تأكيدا من حركة معا على مقاربتها التشاركية وسعيها في سبيل تجسيد ثقافة المراقبة المواطنة، والتزاما ببرنامجنا “التزموا معنا” تقدم لكم الحركة قراءتها لحصيلة 100 يوم الأولى من عمر الحكومة المنبثقة عن انتخابات 8 شتنبر 2021.
بعد مرور أكثر من مئة يوم على تنصيب حكومة السيد عزيز أخنوش، وتقديمها برنامجها الحكومي والمصادقة عليها من طرف غرفتي البرلمان، يمكن استشفاف نظرة أولية على العمل الحكومي وتقديم تقييم أولي وفق ما دأبت عليه الأعراف السياسية في الديمقراطيات العريقة. وفي هذا السياق، وحتى نؤكد موضوعية تقييمنا، ننطلق مما اعتبرناه في حركة معا مؤشرات إيجابية ونقاط تحسب لصالح العمل الحكومي.
قامت الأحزاب المشكل للأغلبية الحكومية بتوقيع ميثاق شرف بينها. نقدر في حركة معا أنها ممارسة تقطع مع التجارب السابقة التي تميزت باشتداد الصراع السياسي بين مكونات التحالف الحكومي ولجوء مكوناتها إلى التبرؤ من الاختيارات والتملص من المسؤولية السياسية رغم إعلانها عن مواثيق سابقة لم تجسدها على أرض الواقع. إن الميثاق الموقع شهادة اعتراف من الأحزاب المكونة للتحالف الحكومي بتحملها المسؤولية السياسية الجماعية بخصوص مخرجات السياسات المتبعة والاختيارات الاستراتيجية للحكومة الحالية، مما سيمكن المواطن المغربي من آلية المحاسبة والمتبعة في الاستحقاقات القادمة.
ثاني رصدنا الإيجابي يتعلق بجزء من السياسات الاجتماعية والمتعلقة بقطاع الصحة من خلال إقرار برنامج بناء مركبات استشفائية جامعية في كل جهة من الجهات الاثنتي عشرة، مما سيعزز العرض الصحي، ويتيح إمكانية سياسة صحية جهوية مندمجة. يتزامن هذا الخيار مع الشروع في تنزيل مشروع تعميم التغطية الاجتماعية، والذي نعتبره خيارا استراتيجيا مهما سيمكن من إرساء الاستقرار الاجتماعي والصحي للمواطنين المغاربة.
وإذا عبرنا عن تثميننا لبرنامج تعميم التغطية الاجتماعية، فإننا ننطلق في مساءلتنا للسياسة الحكومية من هذا المشروع. لقد بني مشروع توسيع وعاء المستفيدين من التغطية على ألية تمويلية مرتبطة بإصلاح صندوق المقاصة والتخلي عن الدعم التدريجي، غير أن الحكومة قررت استمرار الدعم بسبب صعوبة إلغائه في الظرف الحالي المتميز بالارتفاع الصاروخي لأسعار المواد الخام وخاصة الغاز الطبيعي في الأسواق العالمية. وبالمناسبة، نعتبر في حركة معا قرار استمرار الدعم قرارا منطقيا يخدم القدرة الشرائية للمواطن المغربي المهتزة بسبب تداعيات وباء كورونا وانحسار الكثير من الأنشطة الاقتصادية. موضع مساءلتنا يتعلق بالبدائل التمويلية التي صمتت بخصوصها الحكومة الحالية وخاصة القطاعات المعنية (وزارتي الاقتصاد والمالية والصحة والتغطية الاجتماعية).
في جانب آخر، رصدت حركة معا سياسة تواصلية ضعيفة للحكومة المغربية، جسدها أول القرارات المتعلق باعتماد جواز التلقيح كوثيقة ملزمة للاستفادة من الخدمات العمومية وإلزام المرتفقين والموظفين والزبناء في القطاعين العام والخاص بضرورة الإدلاء به بشكل فاجئ المواطنين وأثار سخطهم وغضبهم باعتباره قرارا تمييزيا في الحقوق. كان الأحرى بالسلطات الحكومية اعتماد سياسة منفتحة على الفعاليات الحقوقية وفتح نقاش مع ممثلي الأمة ترسيخا لثقافة ديمقراطية سيغذيها النقاش العمومي وسيقدم بدائل متوافق بخصوصها بين مجموع هيئات الوساطة من أحزاب وفعاليات المجتمع المدني. وفي سياق متواصل، راجعت الحكومة شروط الولوج إلى التوظيف في قطاع التعليم بتحديد سن الثلاثين كحد أقصى، مع ما صاحب هذا التوجه من احتجاجات طلابية وحقوقية، وجعل مستقبل الكثير من الاختصاصات الجامعية مقرونا بشبح البطالة في ظل غياب اختيارات أو حلول بديلة من المفترض على الحكومة أن تكون قد أخذتها بعين الاعتبار قبل الإقدام على قرارات مماثلة.
وبمناسبة مرور 100 يوم على تنصيب الحكومة، ورغم الخروج الإعلامي للسيد رئيس الحكومة في لقاء تلفزي، غير أن الانتظارات كانت أكبر مما تم تقديمه للرأي العام المغربي، والمواطنين المتابعين للشأن السياسي بشكل خاص. لقد توقعنا اعتماد أسلوب تواصلي أكثر انفتاحا على جميع أقطاب الإعلام المغربي، عوض حصره في قناتين تنتميان للقطب العمومي، وانتظرنا من السيد رئيس الحكومة أن يدافع عن حصيلته في ندوة صحفية مباشرة تطرح أمامه الأسئلة الحارقة التي ينتظر المواطنون أجوبة شافية بخصوصها. نأمل في حركة معا أن تكون الخرجات الإعلامية للسيد رئيس الحكومة وكل وزراء حكومته أكثر انفتاحا وأن تنتهج الحكومة الحالية القطيعة المرجوة مع سابقاتها، عوض استمرار نفس النمط التقليدي الذي يجسده التصريح المقتضب للناطق الرسمي عقب المجالس الحكومية.
وعلى مستوى التشريع، نسجل سحب مشروعي القانون الجنائي وقانون تحرير الملك العمومي من مسطرة المصادقة عليهما، مع غياب أي بديل أو حتى الإشارة إلى مواعيد مستقبلية لإعادة النسخ المعدلة لهذه القوانين الهامة في سياق إقرار إصلاح منظومة العدالة ومحاربة اقتصاد الريع. وتنزيلا لمقتضيات الفصل 12 من الدستور الفقرة الثالثة، ندعو الحكومة إلى عدم تغييب المساهمة الفعلية للعاملين في مجال الحقوق والحريات، ومنظمات العدالة خلال إعدادها للمشاريع البديلة لنظيرتها المسحوبة في إطار قيم الديمقراطية التشاركية.
كما نسجل بتحفظ كبير اتخاذ الحكومة وأغلبيتها قرارا يمكن وصفه بسياسة الهروب إلى الإمام، وقيامها بوقف البث المباشر للجان الموضوعاتية بالنظر للصعوبات التواصلية التي تم رصدها سواء لدى ممثلي الأمة أو ممثلي القطاعات الحكومية.
في المجال الاقتصادي، يعتبر مشروع أوراش قاطرة السياسة الاقتصادية لاسترجاع الزخم الاقتصادي، والحد من ظاهرة البطالة المرتفعة عقب الجائحة، وتنشيط الطلب الداخلي استهلاكا أو استثمارا. يقوم المشروع على خلق 250 ألف منصب شغل. تساءل حركة معا هذه السياسة الحكومية على مستويين. المستوى الأول يتعلق بقدرة الحكومة على الوفاء بالتزامها الانتخابي بخلق مليون منصب شغل الذي يستوجب 200 ألف منصب سنويا، وهو رقم بعيد جدا عن 125 ألف التي يعد بها المشروع. المستوى الثاني يساءل مبدأ الاستدامة مع اعتماد 80% من المناصب بشكل مؤقت تتراوح بين شهر وست أشهر، مما يذكرنا بتجربة عمال الإنعاش الوطني. فهل بمثل هذه السياسات سنواجه الهشاشة في سوق الشغل أم سنكرسها؟ وهل يمكن لتجربة التشغيل التي ستمنح للجمعيات المحلية وفعاليات المجتمع المدني أن ترفع تحدي السياسة التشغيلية في قطاعات غير مهيكلة؟ وهل من المجدي استثمار كل هذا الجهد التمويلي من الميزانية العامة للحصول على نمو اقتصادي لا يتعدى 3%؟
وبخصوص موجة التضخم العالية التي تضرب مختلف الاقتصاديات العالمية، والتي كانت آثارها محدودة بالنسبة للمغرب، نثمن مرة أخرى قرار تأجيل رفع الدعم وتفكيك نظام المقاصة رغم الكثير من الملاحظات التي تهم نجاعة الدعم ووصوله للفئات التي تستحقه. نقدم بخصوص هذا الملف قضية المخزون الاستراتيجي في موارد الطاقة الذي سبق التوافق بخصوصه مع شركات المحروقات، والذي يشكل ضامنا إضافيا ضد موجات الارتفاع القصوى في السوق الدولية. كما نتساءل عن مصير المصفاة الوحيدة المتوقفة منذ سنوات طويلة دونما بوادر حل قريب يعيد تشغيلها مع ما يصاحب ذلك من تخفيف لكلفة الفاتورة الطاقية للبلد.
آخر ملاحظاتنا تتعلق بالشق السياسي لحكومة السيد عزيز أخنوش. انتظرنا مع كل الحقوقيين انفراجا سياسيا تستغل من خلاله هذه الحكومة الزخم الانتخابي لإعادة الثقة في المجال السياسي والإقدام على مبادرة إطلاق سراح معتقلي الريف وإشاعة خطاب الثقة، غير أنه لحدود الساعة لم تلق أمالنا آذانا صاغية، رغم استبشارنا بتصريح السيد وزير العدل باستعداده لفتح ملف معتقلي الريف، والذي تراجع عنه لسوء الحظ. وفي نفس السياق ندعو مؤسسة رئاسة الحكومة إلى الاطلاع بدورها المحوري وممارسة كامل اختصاصاتها التي يكفلها دستور 2011، فلا يمكن قبول تردد رئيس الحكومة وخضوعه لرأي الهيئات الاستشارية التي تحولت إلى هيئات ملزمة، بينما المواطنون اختاروا حزب السيد رئيس الحكومة لتصدر الانتخابات لاتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية السياسية بخصوصها.
في ختام هذه الورقة المقتضبة، نؤكد في حركتنا معا سعينا لترسيخ ثقافة المساءلة المدنية للحكومة بعيدا عن كل الحسابات السياسية الضيقة، وتنزيلا لمبدإ المحاسبة المنصوص عليه في الدستور المغربي، واستعدادنا لتقديم خلاصة الدراسات التي يقوم بها أعضاء الحركة بمعية عموم المواطنين في برامجنا للتمكين السياسي للمواطن المغربي للرأي العام الوطني وكل السلطات العمومية مركزيا أو جهويا أو محليا.
≠معا_كلشي_ممكن





