محاضرة “الدراسات الإسلامية، إلى أين؟”…إضاءات على تعليق

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

محمد التهامي الحراق

 

محاضرة “الدراسات الإسلامية، إلى أين؟”…
إضاءات على تعليق

من أنفس الإشارات الاقتراحية الواردة في محاضرة “الدراسات الإسلامية، إلى أين؟”، وهي المحاضرة التي قدمها الأستاذ أحمد التوفيق يوم 15/12/2021 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، اقتراحُه تدريس التصوف في شعبة الدراسات الإسلامية بوصفه عنوان التزكية في المرجعية الإسلامية، وبوصفه ثابتا من ثوابت العمل الديني المغربي، مع مصاحبة هذا التدريس بحصص تطبيقية لـ “محاسبة النفس”، لتعويدها على توقي شحها، وتمهيرها على العطاء في الحس والمعنى. ومما أثار تعليق البعض، دعوته إلى تدريس تصوف التربويين أي”التصوف السلوكي الجنيدي” في مرحلة الإجازة، وتدريس تصوف العرفانيين، أو “التصوف العرفاني” في مرحلة الدراسات العليا. وقد وجدنا هذا البعض ينتقد هذا الاقتراح من زاويتين؛ الأولى أن الأستاذ التوفيق لم يول العناية اللازمة لثابتي الاعتقاد الأشعري والفقه المالكي في محاضرته، والثانية أنه اقترح تدريس التصوف العرفاني على ما فيه من “زيغ” في العقيدة ، وما يتضمته من “شطح” وقول بـ”الاتحاد” و”الحلول”. ولنا على هذا التعليق طرر وإضاءات:

1- الناظر إلى المحاضرة في كليتها ودقيق معمارها، يتبين أن هذا الاقتراح جاء ضمن نسق إصلاحي، يتم خلاله تصحيح تعاطي شعبة الدراسات الإسلامية مع الشأن الديني معرفة ومنهجا وتواصلا؛ وضمن ذلك جاء الالتفاتُ إلى صلة الدراسات الإسلامية بسياقها المجتمعي، وبدور خريجها باعتباره حامل رسالة التبليغ عن النبي الكريم، ومكفّلا في المجتمع بوظائف التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة والتزكية. من هنا جاء الحض على العناية بمكونات العمل الديني المغربي؛ بحيث حثت المحاضرة على العناية بالعقيدة الأشعرية والفقه المالكي والتصوف الجنيدي والإمامة العظمى؛ ونبهت إلى ضرورة تيسير تعليم هذه المكونات على غرار ما انتبه إليه ابن عاشر في منظومته حين حعل المخاطَب المقصود بنظمه هو “الأمي”، أي صاحب الحد الأدنى في الاستعداد لتعلم الضروري من الدين، الذي به تتم الطاعة ويصلح الإيمان. لذا، جاء الاقتراح المذكور والخاص بتدريس التصوف ضمن هذا المنظور التكاملي لثوابت التدين المغربي؛ إذ لما كان واقع التقصير باديا أكثر في العناية بالتصوف والإمامة العظمى، وقع التنصيص عليهما أكثر من غيرهما. وهو ما ما لا يفيد حصر الاهتمام فيهما، بقدر ما يندرج ضمن توسيع آفاق هذه الدراسات، علميا ووظيفيا، وكذا تجاوز بعض الآفات التي صاحبت سياق إحداث شعبة الدراسات الإسلامية ومسارات حضورها المعرفي والاجتماعي.

2- لعل من أبرز مقاصد محاضرة الأستاذ أحمد التوفيق، هو تحفيز أهل الشأن من علماء وأساتذة وباحثين وإداريين ومهتمين إلى معاودة تبيئة شعبة الدراسات الإسلامية في السياقين المغربي والعالمي، اللذين يختلفان اليوم جدريا عن سياق ظهور هذه الشعبة بداية ثمانينيات القرن الماضي؛ ذلك أن تخطي هذه الشعبة عمر العقدين موذن ببلوغها “الرشد” المعرفي والمنهجي والوظيفي، مما يقتضي إعادة النظر في مسيرها ومسارها ضمن رؤية تزاوج بعمق بين البعد التكويني والبعد الاجتماعي، مثلما تنظر في البعد التكويني إلى الجانبين المعرفي والتخلقي لكي يتأهل طالب الدراسات الإسلامية للاستجابة إلى الاحتياجات المعرفية والروحية المطلوبة مجتمعيا من الدراسات الإسلامية في السياقين المغربي والعالمي الراهنين. في ضوء هذه الرؤية الشاملة، نفهم دعوة المحاضرة إلى ضرورة تجسير علاقة الدراسات الإسلامية بمختلف المعارف الإنسانية، وخصوصا الفلسفة والمنطق والتاريخ؛ مع ضرورة التفقه في اللغات الأجنبية، وامتلاك أدوات التواصل المعاصرة، قصد استيعاب كل ما يكتب عن الإسلام في مختلف الثقافات وبمختلف اللغات؛ وذلك طبعا بعد التمكن المتين من مختلف العلوم الشرعية وحقولها المعرفية الأصيلة.

3- إذا استحضرنا الإضاءتين السابقتين، نستطيع فهم إشارة المحاضرة إلى تضمين سلك الإجازة دراسةَ تصوف التربويين، والانفتاح في الدراسات العليا على تصوف العرفانيين. وهو ما يعني تأهل الطالب معرفيا لقراءة نصوص أهل العرفان، بل واستعداده لإعادة اكتشاف نصوصهم، مما سيمكنه من مراجعة عدد من الأحكام الشائعة حول جمهرة منهم، ومن ثم الخروج من القراءات الإيديولوجية لكثير من نصوص أهل العرفان إلى القراءات المعرفية المنصفة، التي ستضيء سر الجاذبية المعاصرة التي تكتسبها اليوم عدد من تلك النصوص، والتي تكتنز قيما رحموتية كونية تستمد بطرقها المخصوصة من نفس مشكاة النبوة التي منها وبها يستضيء التربويون من أهل التصوف؛ بل إن الاقتراب المعرفي من التصوف العرفاني، سيوضح لا محالة تهاتف عدد من الشبه التي على أساسها شاع نعت بعضهم بـ “الاتحاد” و”الحلول”؛ وهو ما كان دأب عليه أهل التصوف المغربي؛ حيث شكلوا دوما تلك القدرة الاستثنائية على الجمع بين العمق السلوكي التربوي والعمق الشهودي العرفاني، وكانوا اللسان الشرعي لعدد من العرفانيين الذين أسيء فهمهم حين تكلموا فقط بلسان الحقيقة واللغة الكشفية. هذا ما قام به، مثلا ،الأئمة أحمد زروق الفاسي و أحمد بن عجيبة و عبد العزيز بن الصديق حين شرحوا “نونية” أبي الحسن الششتري العرفانية المستغلقة. إنها روح الجمع بين الشريعة والحقيقة التي تميز “التصوف في المغرب الإسلامي”؛ كما انتبه إلى ذلك أيصا سليل الزاوية الفاسية السلفي الوطني علال الفاسي، وهو يعيد لرؤيته “الميزان” ؛ إذا استعرنا إحدى إشارات الأستاذ التوفيق الذكية في محاضرته.

إجمالا، تحتاج محاضرة السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى دراسة متأنية، بعيدا عن الأحكام المتسرعة، ويلزم النظر إليها في أفقها العلمي والمتهاجي والاجتماعي والبداغوجي؛ وكل اقتراب من هذه المحاضرة التأسيسية الغنية، سيكون مبتسرا إذا لم ينظر إلى جدلية الأبعاد التي تناولتها المحاضرة برؤية شمولية؛ هي في تفس الآن أصيلة ومؤسِّسَة، ومنفتحة وواعدة.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...