الهوية الضائعة

 

 

 

 

ريم عيسى

 

منذ أن خلق الله الأنسان خلقه على هيئة جنسين ذكر وأنثى ، متباينين في الصفات الداخلية والخارجية وجعل لكل منهم خصائص بحيث يكمل أحدهما الاخر ، فخلق الرجل قوي البنية ضخم الجسد حاد الطبع يرجح عقله اكثر من عاطفته يقوم بالمهام الشاقة و الصعبة و مسؤول عن الاسرة والعائلة ،بينما خلق الأنثى رقيقة مرهفة الاحساس ناعمة البنية مخلوق عاطفي جميل و أوكل إليها مهام تناسب نعومتها ورقتها إضافة إلى اقدس مهمة وهي الأمومة

وتبعا لاختلاف طبيعة الرجل والمرأة كان اختلاف مسؤولياتهما الحياتية اعتمادا على البنية الطبيعية التي خلقها الله للإنسان , حيث تحتم طبيعة الرجل الخشنة القوية القيام بالمهام الصعبة التي تحتاج قوة وصلابة أما المرأة بطبيعتها الناعمة المرهفة فمسؤولياتها متناسبة للطافتها وأنوثتها ومن الطبيعي أن يتبع ذلك التصنيف تمييز من حيث اللباس والمظهر الخارجي .
ينقل الإرث الحضاري لنا نماذج مختلفة لملابس الرجل والمرأة تعكس ثقافة المجتمع منها المزركش أو الأبيض أو الأسود كما تختلف طبيعة المواد المصنوع منها بحسب الطبيعة والطقس, لكن رغم كل الاختلاف بين الثقافات على تنوعها والفروقات الحضارية الكبيرة بين الاقوام لكن يمكن ملاحظة وجود فرق واضح بين ملابس المرأة والرجل حيث يمكنك تمييز جنس الشخص من بعيد من طبيعة ملابسه و حيث انطبعت في مخيلتنا صور محددة لكل من الرجل والمرأة
الملفت في الموضوع هو انتشار ظاهرة قديمة جديدة بقوة وهي تشبُّه الرجال بالنساء أو العكس حيث ترى رجالا يرتدون ملابس النساء ويضعون مساحيق التجميل ويتصرفون كالنساء وفي المقابل نساء قد خلت مظاهرهن من أي أنوثة يتعمدن ارتداء ملابس الرجال والتصرف كالرجال

بالعودة إلى ماضي هذه الظاهرة نجد أنها كانت موجودة عبر التاريخ لكن في حالات نادرة وقليلة و كانت محط انتقاد المجتمع حيث إنها لم تلق دعما وظلت نقطة انتقاد وازدراء من قبل المجتمع , لكن مع مرور الزمن و ظهور فن التمثيل و المسرح وتطوره تم إقحام هذه الظاهرة في الفن وإلباسها ثوب الفكاهة والسخرية …. وهكذا بدأت القصة كغيرها من الأفكار الجديدة التي إذا أردنا إقحامها في المجتمع نقدمها بزي التنكر حتى تلقى القبول وما إن تبدأ بالرواج حتى تبدأ بإزاحة القناع
وهذا ماحصل مع المتلقي الذي ضحك هو وعائلته على الممثل الذي ارتدى ملابس امرأة وتبرج و رقص رقصا أنثويا وأخرى قلدت الرجال في تصرفاتهم وطريقة كلامهم و محاولة تغليظ صوتها وتلك تتباهى بمواقفها الرجولية و تصرفاتها الصبيانية مستخدمة مصطلحات الرجال وكأنها بذلك تحاول إخبار الاخرين أنها ( كووول ) أو متحررة وخارجة عن المألوف ومتمردة على نفسها … لقد تم دس السم بالدسم وساعد في ذلك انفتاح العالم على بعضه و سرعة انتشار الصورة و تعدد مصادر الفن وأنواعه وظهور منصات التواصل التي تدعم ذلك فكثرت اللايكات و المشاركات لمقاطع من هذا القبيل تحت عنوان ( أضحكني ) لرجل يضع مستحضرات التجميل لنفسه ويطبق وصفات العناية بالبشرة وآخر يعطي دروسا في كيفية ارتداء الكعب العالي و آخر يضع الأظافر الاصطناعية ويقدم نصائح في أصول الغنج والدلال ويعلم المرأة كيف تكون أنثى وهي التي خُلقت بالانوثة الحقيقة وتستطيع تصديرها لكل العالم فالأنوثة فيها أصيلة ولاتحتاج لمن يعلمها كيف تحافظ عليها
دوافع وأسباب :

تتعدد الأسباب التي قد تدفع الانسان إلى تقمص شخصيات تجعله غريب عن بني جنسه منها ضعف الثقة بالنفس وعدم احترام الذات التي قد يكون سببها عقد نفسية متكونة في الطفولة كما يعود إلى رغبة الشخص في جذب الانتباه و يكون محط الأنظار والأخطر بين هذه الأسباب مايكون للشهرة وجمع المال أكثر وفي النهاية من الضروري التأكيد على دور الأسرة وتوجيه الأهل لأولادهم في كل مراحل الحياة للحفاظ على الفطرة الطبيعية

لكن الآن أين نحن ؟ إلى ماذا وصلنا؟ لماذا نعيش الأشياء بلحظتها ؟ نتصرف دون التفكير بتبعات أفعالنا واقوالنا وأفكارنا وتأثيرها على المستقبل الذي سيكون يوما حاضر أولادنا…. الآن صار من حق أي إنسان لبس مايريد وفعل مايريد تحت تبرير بعنوان (حريات شخصية) والقنوات عندما تعدم وسيلة لانتاج المفيد وتكاد ميزانيتها تخسر تراها تلهث وراء برامج مثيرة للجدل تستقطب كل ماهو فاسد وتدسه في أذن المتابع وعقله حتى يعتاد عليها ويتقبلها ثم مايلبث أن يدافع عنها وأكبر دليل على تسللها إلى حياتنا هو انقسام الرأي بين مؤيد ومعارض لها واتهام كل معراض لها بالتخلف والقوقعة و عدم القدرة على التطور

لقد خلقنا الله جل جلاله على طبيعة معينة وخُلق معين وهوية محددة كما خَلق لكل منا طباع وصفات جميلة لماذا نسعى لتغييرها متخطين بذلك كل الخطوط الحمراء بدل أن نتمسك بما خلقنا الله عليه مرشدين الأجيال القادمة للتمسك بفطرتها السليمة والصحيحة والحفاظ على هويتنا من الضياع

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...