بقلم : عزيز لعويسي
بتشييع جنازة الطفل الراحل ريان في طقوس مهيبة، وبعودة الهدوء إلى قرية إغـران التي وصل صداها العالمية بعدما كانت مسرحا لواحدة من أكثر المآسي الإنسانية إثارة ومتابعة في العالم، بعد أن نجح “طفل الجب” في زعزعة عرش الإنسانية التي تجمعنا، قد يحاول البعض إعادة نسـج خيوط الحكاية أو المأساة “الرايانية” التي بلغ صداها الآفاق، وقد يحاول البعض الآخر النبش في حفريات ما حملته من دروس وعبـر يتقاطع فيها الاجتماعي بالإنساني والروحي بالرباني، وقد يبادر البعض الثالث إلى محاولة تشريح العوامل التي تحكمت في هذه المأساة اللافتة للنظر.
لكن ومهما كانت المدخلات، نرى أنه من الصعب العودة إلى قرية إغران المعزولة بين جبال الريف، دون التوقف اضطراريا نحو “البئر” المهجور الذي يمكن تشبيهه بالقلم الذي كتبت به قصة ريان ورواية إغران، وذاك العالم المظلم الذي نسجت في أعماقه، صورة ريان التي هزت العالم، وهذه المحنة الإنسانية، كان بالإمكان تفاديها وتجاوزها، لولا مشاهد الإهمال والتقصير وعدم التبصر، التي حالت دون هدم البئر/ الثقب، أو على الأقل الإقدام على إغلاقه ولو بأشياء بسيطة من قبيل “قصدير” أو “قطعة خشب” أو “حجر” من باب “إماطة الأذى عن الطريق”، كإجراء وقائي واحترازي، من شأنه حماية ساكنة القرية الفقيرة من خطر السقوط في العمق، وخاصة الأطفال الصغار الذين يصعب التحكم في سلوكهم، بما أنهم لا يقدرون حجم المخاطر المتربصة بهم.
وبالتالي وعلى الرغم أن ما حدث هو قضاء وقدر، فهو في بعده الضيق مسؤولية مباشرة للأبوين ومسؤولية الدوار أو “اجماعة” التي كان بإمكانها التحرك من أجل تغطية البئر وذلك أضعف الإيمـان، وفي أبعاده العامة هو مسؤولية سلطة محلية غائبة أو خارج التغطية، ومسؤولية الحكومات المتعاقبة التي تراجعت وتركت سكان المنطقة وسكان المغرب العميق بشكل عام، وجها لوجه أمام عواصف الهشاشة والفقر والبؤس والخصاص.
وليس المجال هنا لتوزيع صكوك الإدانة والاتهام، أو إشهار سلاح التنديد في وجه هذا الطرف أو ذاك، لكن في ذات الآن، قد تكون مأساة فقيدنا ريان الذي اختاره الخالق جل علاه، بعد أن أحاطه بمشاعر الإنسانية جمعاء، لحكمة لا يعلمها إلا هو، قد تكـون، بل ولابد أن تكون مناسبة للتوقف الذي لا محيد عنه، بشكل يسمح بتصحيح الرؤية وتقويم ما يتخلل المسار التنموي من اختلالات واعوجاجات، جعلت شرائح عريضة من ساكنة المغرب غارقة بأشكال ومستويات مختلفة في جب الهشاشة بكل امتداداتها، وإذا كانت عملية التوقف تتطلب مساحة زمنية كافية لتشخيص واقــع الحال، والإقدام على الدفع بعجلة التنمية في اتجاه المغرب العميق، فنــرى أن اللحظة تقتضي أكثـر من أي وقت مضى، توجيه البوصلة نحو الآلاف من الآبار المهجورة المنتشرة كالفطريات في عدد من الجماعات القروية على امتداد التراب الوطني، بشكل يجعلها تشكل “قنابل موقوتة” مهددة لسلامة الأشخاص وللمياه الجوفية على حد سـواء، خاصة وأن مراسم تشييع جنازة الراحل ريان، تزامنت ومأساة أخرى، ارتبطت بهلاك طفل نواحي تيفلت “قيل” أنه أرمى بنفسه داخل البئـر محاكاة لما وقع لشهيد إغران.
ومن باب الوقاية والاحتـراز، فالوضعية القلقة، تقتضي تشكيل فرق إقليمية ومحلية تضطلع بمسؤولية إحصاء كل الآبار على المستوى الوطني، وتشخيص وضعيتها وتقدير درجة خطورتها على الساكنة، واتخاذ التدابير العاجلة الضرورية لمعالجتها، إما بالردم الشامل أو بالعمل على تحصينها إذا كانت صالحة للاستعمال، وذلك لاعتبارات عدة، منها : الحفاظ على سلامة الأشخاص وخاصة الأطفال الصغار الذين يصعب التحكم في سلوكاتهم كما تمت الإشارة إلى ذلك سلفا، بما أنهم لا يدركون ويقدرون مخاطر الاقتراب من الآبار أو اللعب بجانبها، وثانيها : الحفاظ على المياه الجوفية، خاصة والمغرب دخل في مرحلة “ندرة الموارد المائية” في ظل تعاقب سنوات الجفاف وقلة التساقطات، مما يفرض تدبيرا أمثل ومتبصر للموارد المائية.
أما البرلمان الذي يستنزف القدرات في اللغط والجدل والعناد والصدام، فندعوه إلى استخلاص العبرة من واقعة قرية إغــران، بالارتقاء بمستوى الخطاب البرلماني، والارتبـاط الوثيق بقضايا وهموم وانتظارات الساكنة، واستعجال المصادقة على قانـون يضبط مجال حفـر الآبار حفاظا على سلامة الأشخاص، حتى لا نقع في كارثة إنسانية أخرى، ربما تكون أعمق من كارثة إغران، علما أن دولا كثيرة كالمملكة العربية السعودية، التقطت درس ريان مبكرا، وشرعت في تنفيذ حملة وطنية استهدفت الآبار والثقب المهجورة، من باب الوقاية والاحتراز، ونرى أنه من الخجل، أن تحدث مأساة إنسانية بهذا الحجم وبهذا الصدى العالمي، راح ضحيتها طفل بــرئ، حتى ننتبـه إلى الخطر الصامت الذي يرتبط بهذه الآبـار عبر التراب الوطني، وحتى تتحرك ناعورة الدعوات المطالبة بشن حملة وطنية ضد كل الآبار والثقب المهجورة، حرصا على حياة المواطنين وحماية للصحة العامة والمياه الجوفية على حد ســواء.
وإذ نطالب عبر هذا المقال، السلطات المختصة باستعجال الانخـراط في حملة وطنية لمواجهة خطر الآبار والثقب المهجورة، المنتشرة على امتداد المجال القـروي، ففي ذات الآن، نطالب بالانتباه إلى حجم المعاناة التي تعانيها الساكنة القرويـة بسبب قلة الماء الشـروب أو انعدامه، ونرى أن وضعية هذه الساكنة ستزداد تعقيدا وتأزما في ظل سيادة حالة الجفـاف وشح التساقطات، وهذه الوضعية المائية المقلقة، تفــرض إيجاد حلول ناجعـة من شأنها تمكيـن السكان من الماء، الذي يعد عصب الحياة بالنسبة للاقتصاد القـروي، كما أن السلطات الفلاحية عموما والمائية خصوصا، لابد أن تستحضر المتغيرات المرتبطة بالمناخ، وآثارها على الفلاحة ومستوى عيش الساكنة القروية، وهـذا يقتضي إعادة النظر في أنماط وأشكال استغلال المجال الفلاحي، بشكل يتكيف وينسجم مع هذه المتغيرات المناخية، التي جعلت من الجفاف قاعدة والتساقطات استثناء، وفي جميع الحالات، لا يمكن أن ننسى أن الشهيد ريان غادرنا إلى دار البقاء، بعد أن سقط في بئـر مهجور، أقدم والده على حفره ذات يــوم، بحثا عن قطـرة ماء، تسقي العباد والبلاد والبهيمة ..
رحمك الله عزيزي ريان .. رحمك الله شهيد الماء والفقر والبؤس والإقصاء والنسيان واللاعدالة.. أنت في جنات الخلد بمشيئة الرحمان .. أما قضيتك ومأساتك التي تجاوز صداها الآفـاق، فهي رسالة لمن يقرأ وعبرة لمن لا يعتبر .. هي صرخة بريئة من طفل صغير لم يتجاوز الخمس سنوات، في وجه الأنانية والعناد والاستعلاء والاستقواء والعبث بكل تمظهراته .. عسى أن نقطع مع كل “القنابل الموقوتة” داخل بيت هذا الوطن الحبيب الذي يجمعنا، تكريما لروح الملاك ريان .. تكريما لهذه الأرض الطاهرة التي يرقد تحتها شرفاء وعلماء وصلحاء وعظماء وبسطاء، صنعوا أمجاد المملكة المغربية الشريفة …





