خواطر.. التوقيع قبل الإنصراف

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*د. أسامة جادو

 

انتبهت لورقةٍ تمرُ على صفوف الحاضرين أثناء إلقائي المحاضرة ، وكانت الورقة تخص إثبات الحضور والانصراف ، و منظمُ الدورة يقول : لا تنسوا التوقيع قبل الانصراف .
تأملتُ في هذه العبارة ” التوقيع قبل الانصراف ” فسالت مني هذه الأفكار و كانت خاطرة .
أمَّا الانصراف الذي أقصده هو الانصراف الختامي الذي لا حضور بعده ، إنَّه الانصراف من هذه الحياة الدنيا ، ختام العمر و تمام الأجل و لحظة الرحيل و ترك الحياة وما فيها ، وقد علم الخلقُ أنَّهم إلى الله منصرفون ، ألسنا نردد قول الله تعالى ” إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون ” ، فليس الخلود لغير الله تعالى ، ولو كان الخلود في الحياة الدنيا لغير الله تعالى لكان أولى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالانصرافُ حقٌ و عقيدةٌ نؤمنُ بها .
وأمَّا التوقيعُ الذي أقصده فهو دلالةُ حضورك و إثباتُ شهودك ، التوقيع هو الأثرُ الذي نتركه في سجل أمة محمد صلى الله عليه وسلم وتنتفع به الأجيال القادمة من رحم الغيب ، التوقيعُ هو البصماتُ التي نضعها علاماتٍ مضيئةً تنير الطريق للسائرين بعدنا على طريق الدعوة والهداية .

كُلُّنا منصرفون و يبقى الأثر
تلك حقيقةٌ نؤمنُ بها ، ننصرف من الحياة الدنيا إلى الآخرة و يبقى الأثر الطيب الذي غرسناه وتبقى الأعمالُ التي ينتفع بها الخلقُ ، قال الله تعالى :
( إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَٰهُ فِىٓ إِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ ) سورة يس~ الآية ١٢
قال الإمامُ ابنُ كثير رضى الله عنه في تفسيره :
قال تعالى : ( إنا نحن نحيي الموتى ) أي : يوم القيامة ، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة ، فيهديهم بعد ذلك إلى الحق ، كما قال تعالى بعد ذكر قسوة القلوب : ( اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون ) [ الحديد : 17 ] .
وقوله : ( ونكتب ما قدموا ) أي : من الأعمال .
وفي قوله : ( وآثارهم ) قولان :
أحدهما : نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم ، وآثارهم التي أثروها من بعدهم ، فنجزيهم على ذلك أيضا ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، كقوله صلى الله عليه وسلم : ” من سن في الإسلام سنة حسنة ، كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة ، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا ” .
رواه مسلم
والقول الثاني : أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية . أﻫ .
نحن نعيشُ على آثار السابقين من عباد الله الصالحين الذين تركوا لنا علوماً نافعةً ، و أفكاراً صالحةً مفيدةً ، و منارات نهتدي بها في دروب حياتنا ، و مؤسسات تُعيننا على السير إلى الله تعالى و السعي في جلب المنافع و درء المفاسد و بلوغ الغايات الشريفة ، تركوا لنا مناهج الهدى والرشاد ، و برامج و تجارب و خبرات تأخذ بنا إلى الرحاب الميمونة في مجالات الدعوة الإسلامية لتتحقق السعادة للإنسان و البشرية في الدنيا و الآخرة ، هذه آثارُ السائرين على درب الهُدى فأين آثارُنا ؟
قلتُ :
أدعو كُلَّ الحضور و الأحبة و المتابعين أن يتأملوا في هذا المعنى و يتدبروا أمرهم ( التوقيع قبل الانصراف ) ، ورقة وقلم و 5 دقائق مع كوب من الشاي أو القهوة أو العصير ، فكرْ و سجلْ ما تتأملُه من توقيعات و آثار و بصمات تضعها في سجل السائرين على درب الإصلاح على منهاج النبوة ، ما زال في الوقت متسعٌ لمزيدٍ من التوقيعات الدالة على حضورك و شهودك و عطائك و إرادتك السبق و الرقي إلى مراقي الخالدين الكُمل .
من فضلك لا تنصرف قبل أن تضع توقيعاتك الدالة على حضورك و شهودك و إرادتك هداية الناس ، إنما المنازل هناك والمقامات على قدر ما نقدم من أعمال و توقيعات .
فهل نفعل ؟ … أرجو لكم الخير
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد معلم الناس الخير

*عميد كلية الدراسات الإسلامية بتركيا سابقا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...