بقلم زيد عيسى العتوم
لم يكن يوم 25 ديسمبر 1991 يوماً عادياً في صفحات تاريخنا المعاصر, ولم تكن الساعة السابعة والنصف مساءاً بتوقيت موسكو حينها كغيرها من الساعات والدقائق, فقد أنزل علم الاتحاد السوفيتي الأحمر عن مبنى الكرملين للمرة الأخيرة, ورُفع مكانه علم روسيا ثلاثي الالوان للمرة الاولى, وظن الكثيرون عندئذ أن عدم وجود الاتحاد السوفيتي قانونياً كدولة يعني نهاية ما سمي بالحرب الباردة, وفناء منظومة ذلك العداء العميق بين حلف وارسو وخصمه اللدود حلف الناتو, الا أن رياح موسكو لم تجري كما تشتهي سفن الخبراء والمحللين, وخطى أقدام فلاديمير بوتين الثقيلة لم تتناغم مع سيمفونية أهواء الغرب وسياساته الطموحة, مثلما أن علاقة موسكو بشقيقتها السابقة كييف لم تبرحها نوازع التوتر, ولم تجافيها طرقات طبول الحرب منذ ثماني سنين, لتصبح شرارة الحدود الروسية الاوكرانية أمراً واقعاً وربما لا مفرّ منه.
ما يميز رقعة الصراع الروسي الاوكراني أنها أكبر من خلافات البلدين, وأطول من حدودهما, وأثقل من قدرة طاولة تفاوضٍ وتحمّلها, فاللاعبون كُثر واللُعبة خطيرة, وشُهب النزاع تعبر البرّ والبحر والجو, وأبعاد التصادم سياسية وعسكرية واقتصادية واستراتيجية بامتياز, وإشعال عود ثقاب فيها يعني إشعال نار لا تبقي ولا تذر, فكييف ترى بجارها الروسيّ عدواً ومحتلاً طامعاً, هو الذي خطف من جسدها شبه جزيرة القرم, وهو الذي عسكر ويعسكر تلك الارض للنيل من أمن اوكرانيا ومحيطها الاوروبي, وهو الذي لا ينفكّ عن إسناد الانفصاليين الاوكرانيين الذين تراهم كييف كمجموعات من الخائنين والمرتزقة على حد وصفها, ثم هو الذي برأيها لا زال يحمل العقيدة السوفيتية والعقلية المتعجرفة, لإملاء ما يريده على اوكرانيا الحرّة المستقلة صاحبة السيادة المطلقة على كامل أرضها وحيثيات قرارها ومستقبلها, أما روسيا القوية التي نجحت بنفض غبار الحقبة القديمة عن قمقمها الصاعد, فترى بكييف شوكةً في خاصرتها وتهديداً وشيكاً في فنائها وأمنها, فهي التي اضطهدت الرعايا الروس على أرضها وعاملتهم بقسوة, فسنّت قانون “الشعوب الأصلية” في اوكرانيا والذي لم يشمل المواطنين الروس, فاعتبرته موسكو قانوناً عنصرياً يخرج من “سلطة فاشية”, وهي التي لا تتفهم حساسية الجغرافيا وتبعات التاريخ وابجديات الأمن القومي الروسي بأفعالها واستفزازاتها, فترفض أن تكون حيادية ورمادية بعد أن رفضت بسبق الاصرار أن تكون موالية وصديقة, ثم لا تتوانى كييف عن مطالبة الولايات المتحدة وحلفائها بدعمٍ عسكريّ نوعيّ, لا تمانع فيه نشر المنظومات التسليحية الاستراتيجية لأفرقاء موسكو عند أبوابها ونوافذها, وهذا ما لم ولن يتقبله صانع القرار الروسي على الاطلاق.
أما الطرف الثالث والمنظّر والمصرّ على دعم وحدة وسلامة التراب الاوكراني, من واشنطن مروراً بعدد من العواصم الاوروبية وغيرها من تلك الحليفة والصديقة, فيرغب بلجم الدب الروسي المتمرد من بوابة ملف الازمة الاوكرانية, حتى لو كلّف ذلك إجلاس العالم فوق صفيح مشتعل, أو انفاق مليارات الدولارات لضخّها في شرايين كييف المأزومة, ما دامت الغاية طعن روسيا واشغالها وارباكها, وهزّ تحالفها القوي مع بكين المقصودة أيضاً بهذا الدرس الخشن, والتأكيد على أن أذرع الناتو طويلة وأنيابه حادة, وأن على روسيا الوريثة عاجلاً أم آجلاً القبول بالظرف الراهن والأمر الواقع.
قد لا يعني حشد موسكو 100 ألف جندي متأهب على حدود اوكرانيا حتمية الحرب, فالجميع يدركون أن تلك الحرب لو اشتعلت ربما ستغيّر الخارطة أو تحرق جزءاً منها, وأن الدعم الامريكي وغيره للرئيس زيلينسكي لن يتمدد ولن يتطاول لدرجة وقوف جنديّ امريكيّ مدجج على حدود روسيا المحدّقة, وأن الموقف الغربي الصلب ربما لن يتعدى الاسناد اللوجستي السياسي والاقتصادي والعسكري المنضبط, لضبط وتيرة حرب خدش الاطراف وعض الاصابع وتصعيد العقوبات بأبعد حالاتها, أما القيادة الاوكرانية فلربما ينبغي عليها مراجعة تبعات وانعكاسات الجغرافيا السياسية الغارقة فيها, لتغليب مصلحة الدولة الاوكرانية اولاً وأخيراً قبل جني ثمار الوعود والتحالفات الدولية, لتجنيب البلاد صراعاً أم حرباً ستكون فيه كييف الخاسر الأكبر!





