصل الاجتماعي. حتى أن البعض لا يتركون كاميرات هواتفهم جانبا، حتى حين يدخلون حماماتهم. وهم عكس «المؤثرين القدامى» من نجوم التلفزيون والسينما، فشهرتهم ولدت من لا شيء، فهم غالبا غير معروفين لعامة الناس.

ولد عالم المؤثرين من الفضاء الحر للشبكات الاجتماعية، التي سمحت بنشر محتويات لها علاقة باليومي البسيط للناس. وهذا على غير توقع أدى سريعا إلى تغيير صناعة الإعلان والتسويق عبر الإنترنت بالكامل. لقد أدرك المستثمرون أهمية توفير مبالغ باهظة للترويج لبضائعهم عن طريق هذا الوجود الرقمي الافتراضي، دون بحث عن مساحات في الواقع، لرفع الإعلانات باهظة الثمن. فكل مؤثر يشكل قوة غريبة تستهدف الجمهور المطلوب بكبسة زر. تحكي نتالي البلجيكية ذات الأصول المغربية كيف تعرضت للتنمر من الأقارب والمعارف، وبعض الأصدقاء، بسبب الفيديوهات التي أطلقتها على موقع أنستغرام منذ عدة سنوات، لكن الأمر بدأ يأخذ مجرى آخر تماما، حين تلقت أول عرض من ماركة ماكياج للترويج لمنتوجاتها، تلتها بعد ذلك عروض أخرى، ثم عرض مغرٍ لوظيفة دائمة، جعلتها تحزم حقائبها وتغادر البلد الأوروبي الذي يحلم به الجميع، ووجهتها أحد بلدان الخليج. هناك ستكتشف أنها ليست الوحيدة التي أقلعت عكس أشرعة الهجرة، بل إن أوروبيين كثرا من «المؤثرين» حطوا رحالهم هناك، وأصبحوا يعيشون بمداخيل خرافية حققت لهم حياة رغيدة «ولا في الأحلام». لكن هذه الوظيفة البراقة لا تزال غير معترف بها، ولا قوانين تحمي صاحبها، إنها شبيهة بمهن أخرى مثل الباحثين عن الكنز المفقود في أساطير القدامى، رغم وجهها الخارجي الجميل.

علاوة على ذلك، هي مهنة تعتمد على الصورة والمظهر، ما يعطيها طابعا سريع الزوال. إنها مهنة مؤقتة يمارسها شبان وشابات في مقتبل العمر للعبور لمهن أخرى أكثر استقرارا، أو لتطوير مشاريع شخصية مثل إطلاق علامة تجارية ما…
في عالم الأدب حقق أدباء وشعراء ما حققه هؤلاء المؤثرون من انتشار، وحسب إحصائيات بعض المواقع، فإن المؤثرين ثقافيا لا يتجاوزون نسبة الـ 15% فقط من مجموع المتألقين في مجالات أخرى، لكن هذه النسبة بقيت بعيدة عن قطاعات ثقافية كثيرة مثل قطاع الكتاب، إذ يبدو أن الكاتب يفضل أن يحتكر «شهرته» لنفسه ولا يسمح لأحد غيره أن يستفيد منها ولو بمقابل.

سيخبرنا الوقت بالمزيد طبعا، وسنعرف إلى أي مدى يمكن للمؤثرين الثقافيين أن يحركوا عجلة الثقافة وكيف، ففي الوقت الحالي تلجأ دور نشر قليلة وبعض المؤسسات الإعلامية إلى موظفين عاديين لنشر محتوياتها على عدة مواقع على الشبكة العنكبوتية، وهم بذلك يتصرفون كأي مستخدم عادي، بينما لتحقيق وصول أكبر يلزمها استراتيجية تسويق واضحة تشمل الشبكة بأكملها. المؤثرون في عالم الكتب والفنون يتقاسمون شغفهم بعيدا عن عالم الماركيتينغ. يقدمون خدماتهم دون مقابل، وهم في الغالب يفعلون ذلك في أوقات فراغهم، لهذا علينا هنا أن ندرك قيمة الضريبة التي يدفعها المؤثرون المتفرغون وتحول شغفهم إلى مهنة.

بالتأكيد نسمع مؤخرا بـ»صُناع المحتوى» لكن بشكل محتشم في مشهدنا الثقافي، إذ لا يزال هؤلاء يقدمون إبداعاتهم في الترويج للكتب والفنون التشكيلية، وما يقدم في صالات السينما والمسارح دون مقابل، فيما يعتاشون من مهن أخرى تماما. ويبدو أن وضع هؤلاء لا يختلف عنه في مختلف أنحاء العالم، فالثقافة أصبحت جزءا من تشكيلات الشبكات الاجتماعية، حتى إن كان «التسويق المؤثر» لا يزال خجولا. على الرغم من أن سوق نفوذ المؤثرين في قطاعات أخرى أثبت جدارته، إذ يقدر بمليارات الدولارات سنويا، ويوفر عيشا مريحا لفئة لا بأس بها منهم. بطبيعة الحال لأنهم يصلون إلى فئات عمرية كثيرة بأسرع ما يمكن، في الوقت الذي فقد فيه التلفزيون والصحافة المكتوبة أهم الفئات المستهلكة. لكن علينا أن ننتبه إلى أن المؤثر في غابة السوق المخيفة قد يكون مخادعا، وقد يعطي معلومة مغلوطة، كونه في الغالب يجتهد ما استطاع لتقديم صورة جميلة عن نفسه، وهنا نجد الشغوف بالأدب أو بالشعر أو المسرح يخفق تماما، حتى إن حدثت استثناءات قليلة جدا.

لطالما اعتمد الاقتصاد على تأثير وسائل الإعلام، لأنها مؤثرة فعلا في متابعيها، واعتبرت المؤسسات الثقافية «مؤثرات» هي الأخرى، بما فيها المدارس التي سُخرت بذكاء للتأثير في الأجيال المتعاقبة لكل أمة، وتوجيهها في طريقة لباسها، وأكلها، وقراءاتها، وتعاطيها مع شؤون الحياة، لكن العالم اليوم يشهد انخفاضا حادا لكل هذه المؤثرات، خاصة في العشر سنوات الأخيرة، في عصر الرقمنة، ظهر ما يمكن تسميته بـ»الفرد المؤثر» وهي ظاهرة فعلا تستحق الدراسة، فقبل هذا العصر كانت نوعية هؤلاء المؤثرين تعيش على الهامش، والدليل أن النخبة والفئات المثقفة لا تزال تستخف بهم، أما الغرابة كل الغرابة فهي في فقدان المعلم لقواه التأثيرية على طلبته، فيما كان في الماضي أشبه بقائد روحي لهم، يمكن وصف حالته بالمتدهورة تماما أمام صعود المؤثرين الجدد على وسائل التواصل الاجتماعي. إذ كيف يؤثر شخص في سلوك شخص آخر عن بعد، دون معرفة أي معلومة عنه سوى ما يقدمه من محتوى يحتمل الصحة كما يحتمل الخطأ؟ هل يكمن السر في لغته البسيطة؟ أم في ملامحه المطمئنة؟ أم في حماسه الذي قد يكون مصطنعا؟ أم في الدور الذي يتقمصه ويقدمه بإتقان مثل أي ممثل ذي خبرة؟

غير هذه الأسباب المجتمعة معا أعتقد أن الاهتمام المشترك هو الذي يجعل الناس تتابع هؤلاء المؤثرين، كونهم نجحوا فعلا في بناء منصات مشاركة حقيقية مع جمهورهم، لقد غيروا من طريقة استهلاك المحتوى، كما غيروا في طريقة الإعلان عنه، عفويتهم هي التي أسست لثقة متبادلة بينهم، لأن الجامع المشترك بينهم هو الشغف، وهو العنصر الغائب في الإعلانات المدفوعة الثمن سلفا. أما ما يجب الاعتراف به بالتأكيد فهو موهبتهم الإبداعية، لقد أثبتوا بشكل ما أن مفاصل الحياة ليست ثابتة على المعطيات القديمة، وأن ما يفعلونه لم يؤثر فقط في جمهور متابع لهم بل في مؤسسات ثقافية ومتاحف وصالات عرض، أصبحت لديها جميعها حسابات خاصة بها، وهذا ما جعل الثقافة والفنون التشكيلية تحديدا تخرج من بين جدرانها المقدسة، لتبحث عن جمهور جديد لها، وليس سيئا أبدا أن تسعى هذه المؤسسات إلى استخدام مؤثرين وفق ميولاتهم وهواياتهم، فقد أثبت هؤلاء أن الحياة أسهل بوجودهم، وأجمل بجنونهم، ألا توافقون أننا تعبنا من الانضباط المبالغ فيه، ومن القضبان التي حجزت طاقتنا الشبابية إلى أن شخنا من صغيرنا إلى كبيرنا في غفلة منا؟

*شاعرة وإعلامية من البحرين

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...