قراءة في كتاب : الإسلام والإعلاموفوبيا، الإعلام الغربي والإسلام: تشويه وتخويف للدكتور المحجوب بن سعيد

 

 

 

*بقلم: خالد احليلي

 

 

يعرف العالم الغربي ظاهرة خطيرة تستحق الدراسة والتحليل أكاديميا، فقد أصبحت صورة العالم الإسلام والمسلمين تختزل في ذلك الشخص المتعطش إلى الدماء، والرافض لقيم التحضر، فصورة الإسلام و المسلمين تتعرض إلى الكثير من التشويه والتحريف والتضليل، في معظم وسائل الإعلام الغربية والأجنبية، التي تروج صورًا نمطية عن الإسلام، كما تحدث الشك والريبة والخوف، والنفور من كل ما له صلة بالدين الإسلامي. ويواجه معظم المسلمين اليوم جملة من التحديات تختلف عن كل الأشكال الأخرى من التحديات، تحديات تضع المسلم أمام اختيار صعب يمس هويته، وصورته، ومكانته بين الأمم، ويهدد مستقبله في بلده وبلد منشأه.

ومن بين أخطر هذه التحديات، انتشار ظاهرة التشويه الإعلامي لصورة الإسلام والمسلمين ” أي ما يسمى بالاعلاموفوبيا” في العديد من وسائل الإعلام الغربية، سواء المسموعة أو المقروءة أو المرئية، وقد زادت حدتها بعد أحداث البرجين، 11 من سبتمبر، وهذا ما يؤدي دون شك إلى تحريف الحقائق وتضليل الرأي العام الغربي، وتأليبه ضد المسلمين في كل مكان، بمن فيهم مسلمو المجتمعات الغربية…

وقد صدر عن دار الفكر في دمشق كتاب تحت عنوان:

– “الإسلام والإعلاموفوبيا.. الإعلام الغربي والإسلام: تشويه وتخويف”، للدكتور المحجوب بن سعيد، الخبير الإعلامي المغربي بالمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) في الرباط.

جاء الكتاب في فصلين:
– الفصل الأول خصصه الكاتب للغرب والعالم الإسلامي، ومصادر معرفة الطرفين لبعضهما البعض، من خلال الرؤية الاستشراقية، والرؤية اللاهوتية، ورؤية البرامج التعليمة.
– أما الفصل الثاني: فقد خصصه الكاتب لرؤية الإعلام الفرنسي للشخصية المسلمة من خلال مجلتي- الاكسبريس ولونوفيل ابسرفاتور.
بالعودة إلى أصل الصراع، ثمة تساؤلات تطرح عند دراسة ظاهرة الصراع مع الغرب مثل:
– منذ متى بدأ الصراع، هل مع بداية الفتوحات الإسلامية وهزيمة جيوش الروم في بلاد الشام؟
أم عندما غزى الفرنجة البلاد الإسلامية؟ أو مع الاستعمار الحديث؟ ربما كل ذلك، كان سببا رئيسا في تنامي ظاهرة التخويف.
وليس ثمة شك أن العلاقة حملت العديد من الصور والأفكار النمطية منذ القديم سواء عن طريق الاستشراق أو الإعلام بشتى أنواعه، بحيث أصبحت كلمة الإسلام مشحونة بكل أشكال العنف والترهيب والتظليل، ولهذا فإن نشر الصور الكاريكاتيرية والمعلومات المشوهة عن الإسلام في الصحف والمجلات والمحطات الفضائية، ليس صدفة، بل سبقته عمليات تشويه متعددة…

يحاول الكتاب رصد علاقة الإسلام مع وسائل الإعلام الغربية، وكيف تم التأثير على صورة الإسلام كدين، وصورة المسلمين، الذين يتخذون من الدين الإسلامي دينا لهم.
يرى المحجوب بن سعيد أن صنع الصور النمطية المسيئة إلى الإسلام والمسلمين وترسيخها في العقل الغربي ظاهرة قديمة ومتجددة. كيف ذلك ؟
فالإسلام حسب الكاتب أكثر الأديان تعرضا للإساءة في الغرب، كما أن المسلمين هم أكثر شعوب الأرض حظا من التشويه والتجريح في المجتمعات الغربية.
لكن من وجهة نظري الخاصة ليس المسلمون وحدهم من عاشوا هذه الأزمة، فإذا قلبنا صفحات التاريخ سنجد حتما الأمر نفسه عاشه اليهود بداية من السبي البابلي مرورا بعصر موسى عليه السلام وقصة خروجهم من مصر، ومحاكم التفتيش بالأندلس، وصولا إلى النازية بألمانيا.

وبالعودة إلى التخويف من الإسلام يعتقد الكاتب أن الرصد التاريخي لتطور الظاهرة يعتمد بالأساس على ساسة الغرب وقادة الرأي فيه كانوا ينظرون، دائما إلى الإسلام باعتباره يمثل تهديدا لهم، فاللاهوتيون في العصور الوسطى كانوا قلقين مما أسموه تأثير القيم الإسلامية في القيم المسيحية تأثيرا تدميريا، وهذا التدافع في نظري موجود على الأقل بين الأديان السماوية الثلاث، وفي هذا الصدد يذهب أحد الباحثين في علم الأديان إلى القول أن الحروب الدينية لم تظهر إلا مع الأديان السماوية حين أجمعت على فكرة الالاه الواحد.

ولذلك رأى اللاهوتيون أن حماية المسيحية من الإسلام لا تكون إلا بضربه عسكريا، والاستيلاء على أرضه وإقناع معتنقيه باتخاذ المسيحية دينا لهم. وقد كان هدف الحملات العسكرية الصليبية في المرحلة التالية مواجهة ما أسموه (التهديد الإسلامي، آو الخطر الإسلامي. أو الخطر الأخضر كما روج له خصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي “الخطر الأحمر”) .
ولم يختلف موقف الغربيين من الإسلام في حقبة الاستعمار، في مطلع القرن العشرين، عن مواقفهم في الحقب السابقة، فقد كانت حركة الاستشراق في مجملها أداة من أدوات مواجهة التهديد الإسلامي المزعوم. وكان المطلوب من هذه الحركة اكتشاف معالم العقلية الإسلامية وفهمها فهما جيدا، لتسهيل عملية استعمار الشعوب الإسلامية.

وفي المرحلة المعاصرة، تتسق نظرة الغربيين إلى الإسلام مع تلك المنظومة من الرؤى المعادية التي ورثها العقل الغربي. فالإسلام يمثل تهديدا للغرب كما هو واضح من نظرية برنارد لويس عن عودة الإسلام، وانتهاءً بنظرية صاموئيل هنتنغتون عن صدام الحضارات. فنهضة الإسلام بالنسبة إلى هؤلاء جميعًا، تعني نهاية الحضارة الغربية، كما هو واضح من نظرية فوكوياما عن نهاية التاريخ والإنسان الأخير، لا باعتبار الإسلام مجرد منافس أيديولوجي فحسب، بل لأنه أيضا يمثل تحديا حضاريا بالغ الخطورة.

لكل ذلك، فإن كاتبنا المحجوب بن سعيد، يؤكد أن العالم الإسلامي والمسلمين اليوم ليسوا إزاء حالة عداء غربي محدود النطاق والتأثير، وهنا يكمن الاختلاف بين العداء الذي تعرضت له اليهودية والعداء الذي يتعرض له المسلمون اليوم.
بل إن الواقع المعاصر يشهد ما أسماه الباحث البريطاني فريد هاليداي ظاهرة معاداة الإسلام، إذ يرى أن الاتجاه المعادي للإسلام أخذ يتسع في العالم. اعتقد أن استغلال ظاهرة الاسلاموفوبيا في الانتخابات كان سببا رئيسا في معاداة المسلمين عبر العالم، ونحن نتابع اليوم عن كثف ما يتناقله الاعلام الغربي عن الكاتب الفرنسي ايريك زمور استغلاله الإسلام والمهاجرين في حملته الانتخابية للرئاسة الفرنسية، وكذلك اليمينية مارين لوبان.

ومع آواخر الثمانينيات من القرن العشرين، نتيجة لعدد من العوامل، منها انتهاء الحرب الباردة، وذيوع فكرة حلول الإسلام عدوا للغرب، أو الخطر الأخضر كما كان مروجا له، مع أطروحة صامويل هنتغتون وفوكوياما. عوضا عن الشيوعية التي أفل نجمها بانهيار الاتحاد السوفييتي سنة 1991، صعد التيار اليميني المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.
فالغرب حسب الكاتب لم يعد قادرا على التعرف على نفسه، بعد انهيار خصمه الشيوعي، إلا من خلال تنصيب الإسلام عدوا جديدا، فعودة الإسلام إلى مسرح الأحداث تشكل نقطة بداية إعادة تفعيل خطاب يخيف من الإسلام والمسلمين.

أما بخصوص وسائل الإعلام ودورها في الترويج للاسلاموفوبيا، فقد اعتمد الكاتب دراسة في الصحافة الفرنسية، من خلال بعض الصحف الفرنسية المشهورة كصحيفة expresse et la nouvelle observateur .فقد اختار الكاتب الصحافة الفرنسية عينة للدراسة، ودرس خصائص رؤية الإعلام الفرنسي للشخصية المسلمة من خلال تحليل مضمون الأعداد الصادرة عن المجلتين الفرنسيتين المذكورتين، خلال الفترة من 2001 إلى 2004، لأن فرنسا برأيه من أبرز الدول الأوروبية التي تتجسد فيها تناقضات العقل الغربي إزاء الإسلام، وتتبلور فيها بوضوح التفاعلات والارتباطات القوية والمستمرة لصيرورة بناء الصور النمطية عن الإسلام والمسلمين.

فالرؤية الفرنسية للإسلام حسب الكاتب ترتبط ارتباطا وثيقا بإشكالية الحوار الإسلامي في الغرب وعلى هذا الأساس فإن الرؤية الفرنسية للإسلام هي مجموع تراكمات تاريخية غذتها ولا زالت مجموعة من المواقف القبلية الجاهزة والقوالب المشوهة، مما جعل مقاربة الإسلام في فرنسا تراوح مكانها، بل إنها تتنافس مع المقاربة اللاهوتية في لغتها ومحتويات، بالرغم من اعتبار الدستور الفرنسي الدولة دولة علمانية، ففرنسا من بين ثلاث دول في العالم التي لا تتخذ من دين ما دينا رسميا لها.

فالمحجوب بن سعيد يرى أن الرؤية الفرنسية للإسلام تستند إلى أربعة مكونات أساس:

– أولها: خطاب المؤسسة الدينية التي ظلت تعتبر الإسلام كارثة طبيعية مدمرة،
– وثانيها: الخطاب الذي تجسده فلسفة الأنوار، التي تمثل أحد أهم الأركان المؤسسة للفكر الغربي المعاصر، والذي يتأرجح بين مدح الإسلام وذمه، والإعجاب به واستهجانه، والانبهار به.
– وثالثا هذه المكونات هو الخطاب الاستشراقي، الذي يصور العرب والمسلمين على أنهم متخلفون ذهنيا وغير متحضرين.
– أما رابع هذه المكونات فهو خطاب الكتاب المدرسي، وهذا النوع من أخطر الأنواع، لأنه ينشئ جيلا بأكملها على فكرة العداء. وهنا أستحضر دولة الكيان الصهيوني، فالشخص العربي أصبح مقرونا في برامجهم التعليمية بالكذب والكسل والسرقة…
كما يمكن إضافة عنصر خامس ألا وهو خطاب الإعلام ووسائل التواصل الحديثة التي أصبحت تنتشر فيها المعلومة بكبسة زر دون مصداقية وتدقيق في صحة المعلومة.

فبالعودة إلى الإعلام الفرنسي يذكر المحجوب بن سعيد ثلاث محطات أساسية، قد مرت بها صورة الإسلام في الإعلام الفرنسي:

– أولها: سنوات (1978- 1989م)، فالإسلام بالنسبة للفرنسيين خلال هذه المرحلة دينا غريبا، لكن منذ الثورة الإيرانية عام 1979 أصبح موضوعا للنقاشات العائلية والفردية بفعل تغطية إعلامية مكثفة لحدث الثورة الإيرانية، التي كان قائدها الإمام الخميني منفيا في الديار الفرنسية. ومن هنا بدأت تتبلور ملامح صورة أخرى عن الإسلام، تزامنت مع بروز ظاهرة الهجرة من بلدان المغرب العربي، إذ أولى الإعلام الفرنسي اهتماما بالغا للمهاجرين المغاربة، وجعل الفرنسيين ينظرون إليهم على أنهم تهديد للمجتمع الفرنسي.
– أما المحطة الثانية فهي مرحلة الضبط والرقابة عل الأقليات والجاليات المسلمة في فرنسا، والتي تمتد من سنة 1990 إلى 2000م، وخلال هذه المرحلة تراجعت صورة إيران، بوصفها ممثلاً للإسلام، لتحل محلها صورة العراق والجزائر.
– المحطة الثالثة: بداية من التسعينيات من القرن العشرين، وهنا عادت قضية الهجرة لتحتل الواجهة الإعلامية، وتداولت المنابر الإعلامية الفرنسية مصطلح انتفاضة الضواحي لتوصيف حالة المهاجرين المسلمين القادمين من دول المغرب العربي، الذين قاموا بمظاهرات عنيفة واشتباكات دموية مع رجال الشرطة، احتجاجًا على انعدام شروط العيش الكريم في أحيائهم الهامشية، فوصف الإعلام الفرنسي هذه الأحياء بالمناطق الخارجة عن القانون.

– أما المرحلة الرابعة: فتبدأ مباشرة بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، والتي أفرزت تداعيات خطيرة على المسلمين في أنحاء العالم، حيث زاد الحقد والكراهية، وسيطرت العقلية الأمنية “المقاربة الأمنية” داخل الدولة الفرنسية في تعاملها مع المسلمين، فمنذ تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر دخل الفرنسيون مرحلة جديدة في التعاطي مع الإسلام والمسلمين، فقد أصبح الحديث الرائج عبر وسائل الإعلام هو المؤامرة التي تستهدف أبناء الجاليات المسلمة في فرنسا، من طرف تنظيم القاعدة، مما أدى إلى سيطرة العقليّة الأمنيّة داخل الدولة الفرنسية، في تعاملها مع المسلمين، فأصبحت المساجد والخطب ولقاءات المسلمين وجمعياتهم خاضعة لرقابة شديدة من طرف وزارة الداخلية ورجال المخابرات. وفي هذا السياق أقدمت الحكومة الفرنسية في ديسمبر 2002م على إنشاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، وبذلك انطلقت مرحلة جديدة في تاريخ الجاليات والأقليات المسلمة في فرنسا، إذ أصبح ينظر إليهم على أنهم مسلمو فرنسا، وليس المسلمون في فرنسا. ومما لا شك فيه أن الغاية من وراء ذلك كانت هي احتواء العمل الإسلامي في فرنسا من منظور أمني صرف.

وهنا يبين الكاتب أن ما يميز مرحلة ما بعد أحداث سبتمبر 2001، الانتشار الواسع لثقافة الخوف من الإسلام، أو ما اصطلح عليه بالإسلاموفوبيا، ما دفع البعض الى الجزم بان نظرية صامويل هنتغتون كانت صحيحة بنسبة كبيرة، مما زاد في تعميق الصورة المشوهة عن الإسلام والمسلمين.
ويخلص الكاتب إلى أن لخطاب الخوف من الإسلام في وسائل الإعلام الغربية، دوافع دفينة، لا يريد الخطاب الغربي التعبير عنها صراحة.

*طالب باحث في سلك الدكتوراه، الفكر والعقيدة ومقارنة الأديان.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...